العالَم الذي سبق

العالَم الذي سبق

قراءةٌ في نشأة الإسلام من جهةِ الحيرة

٢٥ فصلاً · ٥ ملاحق · من حجرِ النَّمارة إلى بيتِ الحكمة

↓ للقراءة، أو افتح الفهرس

القسم ١

المسرح (نحو ٣٠٠–٥٠٠م)

الفصل الأوّل

تمهيد: لماذا نقرأ البداياتِ من جهةِ الحيرة؟

كلُّ قصّةٍ تبدأ من مكان. والقصّةُ التي تَعلّمناها عن بداياتِ الإسلامِ تبدأ من الحجاز، من وادٍ سمّاه القرآنُ «غيرَ ذي زرعٍ» (إبراهيم ٣٧)، حيث قامت مدينةٌ على تجارةٍ ووَثَنٍ ثمّ نزل عليها الوحي. هذه صورةٌ راسخةٌ مألوفة، ونحن لا نَنوي في هذا الكتابِ أن نَمحوَها. لكنّنا نَسأل سؤالاً واحداً بسيطاً: لو وقفنا في موضعٍ آخرَ من الخريطة، ونظرنا إلى البداياتِ من هناك، فهل تَتغيّر الصورة؟

الموضعُ الذي نَقترح الوقوفَ فيه هو الحيرة. مدينةٌ على الفراتِ الأسفل، قربَ موضعِ الكوفةِ المقبل، وعلى مرمىً من العاصمةِ الفارسيّةِ بالمدائن. حَكَمها قرونَ ثلاثةً ملوكٌ عربٌ مسيحيّون، هم اللخميّون أو المناذرة، وكانت تَنطق لساناً واحداً في مستويين، عربيّةَ الشارعِ وسريانيّةَ الكنيسة، وفيها من الأديرةِ نحوُ أربعين. هذه المدينةُ، التي تَقع في هامشِ القصّةِ التقليديّةِ أو تَغيب عنها، هي في هذا الكتابِ مركزُ الثِّقَل. ومن جهتِها سنُعيد رواية القصّةِ كلِّها.

ليست هذه دعوى أنّ كلَّ ما نَعرفه خطأ، ولا أنّ الحجازَ لا شأنَ له. الدعوى أضيقُ من ذلك وأوضح: أنّ العالمَ العربيَّ المسيحيَّ الذي كان قائماً قبلَ الإسلامِ في العراقِ والشامِ واليمن، عالمَ المناذرةِ والغساسنةِ وكنيسةِ المشرق، لم يَكن خلفيّةً بعيدةً للقصّة، بل قد يكون جزءاً من مادّتِها التأسيسيّةِ نفسِها. وأنّ كثيراً ممّا نَقرؤه حَدَثاً جديداً بلا سابقةٍ كان له سابقةٌ قريبةٌ في ذلك العالم، نَعرفها من نقوشِه وسجلّاتِ كنائسِه وشِعرِ بلاطِه.

خمسُ فرضيّاتٍ متشابكة

يقوم هذا الكتابُ على قوسٍ واحدٍ تَتفرّع منه خمسُ فرضيّات. والقوسُ هو ما يُسمّيه القرآنُ «فترةً من الرسل»، في قولِه: «يا أهلَ الكتابِ قد جاءكم رسولُنا يُبيّن لكم على فترةٍ من الرسل» (المائدة ١٩). تَجعل القراءةُ المعتادةُ هذه الفترةَ، الفجوةَ بين عيسى ومحمّد، نحوَ ستّةِ قرون. ونَقرؤها في هذا الكتابِ أطولَ، قوساً يَقارب ألفَ سنة، له طرفان والحيرةُ في وسطِه.

الطرفُ القريبُ أنّ أحداثَ النشأةِ أقدمُ ممّا يؤرّخها التقليدُ بنحوِ قرن، في عالمِ الحيرةِ في القرنِ السادسِ الميلاديّ. والطرفُ الأبعدُ أنّ عيسى القرآنيَّ يقفُ في موجةِ التوحيدِ المحوريّةِ في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، إلى جانبِ نبونيد وزرادشت وبوذا. يُغذّي الطرفان أحدُهما الآخر: العمقُ يُفسّر طولَ الفترة، والقربُ يُفسّر كيف أُعيد تأريخُ طرفِها الأدنى إلى الأمام. والذي يَحمل التوحيدَ عبرَ القوسِ كلِّه هو العالمُ العربيُّ الموحِّدُ المُتمحوِرُ حولَ الحيرةِ وممرِّ الواحات. ومن هنا اسمُ الكتاب: العالَمُ الذي سبق، عند طرفَي القوسِ كليهما.

وفُروعُ هذا القوسِ خمسٌ، خمسُ زوايا نظرٍ إلى صورةٍ واحدة يُكمّل بعضُها بعضاً. نُعرّفها هنا في إيجاز، ثمّ نَترك القصّةَ تُفصّلها في موضعِها.

الأولى هي الإزاحةُ الزمنيّة، وهي طرفا القوسِ معاً. زمنُ التشكُّلِ الأوّلِ للحركةِ أقدمُ ممّا استقرّ عليه التأريخُ التقليديُّ بنحوِ قرنٍ تقريباً، في عالمِ الحيرةِ في القرنِ السادس، وهذا طرفُها القريب. نَنتهي إليه بعد أن نَجمع شواهدَ المصادرِ غيرِ الإسلاميّة، ونَسأل: هل تَبدو البيئةُ التاريخيّةُ في القرنين الخامسِ والسادسِ أكثرَ انسجاماً مع بعضِ ملامحِ القصّةِ ممّا تَبدو في القرنِ السابعِ المتأخّر؟ أمّا طرفُها الأبعد، عيسى القرآنيُّ في الموجةِ المحوريّةِ قبلَ الميلاد، فهو أجرأُ ما في الكتابِ وأحوجُه إلى التعميق، نَفتحه في فصلِ الإزاحة.

الثانيةُ هي الانتقالُ الجغرافيّ نحو الحيرة. وهي من أكبرِ فرضياتِ المشروعِ أثراً. جوهرُها أنّ قسماً مهمّاً من الجغرافيا الأولى مرتبطٌ بفضاءِ الحيرةِ والكوفةِ والمدائنِ وكربلاءَ في العراق، أكثرَ ممّا تَفترض الصورةُ الحجازيّةُ الخالصةُ التي استقرّت لاحقاً. والتمركزُ العراقيُّ في الشواهدِ أقوى بكثيرٍ ممّا تُظهره الصورةُ المبسّطة.

الثالثةُ هي الأسماءُ بوصفها ألقاباً. كثيرٌ من الأسماءِ المؤسِّسةِ في القصّةِ المبكّرةِ تَحمل في الأصلِ معنىً وصفيّاً دينيّاً أو سياسيّاً. المنذرُ نذيرٌ ولقبٌ لخميٌّ متكرّر، والمحمودُ صفةُ مدح، والعليُّ من أسماءِ الرفعة. وتَفتح هذه القراءةُ احتمالاً جادّاً: أنّ منظومةً من الألقابِ الدينيّةِ والسياسيّةِ تعرّضت لاحقاً لعمليّةِ شَخصنةٍ وتاريخنة، فصارت الصفاتُ أشخاصاً والألقابُ أعلاماً.

الرابعةُ هي اللسانُ الواحدُ بمستوياتٍ كثيرة. السريانيّةُ والعربيّةُ في هذه القراءةِ ليستا لغتين أجنبيّتين إحداهما عن الأخرى، بل مستويان للسانٍ واحد، تَفرّع في أقاليمِه وأزمنتِه. ومعجمُ التعبُّدِ الإسلاميِّ الحاملُ، الصلاةُ والصومُ والزكاةُ والقرآنُ نفسُه، له صورةٌ سابقةٌ في الطورِ السريانيِّ من ذلك اللسان. وعربيّةُ القرآنِ أحدثُ صُوَرِ هذا اللسانِ الواحدِ وأعلاها، الصورةُ التي ارتفعت بها اللغةُ إلى تمامِها.

الخامسةُ هي الاستمرارُ البنيويّ. وهي أنضجُ الفرضياتِ من ناحيةِ الشبكة. فكرتُها أنّ الدولةَ الأمويّةَ امتدادٌ للشبكةِ الغسّانيّةِ الشاميّةِ البيزنطيّة، وأنّ الدولةَ العبّاسيّةَ امتدادٌ للشبكةِ اللخميّةِ العراقيّةِ الساسانيّة. والمقصودُ ليس النسبَ البيولوجيَّ المباشر، بل استمرارٌ جغرافيٌّ وقبليٌّ وإداريٌّ وماليٌّ وبشريٌّ ومؤسّساتيّ. والصراعُ الأمويُّ العبّاسيُّ، على هذه القراءة، إعادةُ إنتاجٍ متأخّرةٌ للاستقطابِ الغسّانيِّ اللخميِّ القديم.

ولكلِّ فرضيّةٍ من الخمسِ وزنُها ودرجتُها، نُسمّيها صريحةً في موضعِها. أقواها في وضعِ المشروعِ الحاليِّ مركزيّةُ الحيرةِ والعراق، والاستمرارُ البنيويُّ، والدورُ السريانيُّ في المصطلحاتِ والكوادر. وأجرؤها وأبعدُها مدىً الإزاحةُ الزمنيّةُ الشاملةُ بطرفِها المحوريِّ العميق، وردُّ معظمِ الأسماءِ التأسيسيّةِ إلى ألقاب. وهذا التمييزُ نفسُه من منهجِ الكتاب.

كيف نَقرأ، وبأيِّ أدوات؟

لكلِّ قراءةٍ قواعدُ تَضبطها، ولنا في هذا الكتابِ ثلاثٌ.

القاعدةُ الأولى: المصادرُ من خارج. الروايةُ الإسلاميّةُ الكلاسيكيّةُ مصدرٌ غنيٌّ لا نَستغني عنه، لكنّها كُتبت بعدَ الأحداثِ بقرنٍ أو أكثر، وهي تَروي القصّةَ من داخلِها. ولذلك نُعطي الأولويّةَ، حين نُؤطّر المجالَ التاريخيّ، للشواهدِ التي تأتي من خارجِ التقليد: السجلّاتِ السريانيّةِ لكنيسةِ المشرق، والمؤرّخين اليونانيّين والبيزنطيّين مثلَ بروكوبيوس، والنصوصِ الحبشيّة، والنقوشِ اليمنيّةِ والشاميّةِ مثلَ حجرِ النَّمارةِ ونقشِ CIH 541، والوثائقِ المعاصرةِ مثلَ «تعليمِ يعقوب». هذه شهاداتٌ لا مصلحةَ لها في القصّةِ التي نَدرسها، فهي تُؤطّر المجالَ تأطيراً مستقلّاً.

القاعدةُ الثانية: درجاتُ الثقة. ليست كلُّ وصلةٍ في هذا الكتابِ في منزلةٍ واحدة. بعضُها موثَّقٌ توثيقاً قويّاً، كحجرِ النَّمارةِ ومجمعِ سنةِ ٤١٠ ونقوشِ الغساسنة. وبعضُها قراءةٌ محتمَلةٌ تَستند إلى قرائنَ تَجتمع. وبعضُها تخمينيٌّ بوضوح، نَطرحه قرينةً تُنير الطريق. وبعضُها قراءةٌ منافِسةٌ نَذكرها لنُريَ أنّ للمسألةِ أكثرَ من وجه. وسنُسمّي هذه الدرجاتِ بأسمائها كلّما لزم، فلا نَخلط القويَّ بالتخمينيِّ في سلّةٍ واحدة.

القاعدةُ الثالثة، وهي روحُ الكتابِ كلِّه: التفسيرُ بالآليّةِ لا بالنفي. هذا أهمُّ ما في منهجِنا، وأكثرُه عُرضةً لسوءِ الفهم، فلنَقفْ عنده. حين نَجد شخصيّةً في القصّةِ اللاحقةِ تُشبه شخصيّةً في العالمِ القديم، نَقرأ الشَّبَهَ آليّةَ نَقلٍ وتكريم: حين أُعيدت روايةُ العالمِ، أُعطيَ عظماؤه القدماءُ منازلَ جديدةً شريفةً في السرديّةِ الجديدة. فالسرديّةُ تُكرّم وتَنقل، وتُبقي الأعيانَ ولا تَمحوهم. فالملكُ المسيحيُّ الذي حَكم على الفراتِ تَذكره الكتبُ اللاحقةُ في دورٍ مُكرَّم، وهذا بالضبط ما تَتوقّعه الفرضيّة: أنّ التحوُّلَ يَعمل بإعطاءِ الأعيانِ القدماءِ منازلَ جديدةً شريفة، لا بإنكارِهم. هذه الآليّةُ أقوى رهانيّاً من النفي، وأصدقُ في وصفِ ما جرى، لأنّ الذاكرةَ الجمعيّةَ نادراً ما تَمحو، وإنّما تُعيد ترتيبَ ما تَحفظ.

ومن هنا فهذا الكتابُ يَطلب عمقاً لا هَدماً: رؤيةَ عمقٍ تاريخيٍّ أبعدَ خلفَ قصّةٍ نَعرفها، عمقٍ يَمدّ جذورَها في تربةٍ أعرقَ ممّا ظَنَنّا. فإن صحّت القراءةُ، كان الإسلامُ المبكّرُ تتويجاً لعالمٍ عربيٍّ موحِّدٍ قديم، لا انقطاعاً مفاجئاً في صحراءَ خالية.

البحثُ الذي يَنتمي إليه هذا الكتاب

لسنا أوّلَ من يَطرح هذه الأسئلة، ومن الأمانةِ أن نُسمّي البحثَ الذي نَنتمي إليه. فمنذ سبعينيّاتِ القرنِ العشرين نَشأت في الدراساتِ الغربيّةِ مدرسةٌ نقديّةٌ أعادت النظرَ في مصادرِ النشأةِ الإسلاميّة. كان من أوائلِها كتابُ باتريشيا كرون ومايكل كوك «الهاجريّة» (Hagarism)، الذي حاول قراءةَ البداياتِ من المصادرِ غيرِ الإسلاميّةِ وحدَها، وأعمالُ جون وانسبرو في نقدِ تكوُّنِ النصّ. ثمّ جاءت دراساتُ روبرت هويلاند الجامعةُ للمصادرِ الخارجيّةِ في كتابِه «رؤيةُ الإسلامِ كما رآه الآخرون»، ودراسةُ كرون عن تجارةِ مكّة، وقراءةُ كريستوف لوكسنبرغ السريانيّةِ للقرآن، وأعمالُ مدرسةِ إينارا بإشرافِ كارل هاينتس أوليغ، وأبحاثُ دان غِبسون في اتّجاهاتِ القبلةِ المبكّرة. وقبلَ هؤلاء كلِّهم كان يوليوس فلهاوزن قد فتح بابَ النقدِ التاريخيِّ للمصادرِ العربيّة.

ونحن لا نَتبنّى هؤلاء جميعاً، ولا نُسلّم بكلِّ ما ذَهبوا إليه، فبينهم خلافٌ كبير، وبعضُ أطروحاتِهم رُدّت ونُقدت نقداً جادّاً. لكنّنا نَنتمي إلى تقليدِهم في المنهج: في تقديمِ الشاهدِ المعاصرِ، وفي السؤالِ عمّا تَقوله الوثيقةُ قبلَ أن تَرويه الذاكرةُ المتأخّرة. وما يُميّز هذا الكتابَ عنهم أنّه لا يَكتفي بالنقد، بل يَقترح مركزاً بديلاً للثِّقَل، هو الحيرة، ويَبني حولَه شبكةً من الروابطِ تَجمع اللغةَ والجغرافيا والمؤسّساتِ والأنساب.

وفي مقابلِ هذا، لا نَقرأ هذه المدرسةَ النقديّةَ في معزلٍ عن التراثِ الإسلاميِّ نفسِه، ولا نَجعلها وحدَها مصدرَنا. فالمؤرّخون العربُ الكلاسيكيّون، الطبريُّ والبلاذريُّ وابنُ هشامٍ وابنُ الأثيرِ والأصفهانيُّ صاحبُ الأغاني وياقوتُ في معجمِه، هم خزانةُ هذا الكتابِ الأولى لكلِّ ما يَخصّ المناذرةَ والغساسنةَ والحيرةَ وأيّامَ العرب. ونحن نَقرؤهم بإجلالٍ بوصفهم شهوداً على عالمِهم، لا نُسقطهم كما يَفعل غُلاةُ الشكّ، بل نَزِنهم مع الشاهدِ الخارجيِّ ونَجمع بين الذاكرتين. كما أنّ أسئلةَ النشأةِ هذه شَغلت باحثين مسلمين محدثين، ردّوا كثيراً من جرأةِ المدرسةِ النقديّة، ودافعوا عن صلابةِ التأريخِ المبكّر. فالكتابُ، إذ يَنتمي إلى منهجِ تقديمِ الشاهدِ المعاصر، يَبقى مدينَ التراثِ الإسلاميِّ في معظمِ تفاصيلِه، ويَقرأ القراءتين معاً، الناقدةَ والمدافعة، ويَزن بينهما بإنصاف.

الرحلةُ التي أمامنا

سنَسير على خطٍّ زمنيٍّ واحد. نَبدأ من حجرِ قبرٍ نُقش سنةَ ٣٢٨، حين كان للعربِ مَلِكٌ يُلقَّب «ملكَ العربِ كلِّهم» قبلَ القصّةِ المعروفةِ بثلاثةِ قرون. ثمّ نَدخل الحيرةَ ونَتعرّف إلى لسانِها وكنيستِها. ونَصعد إلى القرنِ السادس، قرنِ التاجين، حيث يَتصارع ملكا العربِ، اللخميُّ خادمُ فارسَ والغسّانيُّ خادمُ الروم، ويَدور في اليمنِ والحبشةِ ما تَتردّد أصداؤه في القرآنِ نفسِه. ثمّ نَبلغ المَفصل: سقوطَ لخمٍ سنةَ ٦٠٢، والحربَ العظمى التي أنهكت الإمبراطوريّتين، واللحظةَ التي تَبدأ فيها القصّةُ الجديدةُ بالظهورِ لجيرانِها.

وهناك، عند المَفصل، نَتوقّف لنَفتح أداتَي الإزاحةِ الزمنيّةِ والأسماء، ونَنظر في طرفِ الفترةِ الأبعد، حيث يقفُ عيسى القرآنيُّ في الموجةِ المحوريّةِ قبلَ الميلاد. ثمّ نَمضي إلى إعادةِ المسرحة: الفتنةِ الأولى التي تُخاض على أرضِ لخمٍ نفسِها، وكربلاءَ على اليومِ العاشر، وقبّةِ الصخرةِ والسَّكّةِ حين صار معجمُ القرآنِ لسانَ الدولةِ الرسميّ. وأخيراً نَصل إلى الميراث: دمشقَ الأمويّةِ في المجالِ الغسّانيِّ القديم، وبغدادَ العبّاسيّةِ قربَ المدائنِ الساسانيّة، والشعائرِ والمصطلحاتِ التي حَملتها كنيسةُ المشرقِ إلى قلبِ الدولةِ الجديدة. ثمّ نُركّب الصورةَ كلَّها، ونَزن القويَّ بالافتراضيّ، ونَختم.

في كلِّ محطّةٍ سنَرى أنّ خيوطاً متفرّقةً، حين تُتبَع إلى منابعِها، تَلتقي عند موضعٍ واحد. وحيثُ تَلتقي، تَلتقي عند الحيرة. فلنَبدأ من حيث بدأ كلُّ شيء، من حجرٍ في البادية.

الفصل الثاني

حجرُ النَّمارة: ميلادُ مُلكٍ عربيّ

في سهلٍ بازلتيٍّ أسودَ جنوبَ شرقِ دمشق، في موضعٍ يُسمّى النَّمارة على أطرافِ بادية الشام، عُثر سنةَ ١٩٠١ على حجرِ قبر. حَمله الباحثون إلى متحفِ اللوفر في باريس، حيث ما زال. ليس في الحجرِ ذهبٌ ولا زخرفةٌ فاخرة، إنّما خمسةُ أسطرٍ محفورةٍ في الحجرِ الصُّلب. لكنّ هذه الأسطرَ الخمسةَ هي أقدمُ نصٍّ عربيٍّ ذي بالٍ نَملكه، وهي تَفتح كتابَنا لأنّها تَفتح الزمنَ الذي نَدرسه قبلَ بدايتِه المعروفةِ بثلاثةِ قرون.

ما يقوله الحجر

الحجرُ شاهدةُ قبرِ رجلٍ اسمُه امرؤُ القيسِ بنُ عمرٍو. والنصُّ مؤرَّخٌ بدقّةٍ نادرةٍ في نقوشِ تلك الحقبة: بالسنةِ الثالثةِ والعشرين بعد المئتين لتقويمِ مدينةِ بُصرى، وهو ما يُحوَّل إلى سنةِ ٣٢٨ للميلاد. يَعني هذا أنّنا نَقف على عَتَبةٍ مؤرَّخةٍ تأريخاً خارجيّاً موثوقاً، لا على تقديرٍ ولا على روايةٍ متأخّرة.

ولغةُ النصِّ هي المفاجأةُ الأولى. الكلماتُ عربيّةٌ، لكنّ الحروفَ التي كُتبت بها ليست الحروفَ العربيّةَ التي نَعرفها، بل الخطُّ النبطيُّ الآراميُّ، وهو الخطُّ الذي ستَنمو منه الكتابةُ العربيّةُ بعدَ قرنين أو ثلاثة. أي أنّنا أمامَ لسانٍ عربيٍّ يَلبس ثوبَ خطٍّ آراميّ. وهذه الحقيقةُ وحدَها، قبل أن نَقرأ معنى النصّ، تَدلّ على فكرةٍ سنَعود إليها كثيراً: أنّ العربيّةَ والآراميّةَ السريانيّةَ لسانان متجاوران، يَتبادلان الخطَّ والمفردةَ والصِّيغة، لا عالمان منفصلان.

أمّا المعنى، فالنصُّ يَنعَى رجلاً عظيماً، ويَصِفه بأنّه «ملكُ العربِ كلِّهم». ولنَضع بين يديِ القارئِ تقريباً لمعنى أسطرِه على القراءاتِ المشهورة، ليَرى الحجرَ بعينِه:

«هذا قبرُ امرئِ القيسِ بنِ عمرٍو، ملكِ العربِ كلِّهم، الذي عَقد التاجَ، ومَلَك القبائلَ، وساس مَعَدّاً، وبلغ في غزوِه أطرافَ نجران، فلم يَبلغ مَلِكٌ مَبلغَه. هلك سنةَ ٢٢٣ [لتقويمِ بُصرى، أي ٣٢٨م]، في اليومِ السابعِ من كَسلول. فيا سعادةَ من والاه.»

وقد اختلف الباحثون في قراءةِ بعضِ كلماتِه، وفي مدى عبارةِ «ملكِ العربِ كلِّهم»: فمنهم من قرأها بكلِّ سَعَتِها، ومنهم من ضيّقها. لكنّ جوهرَها لا يَتغيّر كثيراً مهما اختلفت القراءة: رجلٌ عربيٌّ، في القرنِ الرابعِ الميلاديّ، يُدفَن تحت لقبٍ مُلكيٍّ يَجمع العربَ تحت تاجٍ واحد، ويُذكَر أنّ سلطانَه امتدّ من الفراتِ في الشمالِ نزولاً نحوَ نجرانَ في أقصى الجنوب.

عربٌ لهم مَلِكٌ ولقب

لنَتأمّل ما يَعنيه هذا. القصّةُ المألوفةُ تَبدأ من عربٍ في صحراءَ متفرّقين قبائلَ لا تَجمعها دولة، حتّى جاءهم ما وحّدهم في القرنِ السابع. لكنّ حجرَ النَّمارةِ يُرينا، قبلَ ذلك بثلاثةِ قرون، عربياً له مَلِكٌ يُدفَن بلقبِ «ملكِ العربِ كلِّهم»، وله امتدادٌ من الفراتِ إلى نجران. لم يَكن العربُ، إذن، أمّةً بلا تاريخٍ سياسيٍّ تَنتظر بدايتَها، بل كان لهم مُلكٌ وألقابُ مُلكٍ ووعيٌ بأنّهم «العربُ كلُّهم» قبلَ القصّةِ المعروفةِ بزمنٍ طويل.

ومن هنا تَطلّ علينا أُولى أدواتِنا، فرضيّةُ الأسماءِ بوصفها ألقاباً. «ملكُ العربِ» ليس اسمَ رجلٍ بعينِه، بل لقبٌ قائمٌ في هذا العالم، تَتوارثه البيوتُ المالكة. وإذا كان لقبٌ بهذا الثِّقَلِ قائماً سنةَ ٣٢٨، فمن المعقولِ أن نَسأل عن ألقابٍ أخرى ستَظهر لاحقاً في القصّة: هل هي أسماءُ ميلادٍ نشأت فجأةً، أم ألقابٌ لها جذورٌ في هذا العالمِ القديم؟ لن نُجيب الآن، فالجوابُ يَنتظرنا في فصلٍ خاصّ. لكنّ الحجرَ يَضع السؤالَ في موضعِه الصحيح، عند أوّلِ مُلكٍ عربيٍّ موثَّق.

وتَطلّ علينا أداةٌ ثانية. أين قام هذا المُلك؟ لا في الحجاز، بل على ثغرِ الشامِ والجزيرة، في المجالِ الذي يَصِل الفراتَ ببادية الشام. مركزُ الثِّقَلِ السياسيِّ للعربِ في القرنِ الرابعِ شماليٌّ، على تماسٍّ مع الإمبراطوريّتين الكبيرتين، لا في عمقِ الجزيرةِ الغربيّ. وهذه أُولى لمساتِ فرضيّةِ الانتقالِ الجغرافيّ: أنّ ثِقَلَ العربِ المنظَّمِ كان شماليّاً عراقيّاً شاميّاً قبلَ أن تَستقرّ الصورةُ على الحجاز.

امرؤُ القيس وبيتُ لخم

من هو امرؤُ القيسِ هذا؟ هو غيرُ امرئِ القيسِ الشاعرِ المشهورِ صاحبِ المعلَّقة، الذي عاش بعدَه بقرنين. وهذا التشابهُ في الاسمِ نفسُه دَرسٌ مبكّرٌ في فرضيّةِ الأسماء: مَلِكان عظيمان يَحملان اسماً واحداً، يَفصل بينهما زمنٌ طويل. أمّا امرؤُ القيسِ صاحبُ النَّمارةِ فهو من البيتِ الذي ستَقوم على رأسِه مملكةُ الحيرة، بيتِ لخمٍ، أو المناذرة. تَرفع المصادرُ نسبَ ملوكِ الحيرةِ إلى هذا الجدِّ الأوّل، فيكون حجرُه أقدمَ مرسىً صلبٍ للسُّلالةِ التي ستَشغل هذا الكتابَ من أوّلِه إلى آخرِه.

وهكذا يَجمع هذا الحجرُ الواحدُ، في خمسةِ أسطرٍ من البازلت، خيوطَ فرضياتِنا كلِّها في بذورِها الأولى: لقبٌ مُلكيٌّ لا اسمَ ميلاد، ومركزُ ثِقَلٍ شماليٌّ لا حجازيّ، ولسانٌ عربيٌّ بخطٍّ آراميّ، وبيتُ لخمٍ الذي تَتبعه حُجّةُ الاستمرار. كلُّ ما سيَأتي في هذا الكتابِ كامنٌ، في صورتِه الجنينيّة، في هذا القبر.

في الحجرِ خلافٌ يَستحقّ الذكر

ولأنّ هذا الحجرَ بهذه الأهمّيّة، فقد كَثُر حولَه البحثُ والخلاف، ومن الصدقِ أن نَذكره. النقشُ معروفٌ في فهارسِ النقوشِ الساميّةِ برقمِه، ومحفوظٌ في اللوفر، وقد قرأه الباحثون قراءاتٍ متفاوتة. ومن أشهرِ القراءاتِ المتأخّرةِ قراءةُ جيمس بِلامي سنةَ ١٩٨٥، التي أعادت ضبطَ بعضِ كلماتِه. والخلافُ الأكبرُ على عبارةِ «ملكِ العربِ كلِّهم»: فمن الباحثين من يَقرؤها على إطلاقِها دعوى سيادةٍ على العربِ جميعاً، ومنهم من يَرى فيها مبالغةً جنائزيّةً أو لقباً محدودَ المعنى. وقد ناقش هذا جان رِتسو في دراستِه عن العرب، وغيرُه ممّن بَحث في نشأةِ اسمِ العرب.

ونحن لا يَعنينا أن نَحسم هذا الخلافَ اللغويَّ الدقيق، فهو من شأنِ أهلِ الاختصاص. يَعنينا ما يَثبت مهما اختلفت القراءة: أنّ رجلاً عربيّاً، سنةَ ٣٢٨، دُفن تحت لقبٍ مُلكيٍّ جامعٍ للعرب، في خطٍّ نبطيٍّ يَلفظ عربيّة. هذا القدرُ ثابتٌ، وعليه نَبني، لا على تفصيلِ الكلمة. وهذا نموذجٌ لمنهجِنا في التعاملِ مع المصادر: نَأخذ منها القدرَ الراسخَ، ونَترك ما هو محلُّ خلافٍ في درجتِه.

كيف نَقرأ حجراً

قد يُقال: حجرٌ واحدٌ لا يَصنع تاريخاً، ولا يَنقض روايةً راسخة. وهذا حقّ. والذي نقوله أضيق: إنّ الحجرَ يُؤطّر المجال. يُرينا أنّ عالمَ العربِ قبلَ القصّةِ المعروفةِ لم يَكن فراغاً، بل كان عالماً سياسيّاً له ملوكٌ وألقابٌ وكتابةٌ وذاكرة. ومن داخلِ هذا العالمِ المأهولِ سنُتابع بقيّةَ القصّة.

وهنا يَحسُن أن نُطبّق مبدأنا الأوّلَ في القراءة، التفسيرَ بالآليّةِ لا بالنفي. فحجرُ النَّمارةِ يَحفظ ذاكرةً لا يُكذّب شيئاً: ذاكرةَ مُلكٍ عربيٍّ موحِّدٍ قديم، تَسبق الإسلامَ بقرون. وحين تُعاد روايةُ العالمِ في القرونِ اللاحقة، فإنّ ذاكرةَ هذا المُلكِ القديمِ لا تَختفي، بل تُعاد صياغتُها وتُنقَل إلى موضعِها الجديدِ في القصّة. ومن مهمّتِنا في هذا الكتابِ أن نَتتبّع، خطوةً خطوة، كيف انتقلت تلك الذاكرة.

نُغلق الآن صفحةَ الحجر، ونَتّجه جنوباً وشرقاً، إلى المدينةِ التي حَملت تاجَ هذا البيتِ ثلاثةَ قرون. نَتّجه إلى الحيرة.

الفصل الثالث

الحيرة: معسكرُ العرب

كانت الحيرةُ تَقوم على الفراتِ الأسفل، على بُعدِ كيلومتراتٍ قليلةٍ من الموضعِ الذي ستَقوم عليه الكوفةُ بعدَ قرون، وعلى مرمىً قريبٍ من المدائنِ عاصمةِ فارسَ الساسانيّة. تُسمّيها المصادرُ السريانيّةُ «حيرتا د-طَيّايَ»، أي «معسكرَ العرب»، وفي هذا الاسمِ تَلخيصٌ لها: مكانٌ يَلتقي فيه العربُ بالعالمِ المنظَّمِ من حولِهم، ثَغرٌ تَتمازج فيه الباديةُ بالإمبراطوريّة.

حَكمها قرونَ ثلاثة، من نحوِ ٣٠٠ إلى ٦٠٢، ملوكٌ عربٌ مسيحيّون هم اللخميّون، أو المناذرةُ كما تُسمّيهم العربيّةُ نسبةً إلى لقبِهم المتكرّر. وكانوا تابعين لفارسَ الساسانيّةِ يَحرسون ثغرَها الغربيَّ من العرب، كما كان الغساسنةُ في الشامِ يَحرسون ثغرَ الرومِ من الجهةِ المقابلة. فالحيرةُ ليست مدينةً منعزلة، بل أحدُ قطبَي عالمٍ عربيٍّ مسيحيٍّ يَمتدّ من العراقِ إلى الشام.

مدينةٌ بلسانين

أبرزُ ما يُميّز الحيرةَ في قراءتِنا أنّها عاشت لساناً واحداً في مستويين. في الشارعِ والسوقِ والبيتِ كانت العربيّة، وفي الكنيسةِ والدَّيرِ والكتابِ المقدّسِ كانت السريانيّة. ولم يَكن المستويان منفصلين، بل كانا وجهين للحياةِ نفسِها. الرجلُ الواحدُ يَبيع بالعربيّةِ ويُصلّي بالسريانيّة، والكاتبُ الواحدُ يَنظم الشعرَ العربيَّ ويَنسخ الليتورجيا السريانيّة. هذه هي البيئةُ التي تَصِفها فرضيّتُنا الرابعةُ في صورتِها الحيّة: لا لغتان متجاورتان، بل لسانٌ واحدٌ بطورين.

وكان حَمَلةُ هذا اللسانِ في الحيرةِ طبقةً بعينِها، هي العِباد. والاسمُ يَعني «عبادَ الله»، وهم النخبةُ العربيّةُ المسيحيّةُ الأصليّةُ للمدينة. منهم الكتبةُ والشعراءُ والسفراءُ والأطبّاء، وهم الذين حَملوا الليتورجيا السريانيّةَ والإدارةَ الفارسيّةَ إلى العربيّةِ اليوميّة. ويَنسب التقليدُ إلى أهلِ الحيرةِ أنّهم من أوائلِ من كتَب العربيّةَ بالخطِّ الذي سيَصير خطَّ المصحف، وسنَرى في الفصلِ التالي شواهدَه الحجريّةَ المؤرَّخة، من زَبَد إلى أُسَيسَ إلى حَرّان. فالحيرةُ مَهدُ الكتابةِ العربيّةِ في هذه البيئةِ المسيحيّة، لا مجرّدُ مدينةٍ تَنطق بها.

وحولَ المدينةِ قام نحوُ أربعين ديراً، ظلّ جغرافيّو العربِ من بعدُ يَعُدّونها بأسمائها في كتبِهم، كأنّها معالمُ لا تُنسى. كانت هذه الأديرةُ مراكزَ علمٍ ونُسكٍ ونسخٍ للكتب، وفيها صوامعُ للعُزلةِ والتحنُّث. وهذه الصورةُ، صورةُ مدينةٍ تُحيط بها الأديرةُ والصوامع، سنَحملها معنا حين نَصل إلى ذكرِ غارِ حِراء، فالاسمان متقاربان في الجَرسِ تقارباً يَستحقّ الوقوف.

كلُّ من يُجادلهم القرآن، في مكانٍ واحد

لِمَ نَجعل هذه المدينةَ مركزَ الثِّقَل؟ ليس لأمرٍ واحد، بل لتراكمِ أمور. أوّلُها أنّ الحيرةَ ضمّت، في موضعٍ واحد، كلَّ جماعةٍ دينيّةٍ يُجادلها القرآنُ ويُخاطبها. كانت فيها كنيسةُ المشرقِ بأساقفتِها وأديرتِها، وكان فيها يهودٌ لهم حضورُهم، ومانويّون، وبقايا عبادةِ النجومِ القديمةِ التي عُرف بها العراق، وعربٌ على الوثنيّة. فإذا كان القرآنُ يُحاجج النصارى في المسيح، واليهودَ في كتابِهم، والمشركين في آلهتِهم، والصابئةَ في نجومِهم، فإنّ المكانَ الذي تَجتمع فيه هذه الخصوماتُ كلُّها حاضرةً متجاورةً هو الحيرةُ وما حولَها، لا واحةٌ معزولةٌ في عمقِ الجزيرة.

وثانيها الاستمرارُ. الدولُ التي خَلفت اللخميّين لم تَبدأ من الصِّفر، بل حَملت إدارتَهم وكتبتَهم قُدُماً. والكوفةُ التي بُنيت بجوارِ الحيرةِ صارت قلبَ السياسةِ العلويّةِ والشيعيّةِ الأولى، ومركزاً من مراكزِ الدولةِ العبّاسيّة. والمشاهدُ المقدّسةُ في هذا التقليد، النجفُ وكربلاءُ، تَقع كلُّها في هذا الإقليمِ بعينِه. فكأنّ ثِقَلاً روحيّاً وسياسيّاً يَتجمّع، جيلاً بعد جيل، في الأرضِ التي كانت عليها مملكةُ الحيرة.

وثالثها اللسان. معجمُ القرآنِ الدينيُّ الحامل، الكلماتُ التي تَقوم عليها العقيدةُ والعبادة، له صورةٌ سابقةٌ في السريانيّةِ التي نَطقت بها الحيرة. سنُفصّل هذا في موضعِه، لكن يَكفي الآن أن نُلاحظ أنّ اللسانَ الذي تَبلوَر فيه التعبيرُ الدينيُّ كان حاضراً في هذه المدينةِ حضوراً يوميّاً.

حين نَجمع هذه الأمورَ الثلاثة، الجماعاتِ المتجاورةَ، والاستمرارَ المؤسّسيَّ والجغرافيَّ، واللسانَ الدينيَّ الحامل، نَجد أنّ خيوطَ القرآنِ المتفرّقةَ تَلتقي عند هذه المدينة. وهذا معنى قولِنا إنّ الحيرةَ مركزُ الثِّقَل: ليس أنّها أهمُّ مدينةٍ في القصّة، بل أنّها المكانُ الذي تَتقاطع عنده حُجَجُ المشروعِ المتفرّقة.

مدينةٌ دَرسها الباحثون

ولم تَعُد الحيرةُ مدينةً منسيّة في البحثِ الحديث. فقد أفردتها إيزابيل تورال-نيهوف بدراسةٍ جامعةٍ سمّتها «الحيرة: حاضرةٌ عربيّةٌ ثقافيّة»، تَتبّعت فيها نخبتَها ومدارسَها وأديرتَها وشِعرَها. ودَرس جان موريس فييه المسيحيّةَ في العراقِ ووثّق أبرشيّاتِها وأديرتَها. ومن هذه الدراساتِ تَخرج صورةٌ لا لبسَ فيها: أنّ الحيرةَ كانت حاضرةً ثقافيّةً كبرى، لا قريةَ بدوٍ على أطرافِ المُلك.

وطبقةُ العِبادِ في قلبِ هذه الصورة. فهم لم يَكونوا قبيلةً واحدة، بل تجمُّعاً من بطونٍ عربيّةٍ مختلفةٍ جَمعها الدِّينُ المسيحيُّ والاستقرارُ في المدينةِ وخدمةُ بلاطِها. منهم نَبغ الكُتّابُ الذين أداروا الديوانَ بالفارسيّةِ والعربيّة، والشعراءُ الذين حَفظوا أوّلَ شعرٍ عربيٍّ مدوَّن، والسفراءُ الذين تَنقّلوا بين الحيرةِ والمدائنِ والشام. وتَنسب رواياتُ نشأةِ الخطِّ العربيِّ بدايتَه إلى أهلِ الأنبارِ والحيرة، أي إلى هذه البيئةِ بعينِها. فإن صحّ ذلك، كانت يدُ العباديِّ الكاتبِ هي التي خطّت أوائلَ الحروفِ التي سيُكتَب بها المصحفُ بعدَ أجيال.

الحيرةُ وحِراء

لا بدّ من وقفةٍ صريحةٍ عند تقاربِ الاسمين، الحيرةِ وحِراء، فهو ممّا يُثار كثيراً ويَستحقّ صدقاً في القول. الاسمان متقاربان في الجَرسِ تقارباً لافتاً، وأديرةُ الحيرةِ كانت فيها صوامعُ للتحنُّثِ والعزلةِ تُشبه ما تَصِفه الروايةُ من تحنُّثٍ في غارِ حِراء. هذه ملاحظةٌ نَضعها في درجةِ الاحتمالِ لا اليقين. والتقاربُ اللفظيُّ والمعنويُّ بين موضعِ التحنُّثِ ومدينةِ الأديرةِ قرينةٌ تُضاف إلى غيرِها، لا دليلٌ يُثبت أنّ الغارَ هو المدينة، تَستحقّ أن تُذكَر وأن تُوزَن بحذر. وهكذا نَفعل في كلِّ هذا الكتاب: نُسمّي القرينةَ بدرجتِها، فلا نُضخّمها ولا نُسقطها.

ولنَفصل القرينةَ إلى ساقَيها، فهما غيرُ متساويتَين. الساقُ اللفظيّةُ أضعفُهما: فحِراءُ الجبلِ وحيرةُ المدينةِ يَفترقان في الجذرِ عند اللغويّين، وقد يكون التقاربُ جَرساً لا نسباً، فنَضعها في أدنى الدرجات. أمّا الساقُ الوظيفيّةُ فأثقل: فالتحنُّثُ الذي تَصِفه السيرةُ، اعتزالُ الرجلِ لياليَ ذواتِ عددٍ في خلوةٍ جبليّةٍ للتعبُّد، هو بعينِه نظامُ الخلوةِ الذي عاشته صوامعُ النسّاكِ وقلّاياتُ الرهبانِ في عالمِ الحيرةِ وأديرتِها الأربعين، ممارسةٌ موثَّقةٌ في أدبِ الديارات. فحتّى لو سقطت ساقُ اللفظِ بقيت ساقُ الوظيفةِ قائمة: مشهدُ الوحيِ يَفتتح بممارسةٍ نسكيّةٍ شرقيّةٍ معروفة، لا بطقسٍ حجازيٍّ وثنيّ. تلك في درجةِ الاحتمال.

وممّا يَربط أرضَ الحيرةِ بمشهدٍ مؤسِّسٍ آخرَ خندقُ سابور: الخندقُ الدفاعيُّ الذي حَفره الساسانيّون على تخومِ العربِ قربَ الحيرةِ ليَصدّ الغاراتِ عن الريف، ويَذكره الإخباريّون باسمِه. فحين تَروي السيرةُ أنّ الخندقَ حُفر حولَ المدينةِ بمشورةِ سلمانَ الفارسيِّ لأنّه هندسةٌ فارسيّةٌ لا تَعرفها العرب، فهي تُثبت بلسانِها أنّ الخندقَ علامةٌ فارسيّةٌ عراقيّةُ الموطن، وأقربُ خنادقِ ذلك العالمِ إلى العربِ خندقُ الحيرة. نَضع الرابطَ في درجةِ التخمين، ونُثبت الحقيقتَين الصلبتَين: خندقُ سابورَ موثَّق، وإسنادُ الفكرةِ إلى فارسيٍّ محفوظٌ في الروايةِ نفسِها.

الحجرُ تحتَ المدينة

وأمتنُ ما يُضاف إلى هذا الفصلِ أنّ عمودَ الحيرةِ لم يَعُد قائماً على كتبِ القرنِ التاسعِ وحدَها. فثلاثةُ أحجارٍ من ثلاثِ جهاتٍ تُثبّت بيتَ لخمٍ قبلَ أن يَبدأ التقليدُ العربيُّ بروايتِه.

أوّلُها نقشُ شابورَ الأوّلِ على كعبةِ زرتشتَ بنقشِ رستم، منحوتاً نحوَ سنةِ ستّينَ ومئتَينِ بثلاثِ لغات، وفيه في قائمةِ رجالِ بلاطِ أردشيرَ الأوّل: «عَمرو ملكُ لخم». وثانيها نقشُ بايكولي للملكِ نَرْسي، بعده بنحوِ ثلاثينَ سنة، يُدرِج «عَمرو ملكَ لخم» بين التابعينَ المُقِرّينَ بمُلكِ الملوك. وثالثُها حجرُ النَّمارةِ سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وثلاثِ مئة، وفيه امرؤُ القيسِ بنُ عمرو. فالتسلسلُ الذي كنّا نقرؤه في الأخبارِ وحدَها مثبَّتٌ عند نقطتَينِ منفصلتَين، بخطَّين، من إمبراطوريّتَين، وبينهما خمسٌ وثلاثونَ سنة. وبيتُ لخمٍ بعدَها موثَّقٌ متّصلاً إلى سنةِ ستِّ مئةٍ واثنتَين: أطولُ سلسلةِ مُلكٍ عربيّةٍ موثَّقةٍ عندنا.

ونُثبت هنا تصويباً على أنفسِنا، فقد كتبنا أوّلَ الأمرِ أنّ بايكولي أقدمُ ذكرٍ للخميّينَ في أيِّ مكان، وليس كذلك: نقشُ شابورَ يَسبقه. سحبنا اللفظَ وأبقينا الأثر. وهل عَمرو الأوّلُ هو عَمرو الثاني؟ سؤالٌ مفتوحٌ لا نُغلقه؛ أمّا تاريخُ الشهادةِ فمُغلَق.

حين انعقد المجمعُ في معسكرِ العرب

وفي هذه الأرضِ نفسِها وقعت واقعةٌ لم نكن نُعطيها حقَّها. ففي سنةِ أربعٍ وعشرينَ وأربعِ مئةٍ اجتمعت كنيسةُ المشرقِ في مجمعِ داديشوعَ فقضت أنّ أهلَ المشرقِ لا يَستأنفونَ على جاثليقِهم إلى بطاركةِ الغرب، وأنّ الجاثليقَ لا يَحكم عليه إلا المسيح. وهذا هو القطعُ الدستوريُّ الحقيقيّ، لا مجمعُ سنةِ عشرٍ وأربعِ مئةٍ الذي كنّا نُقدّمه. وهو قبلَ مجمعِ أفسسَ بسبعِ سنين، فالانفصالُ إذن قضائيٌّ سابقٌ للعقيدة، لا فرارٌ من إدانةٍ في المسيحانيّاتِ كما يُقال.

ثم انظر أين انعقد: في مَركَبتا دطيّايا، أي «مَركَبِ الطيّايي»، معسكرِ العرب، في بيتِ أرمايي داخلَ مدارِ لخم. فالكنيسةُ التي سيَرثها المسلمونَ في العراقِ أعلنت استقلالَها في معسكرٍ عربيّ، والسجلُّ السريانيُّ يسمّي الموضعَ بذلك حرفاً لا تأويلاً. وهذا الفصلُ عنوانُه «معسكرُ العرب»، فهذا عنوانُه في وثيقةٍ كنسيّةٍ من القرنِ الخامس.

الحيرةُ بعدَ سقوطِ المُلك

وكنّا نقول إنّ سقوطَ اللخميّينَ سنةَ ستِّ مئةٍ واثنتَينِ خلّف «فراغاً»، وإنّ جهازَ الحيرةِ «نجا». والحقيقةُ أحدُّ من ذلك وأنفعُ لنا. فكسرى الثاني لم يُلغِ الحيرة، بل استبدل بالملكِ التابعِ والياً عربيّاً من غيرِ لخم، إياسَ بنَ قبيصةَ الطائيّ، وأجلسه إلى جانبِ مرزُبانٍ فارسيٍّ يَمسك بيتَ المالِ والحامية. أي أنّ مملكةً تابعةً حُوِّلت ولايةً تُجبى مباشرةً، ولها صاحبٌ مسمّى نحوَ خمسَ عشرةَ سنة. فالجهازُ لم يَنجُ فحسب، بل أُعيد توجيهُه.

وتفصيلةٌ واحدةٌ تُغيّر معنى ذي قارٍ كلِّه: إياسٌ هو الذي قاد الجانبَ الفارسيَّ في المعركة. فليست عرباً تَغلب فرساً؛ إنّما هي الأطرافُ القبليّةُ تَغلب ديوانَ الحيرةِ وقد صار يُدار لقطيسفون، وعلى رأسِه رجلٌ من طيّئ. والجسرُ المؤسّسيُّ الذي نَدّعيه في هذا الكتابِ ماثلٌ في سيرةِ رجلٍ واحد: المناصبُ نفسُها، والمدينةُ نفسُها، وبيتُ المالِ نفسُه، وسيّدٌ مختلف، ووالٍ عربيٌّ يُدير ذلك كلَّه.

ما تَحفظه المدينة

نَختم هذا الفصلَ بتطبيقِ مبدئِنا. الحيرةُ في قراءتِنا ليست بديلاً يُلغي غيرَه، بل أصلٌ يَحفظ ما سيُنقَل لاحقاً. فإذا وَجدنا في القصّةِ المعروفةِ مدينةً تَجمع الأديانَ، وكتبةً يَحملون لساناً مقدّساً، ومشاهدَ تَتجمّع، وصراعاً يَتكرّر، فإنّ هذه كلَّها موجودةٌ، حاضرةٌ، موثَّقةٌ، في الحيرةِ قبلَ القصّةِ المعروفة. والذاكرةُ حين تُعيد روايةَ نفسِها لا تَخترع من العدم، بل تُعيد ترتيبَ ما حَفظت. فما حَفظته الحيرةُ، سنَراه يَظهر، منقولاً ومُكرَّماً، في القصّةِ اللاحقة.

لكن قبلَ أن نُتابع الرجالَ والأحداث، علينا أن نَفهم اللسانَ الذي تَكلّمت به هذه المدينة، والكنيسةَ التي نَظّمت حياتَها. إليهما نَتّجه في الفصلِ التالي.

الفصل الرابع

لسانٌ واحدٌ بمستويين

حين نقول إنّ الحيرةَ عاشت لساناً واحداً في مستويين، فنحن نَطرح فكرةً تَحتاج إلى توضيح، لأنّها تُخالف عادةً راسخةً في النظرِ إلى اللغات. اعتدنا أن نَتصوّر السريانيّةَ لغةً، والعربيّةَ لغةً أخرى، وأنّ ما يَنتقل بينهما «اقتراضٌ» تأخذه لغةٌ من جارتِها. لكنّ هذا التصوُّرَ، في نظرِ هذا الكتاب، يَفصل ما كان متّصلاً.

ما معنى «لسانٌ واحد»؟

السريانيّةُ والعربيّةُ والعبريّةُ والآراميّةُ كلُّها فروعٌ ساميّة، تَتقاسم بنيةً صرفيّةً واحدةً، وجذوراً ثلاثيّةً مشتركة، وحقولاً دلاليّةً متطابقة. والمتكلّمُ بإحداها يَتعرّف في الأخرى على كثيرٍ من جذورِها وصِيَغِها دون تعلُّمٍ جديد. فحين نَجد كلمةً دينيّةً في العربيّةِ لها أختٌ في السريانيّة، فقد نكون أمامَ كلمةٍ واحدةٍ في لسانٍ واحدٍ تَفرّع في أقاليمِه، لا عربيّةٍ تَستعير من سريانيّة. هذا ما نَعنيه بـ«اللسانِ الواحدِ بمستوياتٍ كثيرة»: أنّ هذه الألسنةَ صُوَرٌ لأصلٍ واحد، وأنّ السريانيّةَ، بحُكمِ كونِها لغةَ الكنيسةِ والكتابِ في هذا الإقليم، كانت المستوى المكتوبَ المتعالي، بينما كانت العربيّةُ المستوى المنطوقَ اليوميّ.

وفي هذا الإطارِ نَقرأ عربيّةَ القرآنِ قراءةً خاصّة. هي الصورةُ الأحدثُ والأعلى لهذا اللسانِ الواحد، الصورةُ التي ارتفعت بها اللغةُ إلى تمامِها وفصاحتِها، لا كلماتٍ أخذتها كما يأخذ غريبٌ من غريب. فالطورُ السريانيُّ سابقٌ، والطورُ العربيُّ القرآنيُّ لاحقٌ وأعلى، وكلاهما من شجرةٍ واحدة. هذا التمييزُ مهمٌّ جدّاً، لأنّه يَحفظ للقرآنِ مكانتَه ويَفهمه امتداداً وارتقاءً، لا نقلاً ولا استعارة.

الكنيسةُ التي نظّمت المشرق

لم يَكن المستوى السريانيُّ معلَّقاً في الهواء، بل كان له جسدٌ مؤسّسيٌّ ضخم، هو كنيسةُ المشرق. وقصّةُ هذه الكنيسةِ ضروريّةٌ لفهمِ كلِّ ما سيَأتي، فلنَقف عندها.

في سنةِ ٤١٠، اجتمع مسيحيّو الإمبراطوريّةِ الفارسيّةِ في العاصمةِ المزدوجةِ ساليق-قطيسفون، وأقاموا لأنفسِهم حُكماً واحداً. انعقد المجمعُ برئاسةِ الجاثليقِ إسحاق، بسندِ الملكِ الساسانيِّ يزدجردَ الأوّل، وبحضورِ مبعوثٍ من الرومِ هو الأسقفُ ماروثا. أقرّ المجمعُ قانونَ نِيقيةَ للإيمان، ووضع كلَّ مسيحيٍّ في الإمبراطوريّةِ تحتَ جاثليقِ ساليق-قطيسفون، ورسم خريطةَ الكراسيِّ الأسقفيّة، ومنها كرسيُّ الحيرةِ على الفرات، وكراسيُّ العربِ على ساحلِ الخليجِ في بيتِ قطرايي. وأعمالُ هذا المجمعِ محفوظةٌ في سجلٍّ سريانيٍّ يُسمّى «المجمَع المشرقيّ»، وفيه يَتبيّن حجمُ ما أُقرّ، وهذا تعريبٌ لروحِه:

«اجتمع آباءُ الكنائسِ في مدينةِ ساليق-قطيسفونَ في عهدِ المَلِكِ يزدجرد، فأقرّوا إيمانَ آباءِ نِيقيةَ الثلاثمئةِ والثمانيةَ عشر، وجَعلوا جاثليقَ ساليق-قطيسفونَ رأساً على أساقفةِ المشرقِ كلِّهم، ورَتّبوا الكراسيَّ والمتروبوليتيّات، وفيها كرسيُّ الحيرةِ وكراسي العربِ على البحر.»

فهذا، قبلَ القرآنِ بقرنين، دستورُ كنيسةٍ منظَّمةٍ لها رأسٌ وكراسٍ عربيّة، مكتوبٌ بالسريانيّةِ ومحفوظ.

ثمّ في سنةِ ٤٢٤ خطت الكنيسةُ خطوةً أبعد، إذ أعلنت جاثليقَها غيرَ خاضعٍ لأيِّ بطريركٍ غربيّ، كنيسةً تَحكم نفسَها شرقيَّ روما. واعترفت بها الدولةُ الساسانيّةُ الجهةَ التي تَنطق باسمِ مسيحيِّي الإمبراطوريّةِ كلِّهم. وكان لها مدرستُها العظيمةُ في نصيبين، تُخرّج أجيالاً من الأساقفةِ والكتبةِ والأطبّاء، وكانت كراسيُّها تَمتدّ من الحيرةِ على الفراتِ وميسانَ في جنوبِ العراق إلى جنديسابورَ ومروَ وساحلِ الخليج.

فلنَتأمّل ما يَعنيه هذا. قبلَ القصّةِ المعروفةِ بقرنين كاملين، كانت هناك كنيسةٌ مسيحيّةٌ منظَّمةٌ يَسندها سلطانٌ إمبراطوريّ، لها ولاياتٌ عربيّةٌ وأساقفةٌ عرب، تَحفظ سجلّاتِها وتُخرّج كتبتَها وتُدير أبرشيّاتِها بالسريانيّةِ والعربيّة. لم تَكن المسيحيّةُ العربيّةُ قبلَ الإسلامِ كنائسَ بدوٍ متفرّقة، بل مؤسّسةً ضخمةً واثقةً يَرعاها الملوك. وهذه المؤسّسةُ هي ما تَقول فرضيّتُنا الخامسةُ إنّ الخلافةَ لم تَخترعه بل وَرِثته، كما سنرى في آخرِ الكتاب.

العربيّةُ في الحجر

ولئلّا تَبقى فكرةُ «اللسانِ الواحد» مجرّدَ نظرية، لنا عليها شواهدُ في الحجر. فقبلَ القرآنِ كان للعربيّةِ حياةٌ مكتوبة، والنصوصُ التي تَحملها مسيحيّةٌ كلُّها تقريباً.

في زَبَدَ، جنوبَ شرقِ حلب، عَتَبةٌ من سنةِ ٥١٢، من مَزارٍ للقدّيسِ سرجيوس، تَحمل ثلاثَ لغاتٍ جنباً إلى جنب: اليونانيّةَ والسريانيّةَ والعربيّة، والعربيّةُ تُسمّي بانيها. وعلى بازلتِ جبلِ أُسَيس، جنوبَ شرقِ دمشق، نقشٌ من سنةِ ٥٢٨ يُسجّل رجلاً أرسله إلى موضعِ حاميةٍ «الحارثُ الملكُ»، أي الحارثُ بنُ جبلةَ الغسّانيّ. وفي حَرّانَ باللَّجاةِ عَتَبةٌ من سنةِ ٥٦٨، مكتوبةٌ باليونانيّةِ والعربيّة، فوقَ بابِ مَزارٍ بناه رجلٌ اسمُه شَرَحيل.

هذه من أقدمِ النصوصِ المؤرَّخةِ بالخطِّ العربيّ، وكلُّها يَقف في مَزارٍ مسيحيّ، غالباً إلى جانبِ السريانيّةِ واليونانيّة، تحتَ ملوكٍ عربٍ مسيحيّين. إنّها فرضيّتُنا الرابعةُ في الحجر: العربيّةُ مكتوبةٌ مع السريانيّةِ واليونانيّةِ في بيوتِ العبادة، والخطُّ العربيُّ نفسُه يَتبلور في هذه البيئةِ المسيحيّة. فالعربيّةُ التي سيَنزل بها القرآنُ كانت لها، قبلَ ذلك بأجيال، حياةٌ مكتوبةٌ على الثغرِ المسيحيّ.

قراءاتٌ في الصلةِ بين اللسانين

والصلةُ بين العربيّةِ والسريانيّةِ في النصِّ القرآنيِّ مبحثٌ قديمٌ في الدراسات. فقد نبّه تيودور نولدكه، في تاريخِه للقرآن، إلى أثرِ السريانيّةِ في ألفاظِه. وجَمع آرثر جِفري معجماً سمّاه «المفرداتِ الأجنبيّةَ في القرآن»، حَصر فيه ما رآه وافداً من السريانيّةِ والحبشيّةِ والفارسيّةِ وغيرِها. وكتب ألفونس مِنغانا عن «الأثرِ السريانيِّ في أسلوبِ القرآن». ثمّ جاءت قراءةُ كريستوف لوكسنبرغ الجريئةُ، التي اقترحت إعادةَ قراءةِ مواضعَ من القرآنِ على أساسٍ سريانيّ-آراميّ.

ونحن، كعادتِنا، نَزن هذه الأعمالَ ولا نُسلّم بها جملة. فقراءةُ لوكسنبرغ خاصّةً نُقدت نقداً شديداً، وكثيرٌ من تفصيلاتِها محلُّ خلاف. لكنّ الإطارَ العامَّ، أنّ معجمَ القرآنِ الدينيَّ يَلتقي بالطورِ السريانيّ، أمرٌ أقدمُ من لوكسنبرغ وأرسخُ من تفصيلاتِه، نبّه إليه نولدكه ومِنغانا وجِفري قبلَه. والفرقُ بين قراءتِنا وقراءةِ من يَتحدّث عن «اقتراض» أنّنا لا نَرى لغتين متباعدتين تَستعير إحداهما من الأخرى، بل لساناً واحداً بطورين، أحدثُهما وأعلاهما عربيّةُ القرآن.

توافُقُ اللغات: حليفٌ من جمهورِ المتقدّمين

وقبلَ أن نَمضيَ، نَقف عند نقصٍ في هذا الفصلِ كان ينبغي أن يُسدَّ من أوّلِ يوم. فنحن نَستشهد فيه بنولدكه ومِنغانا وجِفري ولوكسنبرغ، وكلُّهم غربيّون، ولا نَذكر أنّ لهذه المسألةِ في تراثِنا بابَها المستقلَّ وأهلَها المعروفين.

يفرد السيوطيُّ في «الإتقان» نوعاً لِما وقع في القرآنِ بغيرِ لغةِ العرب، فيَنقل مذهبَ جمهورِ المتقدّمين أنّه ليس في القرآنِ معرَّبٌ ألبتّة، ويسمّي أصحابَه: الشافعيَّ، وأبا عُبيدةَ معمرَ بنَ المثنّى، وابنَ جريرٍ الطبريَّ، والقاضيَ أبا بكرٍ الباقلّانيَّ، وابنَ فارس. وحُجّتُهم أنّ القرآنَ عربيٌّ بنصِّ نفسِه، وأنّ لسانَ العربِ، كما قال الشافعيُّ في «الرسالة»، أوسعُ الألسنة. فأمّا الكلماتُ التي تُشبه الفارسيَّ أو السريانيَّ أو الحبشيَّ فتفسيرُهم لها توافُقُ اللغات: أن تقعَ لغتانِ على الكلمةِ نفسِها.

وهذا كسبٌ لنا، وينبغي أن نَعرف حدَّه بدقّةٍ لا أن نَتوسّع فيه. فنحن والجمهورُ نتّفق في النصفِ السالبِ ونفترق في الموجب. نتّفق على أنّ القرآنَ ليس مُقترِضاً، وأنّ ألفاظَه عربيّةٌ أصيلة، وذاك نصفُ الدعوى وأهمُّها في وجهِ من يقول «استعار». ثم نفترق: تفسيرُهم مصادفةٌ بين لسانَين، وتفسيرُنا أصلٌ واحد، لسانٌ واحدٌ بمستويات. ودعويانِ مختلفتان، ومن يخلطهما فقد ادّعى سنَداً لم يُعطَه، ومن فتح «الإتقان» رآه بعينِه.

ومن الأمانةِ أن نَذكر أنّ في المسألةِ خلافاً بين أهلِها لا إجماعاً. فأبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلّامٍ على مذهبٍ متوسّط: أنّها أعجميّةُ الأصلِ عربيّةٌ بالاستعمالِ والتعريب. و«المعرَّب» للجواليقيِّ كتابٌ قائمٌ في الجهةِ المقابلةِ يَجمع ما عُدّ معرَّباً. فالبابُ مفتوحٌ في تراثِنا كما هو مفتوحٌ في الدرسِ الحديث، ونحن ندخله من بابِه لا من نافذته.

المدينةُ التي سُمّيت السريانيّةُ باسمِها

وكنّا نتّكئ على السريانيّةِ في كلِّ صفحةٍ ولا نَذكر المدينةَ التي حَملت اسمَها. فالسريانيّةُ الفصحى وُلدت في الرُّها، أورهاي، وحكمها من نحوِ مئةٍ واثنتَينِ وثلاثينَ قبلَ الميلادِ إلى منتصفِ القرنِ الثالثِ بنو أبجر، سلالةٌ عربيّةُ الأصلِ نبطيّةٌ تَحمل أسماءً عربيّة، تَتكلّم الآراميّةَ وتَكتبها، وتُناوب اسمَينِ ملكيَّينِ عبرَ نحوِ عشرةِ أجيال: أبجرَ ومعنو.

وهذا هو ما نقوله عن لخمٍ بالحيرةِ وعن جفنةَ بالجابيةِ حرفاً: سلالةٌ عربيّةٌ تَحكم مدينةً ناطقةً بالآراميّةِ حاجزاً تابعاً بين إمبراطوريّتَين، لكن قبلَهما بثلاثةِ قرون، وعلى النقودِ والحجرِ لا في كتبِ القرنِ التاسع. ومناوبةُ أبجرَ ومعنو هي مناوبةُ المنذرِ والنعمانِ بعينِها. وأقدمُ نقشٍ سريانيٍّ مؤرَّخٍ شاهدُ بيرَجِك سنةَ ستٍّ للميلاد، وحوليّةُ الرُّها تَفتتح من أرشيفِ المدينةِ بفيضانِ سنةِ مئتَينِ وواحد، وفيه ذكرُ «كنيسةِ النصارى» التي هدمها الفيضان، وهو أقدمُ ذكرٍ مؤرَّخٍ لمبنى كنيسةٍ في العالم. وتَحفّظٌ نُسجّله: معنو بعينٍ، من حقلِ م-ع-ن، فليس مَناةَ وليس ماني.

الإنجيلُ الذي كان كتاباً واحداً

وثَمّةَ ما هو ألصقُ بالقرآنِ من ذلك. فالقرآنُ يقول «الإنجيل» مفرداً في كلِّ موضع، كتاباً واحداً أُوتيَه عيسى. وكنيسةُ هذا الممرِّ كان إنجيلُها كتاباً واحداً فعلاً: ذياطسّرونُ طاطيانوسَ، إنجيلٌ موحَّدٌ منسوجٌ من الأربعةِ في أواخرِ القرنِ الثاني، ظلّ نصَّ الإنجيلِ الغالبَ عندَ الناطقينَ بالسريانيّةِ نحوَ قرنَينِ ونصف. وأفرامُ السريانيُّ شرحه هو، لا الأربعة. ثم جُمعت نسخُه وأُزيلت، ويُخبر ثيودوريتُس أنّه انتزع من أبرشيّتِه وحدَها أكثرَ من مئتَي نسخة.

ونَزن هذه القرينةَ بميزانِنا لا بهوانا، فهي أضعفُ ممّا تَبدو أوّلَ وهلة: السريانيّةُ تُفرِد «إوَنغِليون» حتى حين تَعني الأربعة، بل إنّ الصيغةَ المستعملةَ للأناجيلِ المفصولةِ هي «إنجيلُ المفصولين» بالإفرادِ نفسِه، فالإفرادُ القرآنيُّ لا يُميّز وحدَه. ونصُّ الذياطسّرونِ غيرُ قابلٍ للاسترجاع. ولذا نَضعها في درجةِ الاحتمالِ لا القوّة، ونُسمّي خصمَها كما نُسمّي نصيرَها: فان ريث يَذهب إلى التوحيد، وغريفث يَرى «الإنجيلَ» كتاباً اعتباريّاً لا كتاباً بعينِه. لكنّ الحقيقةَ الباقيةَ بعدَ كلِّ تحفُّظٍ أنّ الممرَّ الذي نتكلّم عنه عَرف إنجيلاً في كتابٍ واحد، وأنّ ذلك ليس فرضاً منّا.

المدرسةُ قبلَ حركةِ الترجمة

ونُصحّح هنا شيئاً كنّا نقوله ولا يَثبت. كنّا نُحيل خطَّ اليونانيّةِ فالسريانيّةِ فالعربيّةِ إلى بيتِ الحكمة ببغدادَ وإلى أكاديميّةِ جنديسابور، ونَستشهد على ذلك بغوتاس ودولز، وكلاهما يقول عكسَ ذلك: غوتاس يَنقض صورةَ بيتِ الحكمةِ أكاديميّةً للنقلِ عن اليونانيّة، ورسالةُ حُنينٍ نفسُها لا تَذكر المؤسّسةَ ألبتّة؛ ودولز يَرى مشفى جنديسابورَ ومدرستَها قبلَ الإسلامِ بناءً متأخّراً لا شاهدَ معاصرَ عليه. فسحبنا الدعوى، ولم تَضعف الحجّة، بل عادت إلى أرضٍ أصلب.

فالخطُّ مشهودٌ حيث جرى فعلاً: في مدرسةِ نصيبين، التي بَقيت قوانينُها في تحريرَين، سنةَ ستٍّ وتسعينَ وأربعِ مئةٍ وسنةَ تسعينَ وخمسِ مئة، وهي أقدمُ دستورِ مدرسةٍ عاليةٍ باقٍ في الشرقِ الأدنى: إقامةٌ ومنهجٌ ثابتٌ وامتحانٌ وفصل. أي أنّ النقلَ كان منهجاً دراسيّاً بقائمةِ قراءةٍ مسمّاةٍ قبلَ أجيالٍ من كونِه حركةَ ترجمةٍ برعاة. وأصدقُ شاهدٍ على وصولِ ذلك إلى بغدادَ رجلٌ واحد: طيمثاوسُ الأوّلُ جاثليقُ كنيسةِ المشرق، يقول في رسائلِه بنفسِه إنّه نقل «طوبيقا» أرسطو من السريانيّةِ إلى العربيّةِ بأمرِ المهديّ. جاثليقٌ يُنفّذ تكليفاً خليفيّاً بيدِه: هذا جسرٌ أمتنُ من بناءٍ كانت وظيفتُه شيئاً آخر.

ما الذي أسّسته هذه البيئة؟

إذن، حين نَصل إلى القرنِ السابع، لا نَصل إلى أرضٍ بِكر. نَصل إلى عالمٍ فيه لسانٌ مكتوبٌ مقدّس، وكنيسةٌ منظَّمةٌ بأساقفةٍ عرب، ومعجمٌ دينيٌّ ناضج، وخطٌّ عربيٌّ وُلد في كنائسِ الشام. هذه هي المادّةُ التي سيَعمل فيها التحوُّلُ الكبير. ونَقرأ هذا عمقاً لا انتقاصاً: أنّ الكلماتِ التي سنُصلّي بها كانت لها حياةٌ سابقةٌ في هذا العالمِ المسيحيِّ العربيّ، وأنّ القرآنَ رفعها إلى صورتِها الأتمّ.

بهذا نُغلق القسمَ الأوّل. وضعنا المسرح: حجرَ النَّمارةِ يَفتح الزمن، والحيرةَ مركزاً للثِّقَل، واللسانَ الواحدَ وكنيسةَ المشرقِ خلفيّةً للكلِّ. الآن، وقد عَرفنا المكانَ واللسان، نَصعد إلى القرنِ السادس، إلى زمنِ التاجين، حيث يَتصارع ملكا العرب.

القسم ٢

التاجان (نحو ٥٠٠–٦٠٠م)

الفصل الخامس

لخمٌ وغسّان: تاجانِ عربيّان

في القرنِ السادسِ الميلاديّ كان العالمُ القديمُ محكوماً، في جوهرِه، بإمبراطوريّتين عظيمتين لا تَكادان تَلتقيان: الرومُ في الغرب، وراءَ جبالِ طوروس، وفارسُ الساسانيّةُ في الشرق، وراءَ دجلة. وبينهما كانت باديةُ الشامِ وأرضُ الرافدين، ثَغرٌ مفتوحٌ لا تَملك أيٌّ من الإمبراطوريّتين أن تَحرسه بجيوشِها النظاميّة. ولذلك اتّخذت كلٌّ منهما مَلِكاً عربيّاً يَحرس ثغرَها، ويُقاتل عنها، ويَكون سيفَها ودرعَها في وجهِ العرب.

اتّخذت فارسُ المناذرةَ في الحيرة، واتّخذ الرومُ الغساسنةَ في الشام. فصار للعربِ في القرنِ السادسِ تاجان: تاجٌ شرقيٌّ يَخدم فارسَ من الحيرة، وتاجٌ غربيٌّ يَخدم الرومَ من الجابية. وهذه الثُّنائيّةُ، تاجانِ عربيّانِ يَتقابلان على ثغرٍ واحدٍ خدمةً لإمبراطوريّتين متحاربتين، هي العمودُ الذي تَقوم عليه فرضيّتُنا الخامسة، فرضيّةُ الاستمرارِ البنيويّ. فلنَتعرّف إلى هذين التاجين عن قُرب.

الغساسنة: تاجُ الرومِ العربيّ

كان الغساسنةُ، أو بيتُ جَفنة، ملوكاً عرباً مسيحيّين على المذهبِ الميافيزيّ، يَحكمون عربَ الشامِ من الجابيةِ في حوران. وكانوا حلفاءَ بيزنطةَ وسيفَها في وجهِ فارسَ والمناذرة. وأعظمُهم الحارثُ بنُ جبلة، الذي بلغ من المكانةِ أن منحه الإمبراطورُ يوستينيانُ لقبَ «بطريق»، ورفعه فوقَ سائرِ شيوخِ العرب.

وللغساسنةِ أثرٌ في الحجرِ نَقف عليه. ففي باديةِ الشامِ تَقوم الرُّصافة، التي عَرفها اليونانُ سَرجيوبوليس، مدينةَ القدّيسِ سرجيوس، وفيها بازيليكٌ ضخمٌ من حجرٍ شاحب، على جدرانِه نقوشٌ ملكيّةٌ باليونانيّةِ والسريانيّةِ معاً. هذه الكاتدرائيّةُ هي الغساسنةُ في صورةِ بناء: ملوكُ العربِ المسيحيّون يَرفعون كنيسةً ضخمةً ويَتركون أسماءَهم عليها بلغتَي عالمِهم. وهي برهانٌ ملموسٌ على أنّ مسيحيّةَ العربِ قبلَ الإسلامِ كانت ديناً واثقاً ضخمَ البنيانِ يَرعاه الملوك، من نوعِ المؤسّسةِ التي تَتوقّع فرضيّةُ الاستمرارِ أن تَجدها قائمةً خلفَ الشامِ الأمويِّ اللاحق.

المناذرة: تاجُ فارسَ العربيّ

وفي المقابلِ كان المناذرةُ في الحيرة، البيتُ الذي رَفع نسبَه إلى امرئِ القيسِ صاحبِ النَّمارة. كانوا تاجَ فارسَ العربيّ، يَحرسون ثغرَها الغربيّ، ويُغيرون على أرضِ الرومِ والغساسنة. ولقبُهم المتكرّر، المنذر، لقبٌ سنَعود إليه في فصلِ الأسماء، فهو يَحمل معنى النِّذارةِ والإنذار، وهو في الوقتِ نفسِه اسمٌ سلاليٌّ لخميٌّ يَتناوب مع لقبٍ آخرَ هو النعمان.

وكان أعظمُ ملوكِهم في هذا القرنِ المنذرَ الثالثَ بنَ النعمان، مَلِكاً مَهيباً أرعب الشامَ بغاراتِه عقوداً، حتّى صار رمزاً للقوّةِ العربيّةِ الفارسيّة. وبينه وبين الحارثِ الغسّانيّ دارت حربٌ طويلةٌ هي حربُ التاجين، سنَصل إلى ذروتِها في فصلٍ قريب.

ومن المهمِّ أن نُلاحظ أنّ التاجين كليهما مسيحيّان، وإن اختلف مذهبُهما: الغساسنةُ ميافيزيّون قريبون من المشرقِ السريانيّ، والمناذرةُ في فلكِ كنيسةِ المشرقِ النسطوريّة، وقد اعتَنق آخرُ ملوكِهم المسيحيّةَ صريحاً. فالصراعُ بينهما ليس صراعَ مسلمٍ ووثنيّ، ولا صراعَ دينٍ ودين، بل صراعُ تاجين عربيّين مسيحيّين على ثغرٍ واحد، كلٌّ يَخدم إمبراطوريّتَه. هذه الصورةُ، صورةُ عالمٍ عربيٍّ مسيحيٍّ منقسمٍ بين شرقٍ وغرب، هي التي سنَراها تُعيد إنتاجَ نفسِها لاحقاً.

التاجانِ في وثيقةٍ واحدة

هل التقى التاجانِ في وثيقةٍ واحدةٍ معاصرة؟ نعم. في نقشٍ سبئيٍّ ضخمٍ من اليمن، هو نقشُ CIH 541، المؤرَّخُ بسنةِ ٦٥٨ للتقويمِ الحِميَريِّ (نحوَ ٥٤٨ للميلاد)، يُخلّد الملكُ أبرهةُ ترميمَه لسدِّ مأرب، ويَذكر الوفودَ التي حَضرت. وهذا تعريبٌ للقسمِ الذي يَهمّنا:

«وفي ذلك الزمنِ وَفدت عليه وفودُ مَلِكِ الحبشةِ النَّجاشيّ، ومَلِكِ الروم، ومَلِكِ الفُرس، والمنذرِ مَلِكِ الحيرة، والحارثِ بنِ جبلةَ مَلِكِ غسّان، فاجتمعت عندَه رسلُ القوى كلِّها عند تمامِ السدّ.»

أي أنّ التاجين العربيّين، اللخميَّ والغسّانيَّ، حاضرانِ معاً، بوفدَيهما، إلى جانبِ مبعوثي القوى الكبرى الثلاث، في حدثٍ دبلوماسيٍّ واحدٍ مؤرَّخٍ بنحوِ سنةِ ٥٤٨ للميلاد.

هذا النقشُ وثيقةٌ ثمينة. فهو يُثبت، بشهادةٍ معاصرةٍ من خارجِ كلِّ روايةٍ لاحقة، أنّ الثُّنائيّةَ التي نَبني عليها كانت حقيقةً سياسيّةً قائمة، ظاهرةً للعِيانِ في حدثٍ واحد. والملكان العربيّان يَقفان جنباً إلى جنبٍ بين مبعوثي الإمبراطوريّاتِ الكبرى، كأنّهما ندّان لها. ليس العربُ في هذه الصورةِ هامشاً، بل لاعبون في الساحةِ الكبرى، لهم تاجانِ وملكان ووفودٌ تُرسَل.

شهادةُ المعاصرين والباحثين

وهذا العالمُ موثَّقٌ توثيقاً جيّداً، لا في الروايةِ العربيّةِ المتأخّرةِ وحدَها، بل في المصادرِ المعاصرة. فالمؤرّخُ البيزنطيُّ بروكوبيوس، في «تاريخِ الحروب»، يَصف المنذرَ اللخميَّ والحارثَ الغسّانيَّ بأسمائِهما، ويَروي غاراتِهما وحروبَهما خدمةً لفارسَ والروم. وهذا تعريبٌ لوصفِه ملكَ الحيرة:

«وكان المنذرُ، مَلِكُ العربِ التابعِ للفُرس، رجلاً بالغَ الحَزمِ والبأس، ظلّ نحوَ خمسين سنةً يَستنزف قوّةَ الرومِ ويُنهكها، يُغير على بلادِهم من أقصى مصرَ إلى أطرافِ الشام، فلم يَقدر الرومُ على ردِّه، حتّى أقاموا في وجهِه الحارثَ ملكَ غسّان.»

فهذان الملكانِ ليسا من نسجِ الذاكرةِ المتأخّرة، بل شخصيّتانِ تَذكرهما أقلامُ خصومِهما في زمنِهما، بالاسمِ والوصف.

وقد أفرد العالمُ عرفان شهيد لهذا العالمِ سلسلةً ضخمةً سمّاها «بيزنطةُ والعرب»، تَتبّع فيها العربَ على ثغرِ الروم قرناً بعد قرن. ودَرس غريغ فيشر وآخرون «العربَ والإمبراطوريّاتِ قبلَ الإسلام». ومن هذه الدراساتِ تَخرج صورةُ نظامٍ راسخ: إمبراطوريّتانِ كبيرتان، وبينهما ثَغرٌ تَحرسه ممالكُ عربيّةٌ تابعةٌ منظَّمة، لها جيوشُها وبلاطُها وكنائسُها. فالثُّنائيّةُ التي نَبني عليها ليست استنتاجاً بعيداً، بل بنيةٌ سياسيّةٌ معروفةٌ موصوفةٌ في مصادرِها.

قبلَ التاجَين: تدمرُ والتجربةُ الضابطة

وقبلَ التاجَينِ بثلاثةِ قرونٍ كانت الصورةُ نفسُها قائمةً غربَ الفرات، وهناك يَقع أنظفُ شاهدٍ نملكه على الآلةِ التي يَشتغل عليها هذا الكتابُ كلُّه.

فتَدمرُ مدينةٌ عربيّةُ الحكمِ آراميّةُ الكتابة، وملكُها أُذينة، وهو بالتدمريّةِ ʾdynt وباليونانيّةِ أودايناثوس: كلمةٌ واحدةٌ في ثلاثةِ أقلامٍ لا ثلاثةُ أسماء. ثم إنّ الدالَ الآراميّةَ تُقابل الذالَ العربيّةَ بقانونٍ مطّرد، فالآراميّةُ «إدنا» والعربيّةُ «أُذُن» كلمةٌ واحدة، و«أُذينة» تصغيرُها المعتاد. أي أنّ بيتاً حاكماً في القرنِ الثالثِ بمدينةٍ تَكتب الآراميّةَ كان يَحمل أسماءً عربيّة: دعوى اللسانِ الواحدِ مقولةً حقيقةً عن سلالةٍ لا أطروحةً نُدافع عنها.

وأثمنُ من ذلك امرأتُه. فعلى قاعدةِ الشارعِ المعمَّدِ بتدمر، مؤرَّخةً بشهرِ آبَ من سنةِ إحدى وسبعينَ ومئتَين، أقامها قائداها في حياتِها، اسمُها بالتدمريّةِ bt zby، «بنتُ زبّاي»، وباليونانيّةِ «زِنوبيا». والعربُ يَعرفونها الزَّبّاء. فليست الزبّاءُ مصادفةً ولا ترجمةً لزنوبيا: هي النسبةُ جُرّدت من «بنتِ» فتَصلّبت اسماً للمرأةِ نفسِها. ثم يَفعل التقليدُ ثلاثةَ أشياءَ نَراها بأعينِنا: يَعرف أنّ الاسمَ لقبٌ فيَهب لها اسمَ مولدٍ، ثم يُعيد اشتقاقَ اللقبِ من ز-ب-ب أي كثرةِ الشعر، ثم يُولّد من الاشتقاقِ الباطلِ مشهداً، مشهدَ كشفِها شعرَها لتَصدَّ جَذيمة. وأبوها زبّايُ يَختفي أباً ويَعود أختاً اسمُها زبيبة.

هذه هي التجربةُ الضابطةُ التي لم نَظفر بها قطُّ في غيرِ هذا الموضع: الأصلُ باقٍ على الحجرِ مؤرَّخاً بالشهر، والصورةُ المنقولةُ باقيةٌ في كتبِنا بعده بستّةِ قرون، فنَقيس ما صنعه النقلُ قياساً ولا نُحاجُّ فيه. وأخطرُ ما صنعه ليس في الاسم: فتدمرُ سقطت بيدِ أورليان، ولا يَذكر مصدرٌ عربيٌّ واحدٌ في الدورةِ أورليانَ ولا الرومَ ولا مغامرةَ زنوبيا الإمبراطوريّةَ ألبتّة؛ ومكانَهم يَقف عمرُو بنُ عديٍّ أوّلُ ملوكِ لخم مُهلِكاً لتدمرَ ثائراً لخالِه. حُذفت إمبراطوريّةٌ ونُصِّب مكانَها مؤسِّسُ بيتِ الحيرة، والقصّةُ تنتهي بتأسيسِ الحيرة، لأنّها مرويّةٌ من الحيرة.

وخالُه جَذيمةُ الأبرشُ هو الوحيدُ في الدورةِ كلِّها الذي له حجر: شاهدُ قبرٍ من أمِّ الجِمالِ في حَوران، بالنبطيّةِ واليونانيّة، نحوَ سنةِ خمسينَ ومئتَين، فيه «مربّي جَذيمةَ ملكِ تنوخ»، وهو أقدمُ ذكرٍ لتنوخَ في الدنيا. والحجرُ يَقف في حَوران، غربَ حيثُ تَضعه كتبُنا بنحوِ سبعِ مئةِ كيلومتر. فالإزاحةُ التي نَحتجّ لها في هذا الكتابِ نَراها هنا بالإصبع: الحجرُ في كِفّةٍ والطبريُّ في كِفّة. ويَتبع ذلك أنّ تنوخَ اتّحادٌ بجناحَين، شرقيٍّ حولَ الحيرةِ وغربيٍّ على ثغرِ الروم، ومَاويةُ الملكةُ التنوخيّةُ التي قاتلت الرومَ سنةَ ثمانٍ وسبعينَ وثلاثِ مئةٍ هي الجناحُ الغربيُّ بعدَ قرن.

بذرةُ الاستمرار

سنَحمل من هذا الفصلِ بذرةً نَزرعها الآن ونَحصدها في آخرِ الكتاب. الثُّنائيّةُ هي: شرقٌ عربيٌّ يَخدم فارسَ من الحيرةِ والعراق، وغربٌ عربيٌّ يَخدم الرومَ من الجابيةِ والشام. احفظ هذه الصورة. فحين نَصل إلى الدولةِ الأمويّةِ القائمةِ في دمشقَ، في المجالِ الغسّانيِّ بعينِه، وإلى الدولةِ العبّاسيّةِ القائمةِ في العراقِ قربَ المدائنِ الساسانيّة، في المجالِ اللخميِّ بعينِه، وحين نَرى الصراعَ الأمويَّ العبّاسيَّ يَتّخذ هيئةَ صراعِ الشامِ والعراق، سنَسأل: أليست هذه هي الثُّنائيّةُ القديمةُ نفسُها، تاجَي العربِ، تُعاد على مسرحٍ جديد؟

لكنّنا لم نَبلغ ذلك بعد. أمامنا أوّلاً أن نَرى هذا العالمَ في ذروةِ حركتِه: في اليمنِ حيث تَلتقي الحبشةُ وفارسُ والروم، وفي يومِ حَليمةَ حيث يَسقط أحدُ التاجين. إلى اليمنِ نَتّجه أوّلاً.

الفصل السادس

اليمنُ والحبشة: نجرانُ وأبرهة

لم يَكن العالمُ العربيُّ في القرنِ السادسِ ينحصر في الشمال، عند التاجين. كان له قطبٌ جنوبيٌّ لا يَقلّ حرارةً، هو اليمن. وهناك، في أرضِ حِمْيَر، دارت أحداثٌ كبرى موثَّقةٌ في النقوشِ والمصادرِ غيرِ الإسلاميّة، نَجد أصداءها تَتردّد في القرآنِ نفسِه. ولذلك يَفتح هذا الفصلُ، لأوّلِ مرّةٍ صريحةً، بابَ فرضيّتِنا الأولى: الإزاحةِ الزمنيّة.

حِمْيَرُ الموحِّدة

كانت مملكةُ حِمْيَرَ في اليمنِ قد تَركت الوثنيّةَ القديمةَ منذ زمن، وصارت مملكةً توحيديّة. ونقوشُها تَدعو الإلهَ باسمِ «رحمنان»، أي الرحمن، إلهاً واحداً بلا شريك. وكان كثيرٌ من حُكّامِها ونُخبتِها على اليهوديّة، أو على توحيدٍ قريبٍ منها. فاليمنُ في القرنِ السادسِ ليست أرضاً وثنيّةً تَنتظر التوحيد، بل مملكةٌ موحِّدةٌ قائمةٌ تَعبد الرحمن. وهذه حقيقةٌ تُغيّر الصورةَ: التوحيدُ في الجزيرةِ العربيّةِ قبلَ الإسلامِ لم يَكن غريباً ولا نادراً، بل كان دولةً ونقوشاً ومَلِكاً.

وبلغ الصراعُ الدينيُّ ذروتَه حين قام مَلِكٌ حِمْيَريٌّ يهوديٌّ يُعرَف بذي نُواس، فاضطهد نصارى نجرانَ في جنوبِ الجزيرة. وفي سنةِ ٥٢٣ جرت مذبحةٌ كبرى، أُحرق فيها كثيرٌ من نصارى نجرانَ في الأخاديد، فهزّت المذبحةُ العالمَ المسيحيَّ كلَّه، وكُتبت فيها رسائلُ سريانيّةٌ معاصرة، وحُفظت في «كتابِ الحميريّين» و«استشهادِ الحارث». هذا حدثٌ مؤرَّخٌ توثيقاً قويّاً من مصادرَ معاصرة.

والقارئُ للقرآنِ يَلمح هنا صدىً. ففي سورةِ البروجِ ذكرٌ لـ«أصحابِ الأخدودِ، النارِ ذاتِ الوقود»، الذين أُحرق فيها المؤمنون. والقراءةُ التقليديّةُ تَنسب هذا إلى نجرانَ وذي نُواس. فإذا صحّ هذا الربط، كنّا أمامَ حدثٍ مؤرَّخٍ سنةَ ٥٢٣، تَتردّد ذكراه في القرآن. ونحن لا نَبني على هذا وحدَه شيئاً، لكنّه أوّلُ موضعٍ نَرى فيه إشارةً قرآنيّةً تَتقاطع مع حدثٍ موثَّقٍ في القرنِ السادس. وهذا تقاطعٌ نَضعه في حسابِنا.

الحبشةُ تَعبر البحر

لم تَبقَ مذبحةُ نجرانَ بلا ردّ. فعبر البحرَ من الحبشةِ جيشٌ بقيادةِ مَلِكِها كاليب، الذي تُسمّيه المصادرُ العربيّةُ النجاشيّ، فأسقط ذا نُواسَ وأقام في اليمنِ حُكماً مسيحيّاً موالياً لأكسومَ والروم. وهكذا صار اليمنُ ساحةً تَلتقي فيها القوى الكبرى: الحبشةُ المسيحيّةُ من خلفِها الروم، في مواجهةِ النفوذِ الفارسيِّ من الشرق.

ومن قادةِ الحبشةِ في اليمنِ نَهض رجلٌ اسمُه أبرهة، استقلّ بحُكمِ اليمنِ وصار مَلِكاً عليه. وهو صاحبُ نقشِ CIH 541 الذي مرّ بنا، نقشِ ترميمِ سدِّ مأرب، الذي استقبل فيه وفودَ القوى الخمس. فأبرهةُ ليس شخصيّةً أسطوريّة، بل مَلِكٌ موثَّقٌ بنقوشِه، له تاريخٌ وألقابٌ وأعمالُ بناء.

الفيلُ والإزاحة

تَنسب الروايةُ إلى أبرهةَ حملةً شماليّةً بالفِيَلةِ نحو مكّةَ، هي حملةُ الفيلِ التي تَذكرها سورةُ الفيل. وهنا يَقف هذا الكتابُ وقفةً منهجيّةً مهمّة. حملاتُ أبرهةَ الشماليّةُ موثَّقةٌ في النقوشِ، وأشهرُها نقشُ مُرَيغان (Ry 506) المؤرَّخُ بنحوِ ٥٥٢ للميلاد، يُسجّل غزوةً إلى شمالِ الجزيرة. فزمنُها منتصفُ القرنِ السادس. والقصّةُ التقليديّةُ تَجعل عامَ الفيلِ عامَ مولدِ النبيِّ، أي نحوَ ٥٧٠.

تَأمّل الفجوة. حدثُ الفيلِ، إن رُبط بحملاتِ أبرهةَ الموثَّقة، أقربُ إلى منتصفِ القرنِ السادسِ منه إلى سنةِ ٥٧٠. وهذا أوّلُ خيطٍ في فرضيّةِ الإزاحةِ الزمنيّة: أنّ بعضَ المراسي التي تُؤرَّخ بها القصّةُ التقليديّةُ قد تكون أقدمَ ممّا استقرّ عليه التأريخُ المتأخّر. لا نَجزم، بل نُلاحظ التوتُّرَ بين تأريخِ النقوشِ المعاصرةِ وتأريخِ الروايةِ اللاحقة، ونَحمل هذا التوتُّرَ معنا إلى الفصلِ الذي سنُفصّل فيه الإزاحة.

وثائقُ الجنوب

ومذبحةُ نجرانَ ليست روايةً متأخّرة، بل حدثٌ وثّقته أقلامٌ معاصرة. فرسالةُ شمعونَ أسقفِ بيت أرشام، المكتوبةُ بالسريانيّةِ بُعيدَ المذبحة، تَروي تفاصيلَها. و«كتابُ الحميريّين» السريانيُّ يُفصّل أسماءَ الشهداءِ وأخبارَهم. و«استشهادُ الحارثِ» يَحفظ ذكرى زعيمِ نجرانَ الشهيد. فهذه شهاداتٌ معاصرةٌ من خارجِ التقليدِ الإسلاميِّ كلِّه، تُثبت أنّ ما جرى في الجنوبِ سنةَ ٥٢٣ كان حدثاً عالميّاً هزّ المسيحيّة.

وقد قَلب البحثُ الحديثُ صورةَ اليمنِ قبلَ الإسلامِ رأساً على عقب، وفي مقدّمتِه أعمالُ كريستيان روبان في النقوشِ اليمنيّة. فقد أظهرت النقوشُ أنّ حِمْيَرَ تَركت الوثنيّةَ منذ أواخرِ القرنِ الرابع، وصارت تَدعو إلهاً واحداً باسمِ «رحمنان»، أي الرحمن، في توحيدٍ يهوديِّ الصبغةِ أو قريبٍ منه. ونقوشُ أبرهةَ، ومنها نقشُ سدِّ مأربِ (CIH 541، نحوَ ٥٤٨م) ونقشُ مُرَيغان (Ry 506، نحوَ ٥٥٢م) الذي يَذكر الحملةَ الشماليّة، تَضع أعمالَه في إطارٍ زمنيٍّ دقيق. فالتوحيدُ في الجزيرةِ قبلَ الإسلامِ ليس فرضيّةً، بل نقوشٌ تُقرأ، تَدعو الرحمنَ إلهاً واحداً قبلَ القرآنِ بقرن ونصف.

ما جمعه الجنوب

ماذا نَخرج به من اليمن؟ نَخرج بصورةِ عالمٍ جنوبيٍّ حارٍّ بالدِّينِ والسياسة. مملكةٌ موحِّدةٌ تَعبد الرحمن، ومذبحةٌ للمؤمنين في الأخدودِ تَتردّد في القرآن، وتدخّلٌ حبشيٌّ مسيحيّ، ومَلِكٌ صاحبُ فِيَلةٍ تَذكره سورةٌ كاملة، وفجوةٌ زمنيّةٌ بين النقشِ والرواية. كلُّ هذا في الجنوب، حيث القراءةُ التقليديّةُ لا تَكاد تَلتفت.

ونُلاحظ أمراً سنَعود إليه: أنّ الإشاراتِ القرآنيّةَ التي وَجدنا لها صدىً موثَّقاً، أصحابَ الأخدودِ والفيل، كلُّها في اليمن، لا في الحجاز. والمصادرُ غيرُ الإسلاميّةِ في هذه الفترةِ تَزخر بذكرِ اليمنِ وحِمْيَرَ والحبشةِ والمناذرةِ والغساسنة، وتَكاد تَخلو من ذكرِ مكّة. هذا الغيابُ ليس دليلاً قاطعاً، لكنّه قرينةٌ سلبيّةٌ نَضمّها إلى قرائنِ فرضيّةِ الانتقالِ الجغرافيّ: حيث تَكثر الشواهدُ المعاصرة، نَجد اليمنَ والعراقَ والشام، لا الحجاز.

رقعةٌ واحدةٌ في القرنِ السادس

وحين نَقرأ هذه الحوادثَ على الساعةِ المُزاحةِ التي فتحناها، تَنتظم في رقعةٍ واحدةٍ مؤرَّخةٍ في القرنِ السادس، لا حكاياتٍ متفرّقةً في السابع. فالمحورُ واحد: الرومُ ومعهم أكسومُ ذراعُهم الجنوبيّةُ المسيحيّة، في مقابلِ فارسَ ومعها الحيرةُ بوّابتُها العربيّة، واليمنُ الجائزةُ بينهما. وأكسومُ عيزانا تَنعطف إلى ربِّ السماء، وذو نواسٍ يَذبح نصارى نجرانَ مُقسِماً بالرحمن، فيَعبر كالبُ البحرَ للثأر، ثمّ يَحكم أبرهةُ ملكاً رحمانيّاً، حتّى يَقلب سيفُ بنُ ذي يزنَ اليمنَ إلى فارسَ عبرَ الحيرةِ وحدَها. والاسمُ الذي يَقسم به الجميعُ رحمانان، وهو نفسُه الرحمنُ القرآنيّ.

وعلى هذا المحورِ نَقرأ الهجرةَ إلى الحبشةِ قراءةً جديدة. فالنجاشيُّ لقبُ المُلكِ الحبشيِّ، النيغوس، لا اسمُ رجلٍ بعينِه، والتاجُ الذي آوى المهاجرينَ هو مملكةُ أكسومَ الرحمانيّةُ المسيحيّةُ نفسُها التي عَبرت البحرَ لإنقاذِ موحّدي نجران. فالهجرةُ، بهذه القراءة، لجوءٌ إلى القطبِ الرومِيِّ المسيحيِّ في وجهِ سلطةٍ خصمة، وحين يَتلو جعفرٌ سورةَ مريمَ فيَبكي البلاطُ، يَظهر أنّ إلهَ المهاجرينَ كان أصلاً إلهَ أكسومَ وحِمْيَرَ، لا ديناً غريباً. نَضع تطابقَ نجاشيِّ الهجرةِ مع مملكةِ كالبَ بعينِها في درجةِ الاحتمال، والرقعةَ الجيوسياسيّةَ نفسَها في درجةِ القوّة.

وفي هذه الرقعةِ مشهدٌ آخرُ نَحمله معنا إلى بابِ إعادةِ المسرحة: دخولُ كالبَ عاصمةَ حِمْيَرَ ظفارَ سنةَ ٥٢٥. فحين عَبر البحرَ للثأر، أَخذ المملكةَ المقدّسة، وطَهّرها من عبادةٍ عدّها زائفة، وأَعاد إليها الكنائس، وأَهلك المَلِكَ المضطهِد، ونَصّب مكانَه عميلاً على دينِه. وهذه بنيةُ فتحٍ نَعرفها: مدينةٌ مقدّسةٌ تُدخَل، ومعبودُها يُطهَّر، وسلطةٌ صالحةٌ تُنصَّب مكانَ الطاغية. ومن ٥٢٥ إلى فتحِ مكةَ سنةَ ٦٣٠ مئةٌ وخمسُ سنين، وهو الفارقُ نفسُه الذي سنَراه بين حَليمةَ وصِفِّين. نَضعه في درجةِ التخمينِ المُعلَن، ونُقِرّ بنقيضتِه صريحاً: فتحُ كالبَ كان اقتصاصاً دامياً، وفتحُ مكةَ عفواً عامّاً، فالتطابقُ في التطهيرِ والاستردادِ لا في الرحمة. وإلى جانبِه نموذجٌ معاصرٌ لا مُزاح: دخولُ هِرَقلَ القدسَ سنةَ ٦٣٠ نفسِها، حافياً بلا دم، رادّاً الصليبَ إلى الحرم.

نَترك اليمنَ الآن ونَعود شمالاً، إلى ذروةِ حربِ التاجين. فقد قُتل في تلك السنواتِ مَلِكٌ من ملوكِ العرب، في معركةٍ سنَزعم أنّها تَستحقّ أن تُقرأ مرّتين: مرّةً في زمنِها، ومرّةً في صداها اللاحق.

الفصل السابع

يومُ حَليمة: ذروةُ حربِ التاجين

عُدنا من اليمنِ إلى الشمال، إلى الثغرِ الذي يَفصل بين تاجَي العرب. وهناك، في سنةِ ٥٥٤، عند مدينةِ قِنَّسرينَ شماليَّ الشام، التي عَرفها اليونانُ خالكيس، التقى التاجانِ في العَراء، وجهاً لوجه، في معركةٍ فاصلة.

المعركة

كان المنذرُ الثالثُ، مَلِكُ الحيرةِ اللخميّ، خادمُ فارس، قد أرعب الشامَ عقوداً بغاراتِه. وكان الحارثُ بنُ جبلةَ، مَلِكُ غسّانَ، خادمُ الروم، نِدَّه في الجهةِ المقابلة. وفي ذلك اليومِ التقى الجيشان، فانتصر الحارثُ الغسّانيّ، وقُتل المنذرُ الثالثُ في الميدان. سقط مَلِكُ الحيرةِ، أعظمُ ملوكِ المناذرةِ في ذلك القرن، على يدِ مَلِكِ الجابية.

وتَحفظ الروايةُ العربيّةُ هذا اليومَ باسمٍ خاصّ: «يومُ حَليمة»، نسبةً إلى حَليمةَ ابنةِ الحارثِ، التي يُقال إنّها طيّبت المقاتلينَ وسلّحتهم قبلَ الحملة، حتّى صار مَثَلاً يُضرَب: «ما يومُ حَليمةَ بسرّ»، أي إنّ ذلك اليومَ من الشُّهرةِ بحيث لا يَخفى على أحد. فهذه ليست معركةً منسيّة، بل من أشهرِ أيّامِ العربِ قبلَ الإسلام، يومٌ يَعرفه كلُّ راوٍ.

ولم يَنطفئ ذكرُ هذا اليومِ بانطفاءِ نارِه، بل بَقي حيّاً في الشِّعرِ قروناً. فشعراءُ البلاطين، الذين رَأينا منهم النابغةَ يَتنقّل بين الحيرةِ وغسّان، حَملوا ذكرى أيّامِ التاجين في قصائدِهم، يُفاخرون بها ويَرثون قتلاها. فحين نَصل لاحقاً إلى الزعمِ بأنّ الذاكرةَ قد تُعيد تشكيلَ هذا اليوم، فإنّنا لا نَتحدّث عن واقعةٍ خامدةٍ في بطونِ الكتب، بل عن مادّةٍ ظلّت تُنشَد وتُروى وتُضرَب بها الأمثالُ جيلاً بعد جيل، حاضرةً في وجدانِ من سيَروي ما بعدَها. وهذا الحضورُ الحيُّ شرطٌ لازمٌ لأيّ قراءةٍ تَزعم أنّ نَسَقاً قديماً تَسرّب إلى روايةٍ جديدة.

ما الذي حُسم في ذلك اليوم؟

كان يومُ حَليمةَ ذروةَ جيلين من الحربِ بين الحيرةِ وثغرِ الشام. وكان، في معناه الأعمق، اصطدامَ البيتين العربيّين الكبيرين: البيتِ الشرقيِّ خادمِ فارس، والبيتِ الغربيِّ خادمِ الروم. ملكان عربيّان، من تاجين عربيّين، يَلتقيان فيَسقط أحدُهما. هذه هي صورةُ اليومِ في جوهرِها: مبارزةُ البيتين على الثغرِ الشماليّ، تَنتهي بمقتلِ مَلِكٍ من أحدِهما.

ولأنّ هذه الصورةَ ستُلازمنا، فلنُثبّتها بدقّة: تاجانِ عربيّان، شرقيٌّ يَنتمي إلى العراقِ وفارس، وغربيٌّ يَنتمي إلى الشامِ والروم، يَتصارعان على الفراتِ الأعلى وما حولَه، فيُقتل في المعركةِ زعيمٌ كبير. خُذ هذه الصورةَ كاملةً، فسنَطلبها منك مرّةً أخرى بعدَ مئةِ سنةٍ وثلاث.

حدثٌ في سجلّين

ومقتلُ المنذرِ على يدِ الحارثِ ليس من أخبارِ الرواةِ وحدَهم. فالمؤرّخُ البيزنطيُّ بروكوبيوس يُسجّل في «تاريخِ الحروب» أنّ الحارثَ الغسّانيَّ هَزم المنذرَ اللخميَّ وقتله في تلك السنواتِ نفسِها. فالحدثُ محفوظٌ في سجلّين: في «أيّامِ العرب» التي رَوتها الذاكرةُ العربيّةُ تحت اسمِ يومِ حَليمة، وفي تاريخِ بيزنطةَ المعاصر. وهذا تطابقٌ مهمّ: حدثٌ واحدٌ، مقتلُ مَلِكِ الحيرةِ على يدِ مَلِكِ الجابية، تَشهد به الذاكرتانِ معاً، الداخليّةُ والخارجيّة. ولذلك نَقف على أرضٍ صلبةٍ حين نَجعله نقطةَ ارتكاز.

وأيّامُ العربِ نفسُها بابٌ واسعٌ في الذاكرةِ العربيّةِ القديمة: وقائعُ بين القبائلِ والممالكِ، حُفظت بأسمائِها وأشعارِها وأبطالِها. ويومُ حَليمةَ من أشهرِها، حتّى صار في المثلِ رمزاً لليومِ المعلومِ المشهود. فحين نَزعم أنّ الذاكرةَ قد تُعيد تشكيلَ يومٍ كهذا في قالبٍ جديد، فنحن نَتحدّث عن مادّةٍ كانت حيّةً في الوجدان، يَتناقلها الرواةُ ويَستشهد بها الشعراء، لا عن خبرٍ منسيٍّ في زاوية.

معركةٌ تُقرأ مرّتين

هنا نَطرح، لأوّلِ مرّةٍ في هذا الكتاب، فكرةً سنُفصّلها في موضعِها، ونَكتفي الآن بزرعِها. الزعمُ هو أنّ يومَ حَليمةَ يَستحقّ أن يُقرأ مرّتين: مرّةً بوصفه حدثاً وقع سنةَ ٥٥٤، ومرّةً بوصفه نموذجاً ستُعيد القصّةُ اللاحقةُ تشكيلَه. فبعدَ هذا اليومِ بنحوِ مئةٍ وثلاثِ سنين، ستَقع معركةٌ كبرى أخرى على الثغرِ نفسِه تقريباً، بين قوّةٍ عراقيّةٍ مركزُها الكوفةُ وقوّةٍ شاميّةٍ مركزُها دمشق، هي وقعةُ صِفِّين. وستَكون صِفِّينُ، في قراءةِ هذا المشروع، إعادةَ مسرحةٍ لحربِ التاجين: المحورُ نفسُه، العراقُ في وجهِ الشام، والبيتُ الشرقيُّ في وجهِ الغربيّ.

لن نُثبت هذا الآن، ولن نُفصّله. سنَكتفي بأن نَضع المعركتين في الذاكرة: حَليمةَ سنةَ ٥٥٤، وصِفِّينَ سنةَ ٦٥٧، يَفصل بينهما مئةٌ وثلاثُ سنين. ونَترك القارئَ يَحمل هذا الفارقَ معه، حتّى نَصل إلى الفصلِ الذي نَزن فيه هذا التوازي. ونُسمّي درجتَه من الآن حتى لا يَحمل القارئُ زرعاً بلا ميزان: هي درجةُ الاحتمالِ القويِّ عندنا، لا اليقين، وسنَعرض حُجّتَها كاملةً في فصلِ الفتنة.

يومٌ آخرُ على الفرات: أُحدٌ وكالينيكوم

ومن ثمرِ جولةِ الفحصِ الأخيرةِ أنّ يومَ حليمةَ لم يَعُد يَحمل أُحداً وحدَه، وهذا يُريحه لا يُضعفه. فقد كنّا نُعلّق بأُحدٍ شظيّةَ «النصرِ المُكلِف» من حليمة، والفارقُ بينهما إحدى وسبعونَ سنةً، أي دونَ حزامِ الفوارقِ الذي نَعمل به. والآن وُجد للعمودِ الفقريِّ لأُحدٍ مانحٌ في قلبِ الحزام.

هو معركةُ كالينيكوم، على الفراتِ أسفلَ الرقّة، في سبتِ الفصحِ من سنةِ إحدى وثلاثينَ وخمسِ مئة، بفارقِ أربعٍ وتسعينَ سنةً عن أُحد. ويَرويها بروكوبيوسُ شاهدَ عيانٍ من طاقمِ بيليساريوس. وتَتوالى نقاطُها على ترتيبِ يومِ السيرةِ نفسِه: قائدٌ يُغلَب على رأيِه فيَخرج بجندٍ أبطرَهم نصرٌ قريب؛ وجناحٌ مسنودٌ إلى مانعٍ لا يُعبَر ومفرزةٌ على نشزٍ ضدَّ التفافِ الخيل؛ وانهيارُ ذلك الجناحِ آخرَ النهار؛ وبقيّةٌ متراصّةٌ تَصمد على السَّنَدِ حتى الليل؛ ونصرٌ عقيمٌ يُجهِض الحملةَ ويُكلِّف الغالبَ منصبَه؛ ثم تحقيقٌ رسميٌّ يُبرّئ القائدَ بإدانةِ تسرُّعِ جندِه، وهو إطارُ آلِ عمرانَ من الآيةِ الثانيةِ والخمسينَ بعدَ المئةِ إلى الخامسةِ والستّينَ بعينِه.

وأدقُّ من ذلك أنّ القطبيّةَ العَقَديّةَ على وجهِها لا مقلوبة: فالغالبُ في ذلك اليومِ جناحُ المنذرِ الثالث، وشعارُه العُزّى؛ وصيحةُ أبي سفيانَ يومَ أُحدٍ باسمِ العُزّى. ولوحتانِ أُخريانِ تُكمِلانِ المشهدَ على درجةِ الاحتمال: أنغلون سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ وخمسِ مئةٍ تَمنح محرّكَ الانقلاب، وهو انكسارُ النظامِ بجشعِ الغنيمةِ سبباً مُعلَناً للهزيمةِ وضربةُ الصدغِ التي يَتحلّل الجيشُ على خبرِ موتِ صاحبِها؛ وذبحُ المنذرِ ابناً أسيراً للحارثِ بنِ جبلةَ قرباناً للعُزّى نحوَ سنةِ خمسٍ وأربعينَ وخمسِ مئةٍ يَمنح خليّةَ حمزة: قريبُ القائدِ الأدنى يُقتَل ويُقدَّم، والربّةُ مسمّاة.

فأُحدٌ إذن مركَّبٌ من ثلاثِ لوحاتٍ مؤرَّخة، ويومُ حليمةَ يَبقى إلى جانبِها وجهاً ثانياً بلا إجهاد. ويَرِد معه في الجولةِ نفسِها حكمٌ ثانٍ قويّ: أنّ بئرَ معونةَ تَنسخ نجرانَ سنةَ ثلاثٍ وعشرينَ وخمسِ مئةٍ بفارقِ مئةٍ واثنتَين: قسَمُ أمانٍ كاذبٌ يُقبَل على خلافِ رأيِ الزعيم، ثم تُذبَح طبقةُ التلاوةِ المكرَّسة، ويَمرّ خبرُ الناجينَ بالحيرةِ نفسِها في رسالةِ شمعونَ من بيتِ أرشام.

كيف نَقرأ هذا التوازي؟

ولئلّا يُساء فهمُ ما سنقول، نُثبّت مبدأنا من الآن. حين نَقرأ صِفِّينَ تُعيد تشكيلَ حَليمة، فالذاكرةُ الجمعيّةُ رَوت صراعَها الكبير على نَسَقٍ كانت تَعرفه: نَسَقِ حربِ التاجين، العراقِ في وجهِ الشام. فالحدثُ وقع، والذاكرةُ صاغته على القالبِ الذي تَعرفه. فالحربُ القديمةُ بين الملكين العربيّين المسيحيّين تَجد مكانَها المُكرَّمَ داخلَ القصّةِ الجديدة، حرباً داخلَ الأمّة. الذاكرةُ تَحفظ النَّسَقَ وتَنقله، وهي لا تَختلق.

وهذا، إن صحّ، يُرينا كيف يَعمل التحوُّلُ الذي يَدور حولَه هذا الكتابُ كلُّه: لا بمحوِ الأحداثِ القديمةِ، بل بإعادةِ صياغتِها في إطارٍ جديد، يَحفظ بنيتَها ويُغيّر أسماءها وزمنَها وموقعَها من القصّة.

سقط المنذرُ الثالثُ سنةَ ٥٥٤، لكنّ بيتَ لخمٍ لم يَسقط بعد. بَقي له ملكٌ آخِر، هو حفيدُ هذا القتيل، سيَحمل المملكةَ إلى نهايتِها، وسيَكون في سقوطِه مَفصلُ هذا الكتابِ كلِّه. إليه نَتّجه الآن: إلى النعمانِ الثالث.

الفصل الثامن

النعمانُ الثالثُ وسقوطُ لخم

كلُّ قصّةٍ لها مَفصل، لحظةٌ يَنقلب فيها شيءٌ ولا يَعود كما كان. ومَفصلُ هذا الكتابِ هو سقوطُ مملكةِ الحيرةِ سنةَ ٦٠٢، على يدِ آخرِ ملوكِها، النعمانِ الثالثِ بنِ المنذر. فعندَ هذا الحدثِ يَنتهي العالمُ القديمُ، عالمُ التاجين، ويَبدأ العَدُّ التنازليُّ نحو القصّةِ الجديدة. ولذلك نَقف عند هذا الملكِ وقفةً متأنّية.

أزهى بلاطٍ عربيّ

حَكم النعمانُ الثالثُ الحيرةَ من نحوِ ٥٨٠ إلى ٦٠٢، وكان بلاطُه أزهى بلاطٍ عربيٍّ في زمانِه. قَصَده الشعراءُ من كلِّ أرض، وفيه نَبغ أعظمُ شعراءِ ما قبلَ الإسلام. منهم النابغةُ الذبيانيّ، الذي اشتهرت اعتذاريّاتُه إلى النعمانِ حين سَخط عليه، ومنهم عديُّ بنُ زيدٍ العباديّ، الشاعرُ العربيُّ المسيحيُّ من طبقةِ العِباد، الذي خدَم كاتباً في الديوانِ الساسانيِّ بالمدائن، يَتنقّل بين العربيّةِ والفارسيّةِ والسريانيّة.

وعديٌّ هذا يَستحقّ وقفة، لأنّه أنصعُ مثالٍ مفردٍ على العالمِ الذي يَبرز منه القرآن. عربيٌّ مسيحيّ، من طبقةِ الكتبةِ ثنائيّةِ اللسان، يَعمل في قلبِ الإمبراطوريّةِ الفارسيّة، ويَنظم شِعراً عربيّاً مشبَعاً بالمعجمِ الليتورجيِّ المسيحيّ، بكلماتٍ مثلِ الروحِ والكلمةِ والحمدِ والرحمةِ والقُدس، وهي بعينِها كلماتٌ سيَستعملها القرآنُ بعدَه. فحين نَسمع في شعرِ عديٍّ هذه الألفاظَ قائمةً قبلَ القرآنِ بجيل، نَفهم ما نَعنيه بـ«اللسانِ الواحد»: أنّ معجمَ التعبُّدِ كان حاضراً في بلاطِ الحيرة، يَكتب به شاعرٌ مسيحيٌّ عربيّ.

والنابغةُ كذلك يَحمل دلالةً خاصّة. فقد خدَم التاجين كليهما: كان شاعرَ مديحِ النعمانِ بالحيرة، فلمّا سقط من الحُظوةِ عبَر إلى ملوكِ غسّانَ بالشام، وأنشَد لهم، ووصَف أعيادَهم المسيحيّةَ وكنائسَهم من غيرِ غُربة. شاعرٌ واحدٌ يَتنقّل بين الحيرةِ والجابيةِ هو عالمُ التاجين مرسوماً في حياةٍ واحدة، ودليلٌ على أنّ عربيّةَ البلاطِ الرفيعةَ كانت لساناً واحداً يَمتدّ على الإمبراطوريّتين.

مَلِكٌ يَتنصّر

ثمّ جرى ما لم يَكن متوقَّعاً. في أواخرِ مُلكِه، اعتَنق النعمانُ نفسُه المسيحيّةَ، على مذهبِ كنيسةِ المشرق، وهو ما يُسجّله «تاريخُ سيِرت» السريانيّ. وتَرهّبت ابنتُه هندُ، وأقامت ديراً حَمل اسمَها قروناً. فآخرُ ملوكِ الحيرةِ مَلِكٌ مسيحيٌّ صريح، وابنتُه راهبةٌ في دير. وهذا يُختَم به تاريخُ المملكةِ على صورتِه الحقيقيّة: مملكةٌ عربيّةٌ مسيحيّةٌ في العراق، ينتهي ملوكُها رهباناً وراهبات.

المَلِكُ والإمبراطور

لكنّ تنصُّرَ المَلِكِ لم يَكن هو ما أسقطه. أسقطه خلافُه مع سيّدِه. فقد استدعاه كسرى الثاني پرويزُ إلى المدائن، ولم يَكن النعمانُ يَجهل ما يَنتظره. فقبلَ أن يَمضي، فعل فعلَ الرجلِ الذي يَعرف أنّه ذاهبٌ إلى حتفِه: أودَع أهلَه وسلاحَه أمانةً عند سيّدٍ من سادةِ العرب، هو هانئُ بنُ مسعودٍ من قبيلةِ بكر. ثمّ مضى إلى المدائن، فهلك هناك نحوَ سنةِ ٦٠٢، تَدوسه الفِيَلةُ في روايةٍ، ويَموت جوعاً في السجنِ في أخرى.

بمقتلِ النعمانِ انحلّت مملكةُ الحيرة. عَزل كسرى المناذرةَ، وأقام على الحيرةِ عاملاً من قِبَلِه، فانتهى التاجُ العربيُّ الشرقيُّ بعد ثلاثةِ قرون. سقط البيتُ الذي رَفع نسبَه إلى امرئِ القيسِ صاحبِ النَّمارة، البيتُ الذي حَمل تاجَ العربِ في وجهِ فارس.

رواياتُ السقوط

وسقوطُ النعمانِ من الأحداثِ التي تَلتقي على روايتِها مصادرُ متباعدة. فالمصادرُ السريانيّةُ، وفي مقدّمتِها «تاريخُ سيِرت»، تَحفظ خبرَ تنصُّرِه ونهايتِه. والمؤرّخون العربُ، كالطبريِّ وابنِ الأثير، يُفصّلون قصّةَ استدعائِه ومقتلِه. والملحمةُ الفارسيّةُ، «الشاهنامة» للفردوسيّ، تَرويَ الحادثةَ من جهةِ البلاطِ الساسانيّ. فثلاثُ ذاكراتٍ، سريانيّةٌ وعربيّةٌ وفارسيّة، تَشهد على نهايةِ المملكة، كلٌّ من زاويتِها. وقد جَمع غوستاف روتشتاين أخبارَ هذه السُّلالةِ في دراستِه الكلاسيكيّةِ عن «دولةِ اللخميّين»، فصارت مرجعاً في تاريخِهم.

وبعدَ مقتلِ النعمان، لم يُعِدِ الفُرسُ المُلكَ إلى بيتِ لخم، بل أقاموا على الحيرةِ عاملاً من غيرِهم، هو إياسُ بنُ قبيصةَ الطائيّ، يَحكمها باسمِ كسرى. فانتقلت الحيرةُ من مملكةٍ عربيّةٍ ذاتِ تاجٍ إلى ولايةٍ يُديرها عاملٌ للفُرس. وهذا التحوُّلُ، من تاجٍ إلى ولاية، هو أوّلُ خطوةٍ في انحلالِ النظامِ القديم، قبلَ أن يَنحلّ الفضاءُ كلُّه في الحربِ العظمى.

المَفصل

لِمَ نُسمّي هذا الحدثَ مَفصلَ الكتاب؟ لأنّ سقوطَ لخمٍ سنةَ ٦٠٢ هو، في قراءةِ هذا المشروع، اللحظةُ التي يَنحلّ فيها النظامُ المسيحيُّ العربيُّ القديمُ عَشيّةَ القصّةِ الجديدة. تَأمّل التوقيت: قبلَ التأريخِ التقليديِّ لبدايةِ الإسلامِ بسنواتٍ قليلة، يَنهار النظامُ العربيُّ المسيحيُّ في العراق، ويَبقى فضاؤه شاغراً.

لكنّ البِنيةَ لا تَختفي بسقوطِ السُّلالة. تَبقى الكتبةُ، وتَبقى الكنيسةُ بأساقفتِها وأديرتِها، وتَبقى الإدارةُ والمعجمُ والذاكرة. كلُّ هذا يَنجو من سقوطِ بيتِ لخم، ويَنتظر مَن يَرثه. وحين تُبنى الكوفةُ بعدَ ذلك بجوارِ الحيرة، وحين تَقوم الدولةُ الجديدةُ في هذا الفضاء، تَجد البِنيةَ قائمةً تَنتظرها. هذا ما تَعنيه فرضيّةُ الاستمرار: أنّ النظامَ المسيحيَّ العربيَّ في الفراتِ الأسفلِ لم يَفنَ، بل عَبَر، بكتبتِه وكراسيِه سالمةً، نحوَ ما سيَأتي بعدَه.

شرارةُ ما بعدَ السقوط

ولم يَمضِ سقوطُ النعمانِ بلا عاقبة. فحين أراد الفُرسُ أن يَنتزعوا الأمانةَ التي أودعها النعمانُ عند هانئِ بنِ مسعود، أبى هانئٌ أن يُسلّمها، فكان ذلك شرارةَ معركةٍ كبرى بين العربِ والفُرس، هي يومُ ذي قار. وفي تلك المعركةِ هَزمت القبائلُ العربيّةُ جيشاً ساسانيّاً للمرّةِ الأولى. وهذا الحدثُ، أوّلُ انتصارٍ عربيٍّ كبيرٍ على فارس، هو موضوعُ فصلِنا التالي، وهو أوّلُ خيطٍ في الحربِ العظمى التي ستُنهك الإمبراطوريّتين معاً، وتُمهّد لكلِّ ما يَأتي بعدَها.

سقط التاجُ الشرقيّ. وبسقوطِه نُغلق القسمَ الثاني، قسمَ التاجين. أمامنا الآن المَفصل، حيث تَتداعى الإمبراطوريّاتُ القديمة، وتَبدأ القصّةُ الجديدةُ بالظهور. وعند هذا المَفصلِ بالذاتِ سنَفتح أهمَّ أدواتِنا: الإزاحةَ الزمنيّة، والأسماءَ بوصفها ألقاباً.

القسم ٣

المَفصل (نحو ٦٠٠–٦٦٠م)

الفصل التاسع

ذو قارٍ والحربُ العظمى

سقطت الحيرةُ سنةَ ٦٠٢، وكان سقوطُها شرارةً لا نهايةً هادئة. ففي العقودِ التي تَلت، دخل العالمُ القديمُ كلُّه حرباً طاحنةً تَداعت بها أركانُه، وتُرك فضاءٌ واسعٌ شاغرٌ لمن يَملؤه. هذا الفصلُ عن تلك الحرب: عن أوّلِ انتصارٍ عربيٍّ على فارس، وعن الحربِ العظمى التي أنهكت الإمبراطوريّتين معاً.

يومُ ذي قار

حين أراد الفُرسُ أن يَنتزعوا الأمانةَ التي أودعها النعمانُ المقتولُ عند هانئِ بنِ مسعودٍ من بكر، أبى هانئٌ أن يُسلّمها، وفاءً بالعهد. فغضب كسرى، وأرسل حملةً تأديبيّةً لتأديبِ بكرٍ وأحلافِها. والتقى الجمعانِ عند ماءٍ يُسمّى ذا قارٍ قربَ الحيرة، نحوَ سنةِ ٦٠٩.

وكانت المفاجأة: هَزمت القبائلُ العربيّةُ الجيشَ الساسانيَّ هزيمةً منكرة. كان هذا أوّلَ انتصارٍ عربيٍّ كبيرٍ موثَّقٍ على فارس، ووقع في الذاكرةِ العربيّةِ موقعاً عظيماً، حتّى نُسب إلى النبيِّ قولٌ إنّه أوّلُ يومٍ انتصف فيه العربُ من العجم. فيومُ ذي قارٍ ليس معركةً صغيرة، بل لحظةٌ يَكتشف فيها العربُ أنّ القوّةَ الفارسيّةَ التي هابوها قروناً يُمكن أن تُهزَم.

وهنا نَضع، في أدنى درجاتِ الثقة، توازياً يَقترحه المشروعُ ويَدعو إلى تعميقِه: التوازي بين يومِ ذي قارٍ ويومِ بدر. ولنُفصّل ما يَرنّ فيه وما لا يَرنّ، ونَضع كلَّ ملمحٍ في درجتِه. أمّا ما يَرنّ فأربعةُ ملامح. أوّلُها أنّ كليهما أوّلُ انتصارٍ كبيرٍ مفاجئ لجماعةٍ عربيّةٍ ناشئةٍ على قوّةٍ أكبرَ منها بكثير. وثانيها أنّ كليهما صار في الذاكرةِ النصرَ المؤسِّسَ الذي يُؤرَّخ به انقلابُ الموازين. وثالثها أنّ كليهما يَقوم على حلفٍ قبليٍّ صغيرِ العددِ يَغلب جيشاً نظاميّاً. ورابعها أنّ كليهما عُلّق عليه قولٌ نبويٌّ يَرفعه إلى مرتبةِ العلامة.

وأمّا ما لا يَرنّ فجوهريٌّ أيضاً، ومن الأمانةِ ذكرُه: فعدوُّ ذي قارٍ فارسُ في العراق، وعدوُّ بدرٍ قريشٌ في الحجاز، والموضعانِ متباعدان، والسياقانِ مختلفان. فالتوازي بنيويٌّ في موقعِ الحدثِ من الذاكرة، لا في تفاصيلِه. ولذلك نَضعه قرينةً ضعيفةً تَنتظر بحثاً، لا حُكماً. وما يَستحقّ التتبُّعَ فيه مستقبلاً سؤالٌ محدّد: هل صِيغت ذاكرةُ النصرِ المؤسِّسِ على قالبٍ واحدٍ تَكرّر، أم تَشابهت الوقائعُ من غيرِ صلة؟ هذا سؤالٌ نَفتحه ولا نُغلقه.

الحربُ العظمى

لكنّ ذا قارٍ لم يَكن إلّا شرارةً صغيرةً قياساً بالحريقِ الأكبر. ففي السنواتِ نفسِها اشتعلت بين فارسَ والرومِ آخرُ حروبِهما وأطولُها وأشدُّها تدميراً، الحربُ التي امتدّت من نحوِ ٦٠٢ إلى ٦٢٨.

بدأها كسرى الثاني پرويزُ بحملةٍ كاسحةٍ على أرضِ الروم. اجتاحت جيوشُه الشامَ ومصرَ وبلغت أبوابَ القسطنطينيّة. وفي سنةِ ٦١٤ سقطت القدسُ في يدِ الفُرس، فأُحرقت كنائسُها، وسُبي بطريركُها، وحُمل «الصليبُ الحقيقيّ»، أقدسُ رموزِ المسيحيّة، غنيمةً إلى المدائن. كان هذا زلزالاً في العالمِ المسيحيّ: عاصمةُ المسيح، بيدِ المجوس، وصليبُه في أسرِ فارس.

ثمّ انقلب الميزان. نَهض الإمبراطورُ هِرَقلُ من القسطنطينيّةِ بحملةٍ مضادّةٍ جريئة، توغّل بها في عمقِ أرضِ فارس، حتّى أنهك الساسانيّين في عُقرِ دارِهم. وفي سنةِ ٦٢٨ انهار كسرى، وقُتل، واستعاد هِرَقلُ القدس، ثمّ أعاد الصليبَ إليها في موكبٍ مَهيب نحوَ سنةِ ٦٣٠. انتصر الرومُ في النهاية، لكنّه كان انتصارَ المنهَك على المنهَك.

إمبراطوريّتانِ خاويتان

هذا هو جوهرُ ما نَخرج به. خرجت الإمبراطوريّتان من الحربِ العظمى خاويتين. أنفقتا كنوزَهما، وأفنتا جيوشَهما، وخرّبتا أقاليمَهما، وأرهقتا رعاياهما بالضرائبِ والسُّخرة. ولم تَمضِ سنواتٌ قليلةٌ على نهايةِ الحربِ حتّى تَهاوت أمامَ قوّةٍ عربيّةٍ صاعدةٍ من الجنوب.

فالعالمُ الذي تَظهر فيه القصّةُ الجديدةُ ليس عالماً مستقرّاً، بل عالمٌ منهَكٌ متداعٍ، سقط فيه تاجُ العربِ الشرقيُّ، وأُنهكت فيه فارسُ والروم، وخَلا فيه فضاءٌ واسعٌ من القوّةِ المنظَّمة. هذا هو المسرحُ الذي تَدخله الحركةُ الجديدة: لا صحراءَ معزولة، بل قلبَ عالمٍ تَصدّعت إمبراطوريّاتُه.

القرآنُ والحرب

وهنا يَلتقي القرآنُ بهذه الحربِ التقاءً صريحاً. ففي أوّلِ سورةِ الروم: «غُلبت الرومُ في أدنى الأرض، وهم من بعدِ غَلَبِهم سيَغلبون، في بِضعِ سنين». والقراءةُ المتّفَقُ عليها أنّ هذا في هزيمةِ الرومِ أمامَ فارسَ ثمّ انتصارِهم عليها، أي في الحربِ العظمى نفسِها. فالقرآنُ يُشير إلى أحداثِ هذه الحرب، هزيمةِ الرومِ ثمّ وعدِ انتصارِهم، إشارةَ المعاصرِ الشاهد.

تَأمّل ما يَعنيه هذا. القرآنُ يَتحدّث عن الحربِ العظمى بوصفها حاضراً يَجري، لا ماضياً بعيداً. وهذا تقاطعٌ زمنيٌّ نَضيفه إلى ما جمعناه: أصحابُ الأخدودِ في القرنِ السادس، والفيلُ في منتصفِه، والآنَ الرومُ وفارسُ في حربِهما الكبرى. كلّما وَجدنا للقرآنِ صدىً موثَّقاً في حدثٍ مؤرَّخ، وَجدنا أنفسَنا في هذا العالم، عالمِ الحيرةِ واليمنِ والشامِ وفارسَ والروم، لا في عُزلةٍ حجازيّةٍ مغلقة.

الحربُ في سجلّاتِ معاصريها

والحربُ العظمى من أكثرِ أحداثِ ذلك العصرِ توثيقاً. فالمؤرّخُ البيزنطيُّ ثيوفانس يُفصّل حملاتِ هِرَقل. والمصادرُ السريانيّةُ، ومنها «تاريخُ خوزستان»، تَرويَ الأحداثَ من جهةِ العراق. وسقوطُ القدسِ سنةَ ٦١٤ وثّقه شهودٌ معاصرون، ومنهم أنطيوخُ ستراتيغيوس في روايتِه عن سبيِ المدينةِ وحرقِ كنائسِها وأخذِ الصليب. فهذه ليست أحداثاً تَرويها الذاكرةُ المتأخّرةُ وحدَها، بل وقائعُ سجّلها معاصروها بالحبرِ في زمنِها.

ووعدُ سورةِ الرومِ موضعُ بحثٍ دقيق. فاللفظُ يُقرأ في القراءةِ المشهورةِ «سيَغلِبون» بفتحِ الياء، أي إنّ الرومَ هم من سيَغلِب بعدَ هزيمتِهم، وهو ما وقع سنةَ ٦٢٨. وهذا التطابقُ بين نصِّ السورةِ ومجرياتِ الحربِ من أقوى ما يَربط القرآنَ بزمنِ هذه الحربِ ربطاً صريحاً. فالنصُّ يَتحدّث عن هزيمةِ الرومِ ثمّ انتصارِهم الموعودِ «في بِضعِ سنين»، وهي المدّةُ التي فَصلت بين سقوطِ القدسِ سنةَ ٦١٤ واستعادتِها سنةَ ٦٢٨. حدثٌ معاصرٌ، يَجري والقرآنُ يُشير إليه.

رسائلُ الملوكِ وصحيفةُ الهدنة

وفي هذا العالمِ المتحارِبِ نفسِه يَجري مشهدان تَعرفهما السيرةُ في ثوبٍ آخر. أوّلُهما رسائلُ النبيِّ إلى الملوك: إلى هِرَقلَ، وإلى كسرى الذي يُمزّق الكتاب، وإلى النجاشيّ، وإلى ملوكِ الغساسنةِ والحيرة. ولنَتأمّل مَن هؤلاء: كلُّ مُخاطَبٍ منهم قطبٌ حقيقيٌّ من أقطابِ هذه الحربِ بعينِها. هِرَقلُ إمبراطورُ الحربِ العظمى، وكسرى الثاني خصمُه، والنجاشيُّ تاجُ أكسومَ الذي مرّ بنا في فصلِ اليمن. بل إنّ مشهدَ تمزيقِ الكتابِ محفوظٌ في زمنِه: فكسرى الثاني رَفض سنةَ ٦١٥ رسالةَ صلحٍ من هِرَقلَ باحتقار، واعتقل سفراءه، ووَصفه بـ«عبدي»، باللهجةِ نفسِها التي تُعطيها السيرةُ للكتابِ الممزَّق. ووراءَ التمزيقِ طرازٌ كتابيٌّ أقدم: المَلِكُ الذي يَقطع دَرجَ النبيِّ فيُلعَن ويُمزَّق مُلكُه (إرميا ٣٦). فحلقةُ الرسائلِ تُقرأ لوحةً لدبلوماسيّةِ القرنِ الحقيقيّة، كلُّ عرشٍ فيها عرشٌ قائم. ونَضع الأمرَ في درجتِه: تطابقُ المُخاطَبين مع أقطابِ العصرِ قويّ، ونقلُ ملفٍّ بعينِه إلى النبيِّ تخمينٌ نَعرضه لا نَجزم به. والقراءةُ المنافِسةُ مُثبَتة: قائدٌ عربيٌّ في ذلك الزمنِ سيُخاطب الرقعةَ نفسَها طبعاً.

وثانيهما هدنةُ الحُديبية. فالسيرةُ تَرويها صلحاً بشروطٍ ثقيلةٍ عُدّت مذلّة: مدّةٌ طويلةٌ ثابتة، وردُّ من يَفرّ إلى المدينةِ (قصّةُ أبي جندلٍ يُعاد في قيوده)، ومحوُ لقبِ «رسول الله» من الصحيفة، ثمّ انهيارُ الهدنةِ بغارةِ حليفٍ إلى الفتح. ولهذه الصحيفةِ هيكلٌ محفوظٌ في القرنِ السادس: صلحُ الخمسينَ سنةَ بين الرومِ وفارسَ سنةَ ٥٦١، الذي حَفظ المؤرّخُ ميناندر نصَّه الحرفيَّ من ملفِّ السفير. وفيه بندٌ يَقضي بإعادةِ الفارّينَ زمنَ السلمِ ولو كرهاً، وهو بندُ أبي جندلٍ بعينِه؛ وبندٌ يُلزم عملاءَ الطرفَين العرب، لخماً وغسّانَ، بل يُسمّي ملفُّ التفاوضِ ملكَ الحيرة؛ ونزاعٌ على الترويسةِ عند التصديق، أيُّ لقبٍ يَبقى وأيُّ لقبٍ يُشطَب، هو محوُ اللقبِ نفسُه. غير أنّنا هنا أصرحُ ما نَكون في الميزان: الفارقُ بين ٥٦١ والحُديبيةِ نحوُ سبعٍ وستّينَ سنة، لا قرنَ إزاحتِنا المعتاد، فلا نَعرض هذا إزاحةَ تاريخ بل قالباً وثائقيّاً، نحوَ معاهداتٍ محفوظاً بنداً ببند تَتكلّمه سرديّةُ الهدنة. ونُثبت القراءةَ المنافِسةَ كاملة: بنودُ إعادةِ الفارّينَ عُرفٌ شائعٌ في معاهداتِ الرومِ وفارس، فقد يكون التوافقُ عُرفاً دبلوماسيّاً لا نسباً. وكثافةُ البنودِ المتطابقةِ في وثيقةٍ واحدةٍ هي ما يَجعل القالبَ خيطاً جادّاً يَستحقّ التسجيل.

نحو الإزاحة

وهنا، عند هذا المَفصلِ بالذات، تَتجمّع خيوطُ سؤالٍ ظلّ يَكبر منذ فصلِ اليمن. الفيلُ يَقترب من منتصفِ القرنِ السادسِ لا من ٥٧٠. والبيئةُ التاريخيّةُ التي يَتقاطع معها القرآنُ هي بيئةُ القرنين الخامسِ والسادس. والمملكةُ العربيّةُ المسيحيّةُ تَسقط سنةَ ٦٠٢ فتَترك فضاءها شاغراً. هذه الخيوطُ كلُّها تَدفع نحو سؤالٍ واحدٍ نَفتحه الآن صريحاً في الفصلِ التالي: متى بدأت القصّةُ حقّاً؟

الفصل العاشر

الإزاحةُ الزمنيّة: متى بدأت القصّةُ حقّاً؟

نَصل الآن إلى أجرأ فرضياتِ هذا الكتاب. نَفتحها سؤالاً صريحاً ونَزن قرائنَه بهدوء: هل تَنسجم بعضُ ملامحِ القصّةِ مع زمنٍ أبكرَ ممّا استقرّ عليه التأريخُ المتأخّر؟ نَتتبّع الشواهدَ المعاصرةَ إلى حيث تَقود، ونُسمّي درجةَ كلِّ قرينةٍ صريحة. والإزاحةُ، كما سنَرى في آخرِ الفصل، تُعيد ترتيبَ زمنِ القصّةِ ولا تَنفيها.

مشكلةُ الفجوة

جوهرُ المسألةِ بسيط. الروايةُ التفصيليّةُ التي تَروي بداياتِ الإسلام، بأسمائِها وأنسابِها وتواريخِها الدقيقة، دُوّنت في صورتِها المكتملةِ بعدَ الأحداثِ المرويّةِ بقرنٍ أو أكثر. وبين الحدثِ المرويِّ وتدوينِه فجوةٌ، عاشت فيها القصّةُ في الذاكرةِ والرواية. والسؤالُ المنهجيُّ المشروعُ هو: ماذا نَجد إذا نَظرنا إلى ما كُتب في زمنِ الأحداثِ نفسِه، من خارجِ التقليد؟

هنا تَظهر مفارقةٌ لافتة. المصادرُ غيرُ الإسلاميّةِ المعاصرةُ، السريانيّةُ واليونانيّةُ والأرمنيّة، حين تَلتفت إلى ما يَجري عند العرب، تَرسم صورةً لا تُطابق دائماً تفاصيلَ القصّةِ المكتملةِ اللاحقة. ومن هذه المصادرِ نَجمع قرائنَ الإزاحة.

أوّلُ شاهدٍ من خارج

أقدمُ نصٍّ مؤرَّخٍ من خارجِ التقليدِ يَذكر الحركةَ الجديدةَ هو حِوارٌ يونانيٌّ يُسمّى «تعليمَ يعقوبَ المعمَّدِ حديثاً»، كُتب نحوَ سنةِ ٦٣٤، أرجحُ أنّه بقرطاجَ في شمالِ إفريقيا. وفيه يُحاجج يهوديٌّ اسمُه يعقوبُ في طريقِه إلى الإيمانِ المسيحيّ، وفي ثنايا الحِوارِ يُورِد المؤلّفُ خبراً من فلسطين. وهذا تعريبٌ للموضع:

«وكتب إليّ أخي أنّه قد ظهر نبيٌّ مع العرب... فلمّا سمعتُ هذا قلتُ لشيخٍ من العارفين بالكتب: ما تقول في النبيِّ الذي ظهر مع العرب؟ فقال متنهّداً: إنّه مُضلٌّ، وهل يأتي الأنبياءُ بالسيفِ والمركبة؟ ... على أنّ هذا الذي ظهر يُبشّر بمجيءِ الممسوحِ المنتظَر.»

والكاتبُ يَعُدّ هذا النبيَّ حيّاً وهو يَكتب، أي إنّ النصَّ معاصرٌ لا لاحق.

تَأمّل هذا الشاهد. هو أبكرُ إشارةٍ مؤرَّخةٍ من خارجِ التقليدِ إلى نبيٍّ عند العرب، ويَضعه على ثغرِ الشامِ وفلسطين، في عالمٍ من اليهودِ والنصارى يَتنازعون في المسيح، ويَصوغ الدعوةَ في نبرةٍ مسيحانيّة. ما يَحفظه هذا الشاهدُ يَستحقّ أن يُوزَن بهدوء: فهو يَضع أوّلَ ظهورٍ للحركةِ حيثُ يَنظر هذا الكتابُ بالضبط، على الثغرِ الشماليِّ المسيحيّ، لا في عُزلةٍ حجازيّة. والتفصيلُ في هذا الشاهدِ المبكّرِ لا يُطابق في كلِّ شيءٍ الروايةَ المكتملةَ اللاحقة، وهذا بالضبط ما يَنبغي أن يَكون عليه سجلٌّ مبكّرٌ مستقلّ.

غيابُ مكّة

ثمّ هناك الغياب. حين نُفتّش في الجغرافيا المفصَّلةِ لأواخرِ العصرِ القديم، في الجغرافيّين والمؤرّخين ومسالكِ الطُّرُق، عمّن وصَف تجارةَ غربِ الجزيرةِ ومدنَها، لا نَكاد نَجد ذكراً لمدينةٍ كبرى عظيمةِ الشأنِ في موضعِ مكّة. وهذه مسألةٌ معروفةٌ طال جدالُ الباحثين فيها، طرحتها باتريشيا كرون في دراستِها عن تجارةِ مكّة، وتَناولها آخرون.

وأدقُّ من ذلك وأنفعُ، لأنّه عدٌّ لا مجادلة: يقرّر إلكّا لِندستِدت من جامعةِ هلسنكي، في «محمّدٌ وأتباعُه في سياقِهم»، أنّ من الجزيرةِ عشراتِ الألوفِ من نقوشِ ما قبلَ الإسلامِ تُسمّي فيها أماكنَ كثيرة، وأنّ فيها ثلاثةَ نقوشٍ أو أربعةً تُسمّي يثربَ أو المدينة، وأنّه ليس فيها نقشٌ واحدٌ يُسمّي مكة، ولا نقشٌ يُسمّي الكعبة. وقوّةُ هذا من جهةِ قائلِه: فلِندستِدت ليس من المراجعين ولا يَخرج بنتيجةٍ مراجِعة، بل يَحمل روايةً تقليديّةً ويُقرّر حالَ النقوشِ واقعةً من وقائعِ السجلّ.

ونحن نَضع هذا في موضعِه الصحيح، ونَشدّد: غيابُ مكّةَ من السجلّاتِ الخارجيّةِ قرينةٌ سلبيّة، لا دليلٌ قاطع. غيابُ الذكرِ لا يَعني العدم. والنقوشُ تتجمّع حيث نقَش الناسُ وحيث بلغ المسحُ الأثريّ، والحجازُ أقلُّ مسحاً من الشمال، ولِندستِدت نفسُه يَجعل المدينةَ المستقرَّ ذا الشأنِ من غيرِ أن يَستنتج أنّ مكةَ لم تكن. والصياغةُ الأمينةُ التي نَقف عندها ولا نُجاوزها: أنّ السجلَّ أرقُّ عندَ المركزِ القياسيِّ منه عندَ أطرافِه، وتلك حقيقةٌ لحجّتِنا أن تَستعملها وليس لها أن تُفرِط فيها. لكنّه، حين يُضمّ إلى وفرةِ ذكرِ اليمنِ والعراقِ والشامِ في الفترةِ نفسِها، يُغذّي سؤالاً مشروعاً: أين كان مركزُ الثِّقَلِ الأوّلِ حقّاً؟ وهذا هو الجسرُ بين الإزاحةِ الزمنيّةِ وفرضيّةِ الانتقالِ الجغرافيّ: حيثُ تَكثر الشواهدُ المعاصرةُ، نَجد الشمالَ والجنوب، لا الحجاز.

شهادةُ المخطوطات

وللإزاحةِ وجهٌ مادّيّ، في المخطوطات. أقدمُ نُسخِ القرآنِ المكتوبةِ تَحمل دلالةً تَستحقّ التأمّل. ففي طِرْسِ صنعاءَ، وهو رَقٌّ عُثر عليه في الجامعِ الكبيرِ بصنعاءَ سنةَ ١٩٧٢، نَجد تحتَ النصِّ الظاهرِ نصّاً أسفلَ ممحوّاً، نسخةً مبكّرةً بترتيبٍ مختلفٍ للسُّوَرِ وفروقٍ في اللفظ. ورَقُّه يُؤرَّخ بالكربونِ المشعِّ إلى منتصفِ القرنِ السابعِ أو قُبيلَه. وفي رِقاقِ برمنغهامَ، وهي جزءٌ من مصحفٍ قديم، يُؤرَّخ الرَّقُّ بالكربونِ إلى ما بين ٥٦٨ و٦٤٥.

وكلتا المخطوطتين مكتوبةٌ بالهيكلِ الحرفيِّ المجرَّد، أي الرَّسمِ، بقليلٍ من النقطِ والشكلِ أو بلا شيءٍ منها. وهذه هي الحالُ الكتبيّةُ نفسُها التي وَصفناها في فصلِ اللسانِ الواحد: هيكلٌ حرفيٌّ يَحتاج تقليدَ قراءةٍ حيّاً يَمنحه صوتَه، كما كُتبت السريانيّة. والنصُّ الأسفلُ الممحوُّ بصنعاءَ يُرينا التقليدَ المكتوبَ وهو لمّا يَستقرّ بعدُ على صورتِه القياسيّة. تُمسك المخطوطاتُ بالكتابِ في لحظةِ تَثبُّتِه، وهذا ما تَتوقّعه حُجّةُ الزمن.

وهذا وصفٌ لتاريخِ كتابةِ النصّ، لا انتقاصٌ له. فكلُّ نصٍّ منقولٍ بالكتابةِ له تاريخُ تَثبُّتٍ في الرَّسمِ والنقطِ والقراءة، والمخطوطاتُ المبكّرةُ تُرينا هذا التاريخَ في أوّلِه.

مثالٌ واحدٌ مرسوم

ولئلّا تَبقى «الفجوة» كلاماً عامّاً، لنَرسم التوتُّرَ في مثالٍ واحدٍ ملموس، نَضع فيه التواريخَ جنباً إلى جنب. التقويمُ التقليديُّ يَجعل مولدَ النبيِّ نحوَ سنةِ ٥٧٠، وابتداءَ الوحيِ نحوَ ٦١٠، وجمعَ المصحفِ في صورتِه العثمانيّةِ نحوَ ٦٥٠. فهذا خطٌّ يَمتدّ من ٥٧٠ إلى ٦٥٠ تقريباً.

والآنَ ضَعْ بإزائِه نتيجةَ الكربونِ المشعِّ لرِقاقِ برمنغهام: ما بين ٥٦٨ و٦٤٥. لاحظِ الطرفَ الأدنى. فالرَّقُّ، باحتمالٍ معتبَر، قد يَعود إلى ما قبلَ ٥٧٠، أي إلى ما قبلَ المولدِ التقليديِّ نفسِه. هذا توتُّرٌ حقيقيٌّ مرسوم: مادّةُ مصحفٍ قد تَسبق، في تأريخِها المخبريّ، الأحداثَ التي يَرويها التقليدُ تأريخاً متأخّراً.

ولهذا الشاهدِ حدودُه، نَضعها بصدق. فالكربونُ يُؤرّخ الرَّقَّ لا الكتابةَ عليه، وقد يُكتَب على رَقٍّ بعدَ دبغِه بسنين. والمدى واسعٌ، وطرفُه الأعلى ٦٤٥ يُوافق التقليدَ تماماً. فهو لا يُثبت إزاحةً وحدَه، لكنّه يُجسّد التوتُّرَ الذي نَتحدّث عنه: حين يَلتقي تأريخُ المادّةِ المعاصرِ بتأريخِ الروايةِ المتأخّر، لا يَنطبقان دائماً انطباقاً مريحاً.

طرفا الفترة

إلى هنا كان كلامُنا عن طرفٍ واحدٍ من القوس، الطرفِ القريب، حيث تَقترب أحداثُ النشأةِ من عالمِ الحيرةِ في القرنِ السادسِ الميلاديّ. والقرآنُ نفسُه يَصف زمنَ مَجيءِ الرسولِ بأنّه «على فترةٍ من الرسل» (المائدة ١٩)، أي بعدَ انقطاعٍ في سلسلةِ الأنبياء. تَجعل القراءةُ المعتادةُ هذه الفترةَ نحوَ ستّةِ قرونٍ بين عيسى ومحمّد. ونَقرؤها هنا أطولَ، قوساً يَقارب ألفَ سنة، له طرفان: قريبٌ رأينا قرائنَه، وبعيدٌ نُشير إليه ونَفتحه في موضعِه.

الطرفُ البعيدُ أنّ عيسى القرآنيَّ يقفُ في موجةِ التوحيدِ الكبرى التي عمّت العالمَ القديمَ في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، الموجةِ التي قام فيها زرادشتُ في إيران، وبوذا في الهند، ولاوتزو في الصين، ونبونيد في بابل. ونبونيد أقربُ هذه الأرجلِ إلينا: ملكٌ بابليٌّ تَرك عبادةَ مردوخَ إلى توحيدِ إلهِ القمرِ سين، واعتزل عَشرَ سنينَ في تيماءَ شمالَ الجزيرة، في الممرِّ نفسِه الذي يَضع فيه هذا الكتابُ عالمَ عيسى. وقد كَشف نقشُ الحائطِ المنشورُ سنةَ ٢٠٢١ عن إصلاحِه الديني، وحَفِظت «صلاةُ نبونيد» من قُمرانَ نمطَ المغفرةِ ثمّ الشفاءِ الذي يَتردّد في قصّةِ عيسى.

هذا الطرفُ البعيدُ أجرأُ طرفَي القوسِ وأكثرُهما استكشافاً، نَضعه في درجةِ التخمينِ المُعلَن، ونَعود إليه في فصلِ العنقودِ المحوريّ. وهو يُفسّر لماذا سَمّى القرآنُ ما قبلَ محمّدٍ «فترةً» طويلة: لأنّ الرسولَ الذي سَبق ليس قريباً كما تَظنّ القراءةُ المعتادة، بل عند الشاطئِ الأبعدِ من القوس. والطرفان يُغذّي أحدُهما الآخر: العمقُ يُفسّر طولَ الفترة، والقربُ يُفسّر كيف أُعيد تأريخُ طرفِها الأدنى إلى الأمام.

الجدارُ الخارجيّ

ولئلّا تَبقى الإزاحةُ بلا حدٍّ أعلى، لها جدارٌ خارجيٌّ صلب، هو قبّةُ الصخرة. فالشريطُ المنقوشُ في قبّةِ الصخرةِ بالقدس، الذي أتمّه عبدُ الملكِ بنُ مروانَ سنةَ ٧٢ للهجرة، أي نحوَ ٦٩١، هو أقدمُ أثرٍ مؤرَّخٍ يَحمل معجمَ القرآنِ ظاهراً علنيّاً، وأقدمُ ظهورٍ أثريٍّ مؤرَّخٍ لاسمِ محمّد. سنُفصّل هذا الأثرَ في فصلٍ قادم، لكن يَكفي الآن أن نُثبّت دلالتَه الزمنيّة: مهما كان يَتشكّل قبلَه، فإنّ اللحظةَ التي يَقف فيها معجمُ القرآنِ نفسُه أوّلَ مرّةٍ ثابتاً مؤرَّخاً علنيّاً هي نهايةُ القرنِ السابع.

فالإزاحةُ، إذن، محصورةٌ بين حدّين: شاهدٍ مبكّرٍ من سنةِ ٦٣٤ يَذكر نبيّاً حيّاً، وجدارٍ خارجيٍّ من سنةِ ٦٩١ يَجعل المعجمَ رسميّاً. وبينهما يَجري التَثبُّت.

أقدمُ الوثائقِ المؤرَّخة، وهي أشدُّ ما علينا

وفصلٌ يُحاجّ بإزاحةٍ زمنيّةٍ مَدينٌ لقارئِه بالوثائقِ التي تُضيّق عليه أشدَّ التضييق، لا بالتي تُوسِّع له. فلنَضعها هنا بكاملِ قوّتِها.

برديّةُ PERF 558. إيصالٌ ثنائيُّ اللغةِ باليونانيّةِ والعربيّة، وُجد في إهناسيا بمصرَ ومحفوظٌ اليومَ بفيينا، مؤرَّخٌ بجُمادى الأولى سنةَ اثنتَينِ وعشرين. قائدٌ عربيٌّ اسمُه عبدُ اللهِ بنُ جابرٍ يأخذ خمسةً وستّينَ رأساً من الغنمِ من قبطيٍّ اسمُه يوحنّا بنُ أبي قِير ليُطعِم جندَه، خمسةَ عشرَ لجندِ النهرِ والباقي لجندِ البرّ، والوثيقةُ موقَّعةٌ مختومةٌ من الطرفَين. وهي أقدمُ وثيقةٍ مؤرَّخةٍ باقيةٍ للإدارةِ العربيّة، وأخطرُ ما فيها أنّها مؤرَّخةٌ بتقويمٍ جارٍ أصلاً سنةَ اثنتَينِ وعشرين، أي أنّ التقويمَ كان يُعمَل به لا يُخترَع.

توما القسّ. يكتب نحوَ سنةِ ٦٤٠ فيسجّل معركةً بين الرومِ و«عربِ محمّد» يومَ الجمعةِ الرابعِ من شباطَ سنةِ ٦٣٤، على اثنَي عشرَ ميلاً شرقيَّ غزّة، قُتل فيها البطريقُ وردانُ ونحوُ أربعةِ آلافٍ من القرويّينَ مسيحيّينَ ويهوداً وسامريّين. حوليّةٌ كُتبت بعدَ نحوِ ستِّ سنينَ من واقعةٍ تؤرِّخها باليومِ لا بالسنة.

حاشيةُ المخطوطِ السريانيّ. في صدرِ مصحفِ إنجيلٍ سريانيٍّ بالمتحفِ البريطانيِّ (Add. 14461) حاشيةٌ مؤرَّخةٌ نحوَ ٦٣٧، تصف القتالَ قربَ الجابيةِ بصيغةِ شهودِ العِيان، «رأينا»، وتسمّي المقاتلينَ «طيّايي دِمْحمد»، أي عربَ محمّد.

ونقول ما يَعنيه هذا بلا تليين: وثيقةٌ إداريّةٌ مؤرَّخةٌ بسنةِ اثنتَينِ وعشرينَ لتقويمٍ جارٍ، وحوليّةٌ تؤرِّخ معركةً باليومِ سنةَ ٦٣٤، وحاشيةٌ بصيغةِ المتكلّمِ نحوَ ٦٣٧، ثلاثتُها تضع حركةً مقترنةً باسمِ محمّدٍ في الثلاثينيّاتِ والأربعينيّاتِ من القرنِ السابع. وذاك أشدُّ ما تُواجهه قراءةُ المئةِ سنة، وهو أشدُّ من أيِّ حجّةٍ أدبيّةٍ نَسوقها أو تُساق علينا، لأنّ الوثيقةَ الإداريّةَ لا تُؤلَّف لغرضٍ ولا تُروى بإسناد.

ولا نَحسم الأمرَ هنا، ولا نَدّعي جواباً جاهزاً. نُسجّله، لأنّ قراءةً تُخفي أقوى ما عليها ليست قراءةً بل مرافعة. والقارئُ الذي يَقلب هذه الصفحةَ ينبغي أن يكون قد رأى الميزانَ بكِفّتَيه. وكلُّه مراجَعٌ مطبوعاً: غروهمان في البرديّة؛ وبالمر وبروك وهويلاند في «القرنِ السابعِ في الحوليّاتِ السريانيّةِ الغربيّة» لتوما وللحاشية؛ وهويلاند في «رؤيةِ الإسلامِ كما رآه الآخرون» للملفِّ كلِّه.

في ميزانِ الباحثين

ومسألةُ الزمنِ والتدوينِ من أكثرِ ما شَغل المدرسةَ النقديّة. فقد ذهب جون وانسبرو في «دراساتٍ قرآنيّة» إلى أنّ تثبيتَ النصِّ في صورتِه القياسيّةِ تأخّر عمّا تَفترضه الروايةُ التقليديّة. وحاول كرون وكوك في «الهاجريّة» إعادةَ بناءِ البداياتِ من الشواهدِ الخارجيّةِ المعاصرة. وجَمع روبرت هويلاند في «رؤيةِ الإسلامِ كما رآه الآخرون» كلَّ ما كَتبه غيرُ المسلمين عن الحركةِ في قرنِها الأوّل، فكان مرجعاً لا غنى عنه في هذا الباب. وبَحث يهودا نيفو وجوديت كورين في الشواهدِ الأثريّةِ والنقشيّة.

ونُعيد التذكيرَ بأنّ كثيراً من أطروحاتِ هؤلاء نُقد ورُدّ، وأنّ بينهم وبين المؤرّخين أمثالِ فريد دونر خلافاً واسعاً، إذ يَرى دونرُ أنّ كثيراً من جوهرِ الروايةِ يَصمد للنقد. فالمسألةُ ليست محسومةً في البحثِ الغربيِّ نفسِه، وهي عندنا أبعدُ ما تكون عن الحسم. ما نَأخذه من هذا كلِّه ليس نتيجةً جاهزة، بل منهجاً: أن نَضع الشاهدَ المعاصرَ في الميزان، وأن نَعترف بالفجوةِ بين زمنِ الحدثِ وزمنِ تدوينِه، وأن نَسأل عمّا تَملؤه تلك الفجوة.

حدودُ الفرضيّةِ ومداها

ولنَكن صريحين في درجةِ هذه الفرضيّة. هي أجرأ فرضياتِنا وأحوجُها إلى التعميقِ والنقد، وقد سمّيناها كذلك من أوّلِ الكتاب. والذي نَطرحه أنّ ثمّةَ توتُّراً حقيقيّاً بين تأريخِ الشواهدِ المعاصرةِ وتأريخِ الروايةِ المكتملة، توتُّراً يَستحقّ سؤالاً صريحاً لا أن يُطمَر. أمّا مقدارُ الإزاحةِ على وجهِ التحديد، فيَبقى في درجةِ الترجيحِ المفتوح.

وعلى مبدئِنا في القراءة، فإنّ الإزاحةَ، إن صحّت، لا تَنفي القصّةَ بل تُعيد ترتيبَ زمنِها. الذاكرةُ تَحفظ الأحداثَ وتُعيد تأريخَها وترتيبَها حين تُدوّنها متأخّرة. والقصّةُ المكتملةُ تَجمع، في زمنٍ واحدٍ ومكانٍ واحد، ما قد يكون أصلُه موزّعاً على زمنٍ أطولَ ومكانٍ أوسع.

وممّا يُجسّد أثرَ هذه الإزاحةِ قراءتان نَعرض لهما في بابِ الأسماء. فحين يُبشّر عيسى في القرآنِ برسولٍ من بعدِه اسمُه أحمد، لا تَستقيم الآيةُ نبوءةً تَعبر ستّةَ قرونٍ من جليليِّ القرنِ الأوّلِ إلى عربيِّ القرنِ السابعِ إلا بعُسر. أمّا إذا وَضعنا عيسى عند الطرفِ العميقِ للفترةِ وقرأنا الإزاحة، فصارت الآيةُ إشارةَ درجةٍ إلى قمّةٍ داخلَ خطٍّ واحدٍ متّصل: نبيٌّ أدنى يُبشّر بمن هو أعلى منه في الحمد. وكذلك حَيرةُ المفسّرين في عِمرانَين، أبي موسى وأبي مريم، تَفصل بينهما قرون: هي بالضبطِ ما تَتوقّعه الإزاحةُ حين يَنهار عمقُ الفترةِ فيُطوى لقبُ بيتٍ واحدٍ في شخصَين متباعدَين. فالإزاحةُ ليست تفصيلاً في التأريخِ وحدَه، بل مفتاحٌ يُعيد للنصوصِ اتّساقَها.

بهذا نَكون قد فتحنا أداةَ الزمن، وعَرَضنا طرفَها القريب. ويَبقى طرفُها البعيدُ الذي مَرَرْنا به ههنا مَرَّ الإشارة: عيسى في موجةِ القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، ونبونيدُ في تيماء. وهو أجرأُ ما في الكتاب، فحقُّه أن يُبسَط وحدَه لا أن يُدَسَّ في فقرة. إلى ذلك الطرفِ العميقِ من الفترةِ نَتّجه في الفصلِ التالي.

الفصل الحادي عشر

تيماءُ ونبونيد: الطرفُ العميقُ من الفترة

قُلنا في الفصلِ السابقِ إنّ للفترةِ طرفَين: طرفاً قريباً هو إزاحةُ مئةِ سنةٍ في عالمِ الحيرة، وطرفاً بعيداً يَقف عندَه عيسى القرآنيُّ في موجةِ التوحيدِ التي عمّت العالمَ القديمَ في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد. وقد مَرَرْنا بالطرفِ البعيدِ هناك مَرَّ الإشارة. وهذا الفصلُ يَقف عندَه ويَبسط ما تحتَه، لأنّه أجرأُ ما في الكتابِ، والأجرأُ أحقُّ ما يُبسَط.

الاعتراضُ أوّلاً

يَعترض معترضٌ اعتراضاً وجيهاً يَستحقّ أن يُواجَه لا أن يُتجاوَز: ما الذي يُخرِج ملكَ بابلَ من عاصمةِ الدنيا إلى صحراءَ خاويةٍ عَشرَ سنين؟ وقد قال كهنتُه أنفسُهم في «الحوليّةِ الشِّعريّة» إنّه اختلّ عقلُه. فإن كانت الإقامةُ في تيماءَ شذوذاً وجنوناً، سَقط عنها أن تكون بيئةً لشيء.

والجوابُ أنّ الصحراءَ لم تكن خاوية، وأنّ نبونيدَ لم يَبتدئ شيئاً.

فالسجلُّ الآشوريُّ يُري بلادَ الرافدَينِ تَعمل في هذه الواحاتِ بعينِها قبلَ نبونيدَ بقرنَينِ كاملَين. ففي حوليّاتِ تِغلَث فلاسرَ الثالث، نحوَ سنةِ ٧٣٨ قبلَ الميلاد، تُؤدّي زَبيبةُ ملكةُ العربِ الجزيةَ لآشور. ثمّ شَمسي تُحالف رَصينَ الدمشقيَّ فتُهزَم سنةَ ٧٣٢، فتُبقي عرشَها تحتَ مُشرفٍ آشوريّ، وما تزال تُؤدّي الجزيةَ سنةَ ٧١٥. ثمّ يَتيعُ ملكةُ العربِ في خبرِ حملةِ سِنّحاريبَ الأولى سنةَ ٧٠٣.

وأصرحُ من ذلك كلِّه ملفُّ أدومّاتو، وهي دومةُ الجندلِ في الجَوف، على الطريقِ نفسِه شمالَ تيماء. غزاها سِنّحاريبُ فهزم تَئلحونو الملكةَ الكاهنةَ وحليفَها حَزائيل، وسبى صُوَرَ آلهةِ العرب. ثمّ صالح أسرحدّونُ حَزائيل، فأمر بنقشِ اسمِه على تلك الصُّوَرِ نفسِها وردَّها إليهم، وأرسل معها تبوعةَ التي رُبّيت في القصرِ الآشوريِّ فنصّبها عليهم ملكة. ونقوشُه تُسمّي المعبوداتِ الستّةَ بأسمائها، وأوّلُها أتَرسَمَين، أي عَثتَرُ السماوات، وهو أقدمُ شاهدٍ صُلبٍ على لقبِ ربِّ السماءِ الذي نَتتبّعه في هذا الكتابِ نازلاً إلى رَحمانان.

فتأمّلْ ما يَعنيه هذا لموضعِنا. حين يَنزل نبونيدُ تيماءَ سنةَ ٥٥٣ فإنّه يَنزل نطاقاً تُديره بلادُ الرافدَينِ منذ قرنَين: فيه ملكاتٌ مُعترَفٌ بهنّ، وكاهناتٌ لهنّ ألقابٌ رسميّة، ومعبوداتٌ تُسبى وتُنقَش وتُردُّ في صفقاتِ دول. وليست إقامتُه نزوةَ ملكٍ مختلٍّ يَهرب إلى قَفر، بل الفصلُ الأخيرُ من سياسةٍ رافديّةٍ متّصلةٍ في شمالِ الجزيرة. وبهذا يَنقلب أقوى ما يُرمى به هذا البابُ: فالعقدُ في تيماءَ لا يَحتاج تفسيراً بالجنون، وإنّما يُفسَّر بأنّ صاحبَه كان يُتِمّ ما بدأه أسلافُه.

القائمةُ التي في الحجر

وههنا الشاهدُ الذي يَحمل هذا الفصلَ كلَّه، وهو مِن الملكِ نفسِه لا عنه.

في شاهدةِ حرّان يُسمّي آخرُ ملوكِ بابلَ، بلسانِه هو، المواضعَ التي أمسكها في السنينِ العشرِ التي قَضاها بعيداً عن عاصمتِه. والقائمةُ تَجري: تَيْما، ودَدانو، وپَداكّو، وخِبْرا، ويَديخو، وحتّى يَثْرِبو.

واقرأ هذه الأسماءَ بالعربيّةِ يَظهرِ المعنى في الحال. تَيْما هي تيماء. ودَدانو هي دَدان، وهي العُلا. وپَداكّو هي فَدَك. وخِبْرا هي خَيْبَر. ويَثْرِبو هي يَثْرِب.

ففي جملةٍ واحدةٍ من نقشٍ ملكيٍّ من القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ تَقف سلسلةُ واحاتِ شمالِ الحجازِ كاملةً، وهي بعينِها التي تَجعلها السيرةُ عالَمَ الواحاتِ الموحِّدَ واليهوديَّ في القرنِ السابعِ الميلاديّ: يثربُ وخيبرُ وفدكُ وتيماء. لا مُتفرّقاتٍ يَجمعها الباحثُ من أماكنَ شتّى، بل قائمةً واحدةً أمسكها وحدةً واحدةً ملكٌ رافديٌّ قبلَ ذلك باثنَي عشرَ قرناً.

والدليلُ مُضاعَفٌ على الأرض، فليست الدعوى دعوى الملكِ على شاهدتِه فحسب: فقد استُخرجت نقوشٌ مسماريّةٌ في تيماءَ نفسِها فيها موادُّ ملكيّةٌ لنبونيد. فالإقامةُ مشهودةٌ من الطرفَين، في أثرِ العاصمةِ وفي تربةِ الواحة.

ويَتبع ذلك ثلاثةُ أمورٍ كلُّها حاملة.

الأوّل أنّ مسألةَ البيئةِ تُحسَم وثائقيّاً لا استنتاجاً. فمن كان بتيماءَ في ذلك العقدِ كان على رأسِ سلسلةٍ تَنحدر إلى يثرب. فتيماءُ وعالَمُ واحاتِ السيرةِ ليسا بيئتَينِ متجاورتَين يُقاس بينهما، بل نظامٌ واحدٌ مُسمّى في نصٍّ واحد.

والثاني أنّ السؤالَ الذي طال بلا جواب، من أين جاء سكّانُ خيبرَ وفدكَ ويثربَ الموحِّدونَ الناطقونَ بالآراميّة، يَجد جواباً وثائقيّاً أخيراً. فملكٌ بابليٌّ أدار تلك السلسلةَ عَشرَ سنين، وألواحُ آلِ ياهودو تُظهِر الجماعةَ المقابلةَ في الطرفِ البابليِّ من الممرِّ نفسِه منذ سنةِ ٥٧٢ قبلَ الميلاد. فالطرفانِ مشهودانِ، والطريقُ بينهما مشهودٌ أيضاً.

والثالث أنّ هذا هو الثِّقَلُ الرافديُّ مرئيّاً بالعين: بابلُ تَمدّ يدَها بالاسمِ إلى قلبِ الحجاز. وهذا في صميمِ ما يَقوله الكتابُ كلُّه: أنّ المركزَ في الشرق، وأنّ الحجازَ طرفُ ممرٍّ لا جزيرةٌ معزولة.

امرأةُ الهيكل

وإن كان لهذا الممرِّ رجالٌ فله نساءٌ أيضاً، وفيهنّ واحدةٌ لم تأخذ حظَّها من النظرِ في هذا الباب: أدَّا-جوبّي أمُّ نبونيدَ نفسِه.

وسيرتُها منقوشةٌ على شاهدةٍ بحرّان، اكتشف رايس مَسَلَّتَيها سنةَ ١٩٥٦ في أرضيّةِ الجامعِ الكبيرِ هناك، وهو موضعُ المعبدِ القديم. وهي مكتوبةٌ بصيغةِ المتكلّمِ عنها هي، فمن أندرِ ما بقي من كلامِ امرأةٍ في العالمِ القديم. تقول إنّها عاشت مئةً وأربعَ سنين، وإنّها لَزِمت خدمةَ سِينَ إلهِ القمرِ في هيكلِه بحرّانَ عمرَها كلَّه، وإنّها ما فَتِئت تَبتهل له وتُقدّم له النذور. ثمّ تَنسب مُلكَ ابنِها إلى ذلك النذرِ وتلك الخدمة: أنّ الإلهَ استجاب لها فرفع ابنَها إلى المُلك.

وضَعْ إلى جانبِ ذلك ما يَقصّه القرآن. امرأةُ عمرانَ تَنذر ما في بطنِها: «رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي». فيَتقبّلها ربُّها بقَبولٍ حسن، ويَكفلها زكريّا وهو خادمُ المحراب، وكلّما دخل عليها المحرابَ وجد عندها رزقاً.

فالبِنيةُ واحدةٌ في الموضعَين: امرأةٌ من أهلِ الهيكل، ونَذرٌ تَنذره، ووَلدٌ يُوهَب للمعبد، ثمّ يَصير الولدُ إلى ما صار إليه بسببِ ذلك النذر. والنصّانِ كلاهما ليس من رواياتِ الإخباريّين: أحدُهما منقوشٌ في الحجرِ بلسانِ صاحبتِه، والآخَرُ مُنَزَّلٌ مَتلوّ. وهما في الممرِّ نفسِه، من حرّانَ إلى تيماء، وفي القرنِ نفسِه.

ونَضع هذا حيث يَستحقّ: خيطاً نَفتحه لا حكماً نُقيمه. فلا نَقول إنّ إحداهما الأخرى. لكنّها، فيما وَقفنا عليه، أوثقُ امرأةِ هيكلٍ موثَّقةٍ في ذلك القرنِ وذلك الممرّ، ومن قَرأ عيسى في تيماءَ لَزِمه أن يَسأل عن مريمَ أين تَقف.

صلاةُ نبونيد

ومن قُمرانَ شذرةٌ آراميّةٌ من الكهفِ الرابعِ تُعرَف بصلاةِ نبونيد، تَروي بصيغةِ المتكلّم: أنّ الملكَ ابتُلي بمرضٍ سبعَ سنينَ بتيماء، وأنّ ذنوبَه غُفرت له فبَرئ.

وهذا نمطُ الغفرانِ ثمّ الشفاء، وهو الذي يَتردّد في قصّةِ عيسى: «مغفورةٌ لك خطاياك، قُمْ وامشِ».

ونَحمل ههنا تفصيلَينِ في العَلَنِ لا نُخفيهما. الأوّلُ أنّ الإلهَ الغافرَ الشافيَ في الرقعةِ هو العليُّ إلهُ اليهود، وأنّ نبونيدَ فيها يَنبذ أصنامَه من فضّةٍ وذهبٍ وخشب؛ فالرقعةُ تَشهد بشفاءٍ عبرَ قناةٍ يهوديّة، لا بتوحيدٍ قمريٍّ سينيّ. والثاني أنّ المخطوطةَ من نحوِ القرنَينِ الثاني والأوّلِ قبلَ الميلاد، فهي تَسبق مرقسَ بقرنٍ ونصفٍ لا أكثر؛ فالنمطُ موروثٌ مشترَكٌ في زمنِ الهيكلِ الثاني، أنّ الذنبَ يُمرض والغفرانَ يَشفي، لا نقلٌ نصّيٌّ من هذه إلى ذاك.

وما يَبقى بعدَ هذَينِ التفصيلَينِ ليس قليلاً: مَلِكٌ بعينِه، في واحةٍ بعينِها، تُروى سيرتُه بالمرضِ والغفرانِ والشفاء، قبلَ الأناجيلِ بقرون.

الاسمُ الذي لا يَستعمله القرآن

وآخِرُ ما في هذا البابِ أدقُّه، وهو في الاسمِ نفسِه.

كان نصارى العربِ يُسمّون المسيحَ يَسوع، قبلَ الإسلامِ وبعدَه. والصيغةُ مطّردة: السريانيّةُ إيشوع، ووراءها العبريّةُ والآراميّةُ يَشوع، على جذرِ الخلاص. والقرآنُ لا يَستعمل هذا الاسمَ قطّ. يقول: عيسى، خمساً وعشرينَ مرّة.

وقوّةُ هذا ليست في اشتقاقٍ يُقترَح لعيسى، بل في الامتناعِ نفسِه، والامتناعُ قائمٌ بذاته. فنصٌّ يُخاطب جمهوراً فيه نصارى عربٌ كان اسمُهم للشخصيّةِ في متناولِ يدِه، جارياً على الألسنةِ كلَّ يوم، ولم يَستعمله مرّةً واحدة.

وإلى جانبِ الامتناعِ نمطٌ ثانٍ لا يقلّ اطّراداً. فإحداثيّاتُ الروايةِ القرآنيّةِ البشريّةُ المسمّاةُ تُشير كلُّها إلى عصرٍ يَسبق الرومانَ بقرون: مريمُ تُنادى أختَ هارون، وهي ابنةُ امرأةِ عمران، وكافلُها زكريّا يَخدم في المحراب. والفراغُ يُطابق ذلك بالضبط: لا رومَ، ولا والياً، ولا تعداداً، ولا هيرودس، ولا فرّيسيّين، ولا جليلَ، ولا ناصرة.

فروايةٌ رجالُها من قبلِ العصرِ الرومانيِّ وسكوتُها هو العصرُ الرومانيُّ بعينِه تَسلك سلوكَ روايةٍ عن شيءٍ أقدم. وبهذه القراءةِ يَصير ما أحصاه قرنٌ من الشُّرّاحِ «أخطاءَ القرآنِ التاريخيّة» معطياتِه الزمنيّة، وإنّما قِيست إلى الآنَ بالقرنِ الخطأ.

أين يَقف هذا في الميزان

ونَختم بوَضعِ كلِّ شيءٍ في درجتِه، على عادتِنا.

الأرضُ تحتَ هذا الفصلِ موثَّقة: ملكٌ مُسمّىً، وعقدٌ مؤرَّخ، وستُّ واحاتٍ مُسمّاةٍ في نقشِه هو، ونقوشٌ مسماريّةٌ مستخرَجةٌ من تربةِ الواحة، وشاهدةُ أمِّه بلسانِها، ورقعةُ قُمرانَ باسمِه، وقرنانِ من السجلِّ الآشوريِّ قبلَه في النطاقِ نفسِه. هذا كلُّه لا يَحتاج فرضيّتَنا ليقوم، وهو قائمٌ عند أهلِ الاختصاصِ من غيرِ خلاف.

أمّا مُطابقةُ عيسى القرآنيِّ بهذه الموجةِ فهي الخيطُ الذي يَنفرد به هذا المشروع، ونَضعه في أدنى الدرجات، ونَبسط معيارَه في ملحقِ القرابة. وليس وَضعُه في أدنى الدرجاتِ اعتذاراً عنه، بل تحديداً لما يَحمله: هو يُفسّر طولَ الفترةِ التي يَذكرها القرآنُ نصّاً، ويُفسّر لِمَ يُبشّر عيسى بأحمدَ في خطٍّ واحدٍ متّصلٍ بدلَ نبوءةٍ تَعبر ستّةَ قرون، ويُفسّر حَيرةَ المفسّرين في عِمرانَين. وكلُّ ذلك تفسيرٌ يُطلَب منه أن يُختبَر، لا أن يُصدَّق.

وعلى مبدئِنا: هذه القراءةُ لا تَنفي شيئاً، بل تُعيد ترتيبَ العُمق. فالقصّةُ تَبقى قصّةً، ولكنّ لها قاعاً أبعدَ ممّا ظَنَنّا.

بهذا يَكون سؤالُ الزمنِ قد اكتمل طرفاهُ، القريبُ والبعيد. ويَبقى سؤالُ المكان: إن كانت القصّةُ أبكرَ ممّا ظَنَنّا وأعمقَ، فأين كان قلبُها؟ إلى هذا السؤال، سؤالِ القبلةِ والاتّجاه، نَتّجه في الفصلِ التالي.

الفصل الثاني عشر

القبلة: إلى أين صلّى الأوّلون؟

سألنا في الفصلَينِ السابقَينِ عن الزمن: متى بدأت القصّة، وإلى أيِّ عُمقٍ تَمتدّ؟ ونَسأل في هذا الفصلِ عن الاتّجاه: إلى أين كان يَتّجه الأوّلون حين يُصلّون؟ فالقبلةُ، وجهةُ الصلاة، ليست تفصيلاً طقسيّاً عابراً، بل سهمٌ مرسومٌ على الأرضِ يُشير إلى مركزِ المقدَّس. ومن تتبُّعِ هذا السهمِ في أقدمِ ما بَقي من المساجد قد نَتعلّم شيئاً عن موضعِ ذلك المركزِ في أوّلِ الأمر.

ذاكرةُ تحويلٍ في القرآن

نَبدأ من حيث لا خلاف. القرآنُ نفسُه يَحفظ ذكرى أنّ القبلةَ لم تَكن من أوّلِ الأمرِ إلى حيثُ استقرّت. ففي سورةِ البقرة حديثٌ صريحٌ عن تحويلِ القبلة، وعن قومٍ سَيقولون «ما ولّاهم عن قبلتِهم التي كانوا عليها»، وعن أمرٍ بأن «فوَلِّ وجهَك شطرَ المسجدِ الحرام». فالنصُّ يُثبت أنّ هناك قبلةً أولى، صلّى إليها الأوّلون مدّةً، ثمّ حُوِّلوا عنها. والتقليدُ يُسمّي تلك القبلةَ الأولى بيتَ المقدس، أي جهةَ الشمال.

تَأمّلِ المعنى. القصّةُ المقدّسةُ نفسُها تَحفظ، في صُلبِها، ذكرى اتّجاهٍ أوّلَ شماليّ، قبلَ الاتّجاهِ الذي استقرّ. هذه ليست دعوى من خارج، بل ذاكرةٌ في النصِّ ذاته. والقراءةُ التقليديّةُ تَفهم التحويلَ نَسخاً وتشريعاً، ونحن لا نُنازعها في ذلك. لكنّنا نُضيف ملاحظةً: أنّ بقاءَ ذكرى القبلةِ الشماليّةِ الأولى محفوظةً يُوافق ما تَتوقّعه قراءتُنا، من أنّ المركزَ الأوّلَ كان شماليّاً قبلَ أن يَستقرّ.

ما تقوله المساجدُ الأولى

ومن الذاكرةِ النصّيّةِ ننتقل إلى الحجر. فلِكلِّ مسجدٍ محرابٌ يُحدّد القبلة، ويُمكن قياسُ اتّجاهِه بدقّة. وقد تَتبّع الباحثُ دان غِبسون اتّجاهاتِ عددٍ كبيرٍ من المساجدِ المبكّرة، فخرج بملاحظةٍ مثيرة: أنّ أقدمَ المساجدِ في القرنِ الأوّلِ للهجرةِ لا تَتّجه إلى مكّةَ بالضبط، بل يَنحرف كثيرٌ منها نحوَ الشمال، نحوَ شماليِّ الجزيرةِ العربيّة، وأنّ الاتّجاهَ نحوَ مكّةَ يَترسّخ في المساجدِ اللاحقةِ تدريجاً.

ومن أمثلةِ ذلك مساجدُ مبكّرةٌ في مصرَ والعراقِ والباديةِ والنقب، قِيست محاريبُها فوُجدت لا تُصوّب إلى مكّةَ كما تَفعل المساجدُ المتأخّرة. بل تَذكر بعضُ الرواياتِ نفسُها أنّ قبلةَ مسجدٍ مبكّرٍ احتاجت تصحيحاً بعدَ بنائِه، وهو اعترافٌ من داخلِ التقليدِ بأنّ الاتّجاهَ الأوّلَ لم يَكن مستقرّاً.

وقفةُ حذرٍ منهجيّة

ولا بدّ هنا من حذرٍ شديد، لأنّ المسألةَ محلُّ خلافٍ جادٍّ بين الباحثين، ومن الأمانةِ أن نَعرض الوجهَ الآخر. فقد ردّ باحثون، أبرزُهم ديفيد كِنغ المختصُّ بتاريخِ تحديدِ القبلة، تفسيرَ غِبسون. وحُجّتُهم أنّ المسلمين الأوائلَ لم يَملكوا أدواتِ القياسِ الفلكيِّ الدقيق، فاعتمدوا طرقاً تقريبيّة: اتّجاهَ مشرقِ الشمسِ أو مغربِها في مواسمَ بعينِها، أو جهةَ الرياح، أو قبلةَ الصحابةِ المنقولة. ولذلك، في رأيِهم، فإنّ انحرافَ المحاريبِ يَعكس تقريبَ الطرقِ الشعبيّةِ القديمة، لا قبلةً إلى مكانٍ آخرَ غيرِ مكّة.

وهذا اعتراضٌ قويٌّ يَستحقّ أن يُؤخَذ بجدّيّة. ونحن لا نَحسم بين الرأيين، فالحسمُ من شأنِ أهلِ الاختصاصِ في الفلكِ والآثار. لكنّنا نُلاحظ أنّ الرأيين، على اختلافِهما، يَتّفقان على أمرٍ واحد: أنّ قبلةَ الأوائلِ لم تَكن مصوَّبةً إلى مكّةَ بالدقّةِ التي استقرّت عليها لاحقاً، سواء كان ذلك لتقريبِ الطرقِ أو لاختلافِ المركز. فعدمُ الاستقرارِ الأوّلِ نفسُه قدرٌ متّفَقٌ عليه تقريباً، وإن اختُلف في تفسيرِه.

الشاهدُ الذي يَقطع علينا: يعقوبُ الرهاويّ

وأصدقُ ما نُقدّمه في هذا الفصلِ ليس ما يُقوّي قراءتَنا بل ما يَقطع عليها، ولذلك نَضعه هنا كاملاً بلا ردٍّ مُلحَق.

فيعقوبُ الرهاويُّ المتوفّى سنةَ ٧٠٨ أسقفٌ سريانيٌّ وأعلمُ أهلِ كنيستِه في جيلِه، عاش بين المسلمينَ وكتب عنهم من داخلِ المدنِ نفسِها. وسأله يوحنّا الأسطونيُّ: إلى أين يتوجّه المسلمونَ واليهودُ في صلاتِهم؟ فصحّح ظنّاً شائعاً: ليس القومُ يتوجّهونَ جنوباً كما يُحسَب، بل كلُّ جماعةٍ إلى مقدِسها، اليهودُ إلى بيتِ المقدسِ والمسلمونَ إلى الكعبة. ثم أعطى التفصيلَ الحاسم، وهو هندسيٌّ لا عَقَديّ: أنّ مسلمي العراقِ يتوجّهون غرباً، وأنّ من كان جنوبَ مكةَ يتوجّه شمالاً.

فتأمّل ما يَعنيه هذا. متّجهانِ يَلتقيان، والملتقى الحجاز. رجلٌ يَكتب في زمنِه، بين المسلمين، لا مصلحةَ له في مسألتِنا، يَصف قِبلةَ أهلِ العراقِ وأهلِ اليمنِ وصفاً هندسيّاً تُغلِق نتيجتُه بابَ أيِّ قراءةٍ تَنقل المقدِسَ الأوّلَ شمالاً. وهو أقوى شاهدٍ أدبيٍّ مفردٍ في وجهِ ما تَذهب إليه هذه القراءة، ولم يكن في كتابِنا ذكرٌ له.

ويَلزمنا معه تحفُّظانِ أمينان، وليس أحدُهما نجاةً ولا نَسوقهما مساقَ الردّ. الأوّل أنّ يعقوبَ يَكتب نحوَ سنةِ ٧٠٥، أي بعدَ نحوِ سبعينَ سنةً من الزمنِ الذي يدور حوله جدلُنا، فشهادتُه على قِبلةِ المسلمينَ في حياتِه هو لا على قِبلتِهم في البدء. والثاني أنّ الفقرةَ ينبغي أن تُقرأ في نصِّها المحقَّقِ لا في تلخيص، فالألفاظُ تَحمل الثقلَ كلَّه؛ وهي في رسائلِه إلى يوحنّا الأسطونيّ، بتحقيقِ نو وترجمةِ هويلاند في «رؤيةِ الإسلامِ كما رآه الآخرون».

وهذا التحفُّظانِ لا يُبطلانِ شهادتَه، وإنّما يُحدّدانِ مداها. والقارئُ هو الذي يَزن.

ماذا تَأخذ قراءتُنا من هذا؟

لا نَحتاج، لقراءتِنا، أن نَتبنّى أقوى ما ذَهب إليه غِبسون. يَكفينا القدرُ الأضعفُ الأرسخ، ونَضعه في درجتِه. أوّلاً، أنّ القرآنَ نفسَه يَحفظ ذكرى قبلةٍ أولى شماليّة. وثانياً، أنّ أقدمَ المحاريبِ تَميل شمالاً وتَفتقر إلى الاستقرار. وثالثاً، أنّ الاتّجاهَ نحوَ مكّةَ يَترسّخ مع الزمنِ لا أنّه ثابتٌ من البداية. هذه الثلاثةُ مجتمعةً تُوافق فرضيّةَ الانتقالِ الجغرافيّ: أنّ مركزَ الثِّقَلِ الأوّلَ كان شماليّاً، وأنّ الاتّجاهَ إلى الحجازِ تَرسّخ لاحقاً.

أمّا إلى أين كان يُشير ذلك السهمُ الشماليُّ بالضبط، فذلك سؤالٌ آخرُ، نَفرد له الفصلَ التالي. فبعضُ الباحثين يَقرأ الانحرافَ نحوَ البتراءِ في شماليِّ الجزيرة، ونحن نَقرأ مركزَ الثِّقَلِ في فضاءِ الحيرةِ والعراق. وهذان قولانِ في «أينَ الشمال»، يَجمعهما أنّهما يُبعدان المركزَ الأوّلَ عن الحجازِ نحوَ الشمال.

كيف نَقرأ التحويل

ونَختم بمبدئِنا. تحويلُ القبلةِ، على قراءتِنا، لا يُقرأ نفياً بل آليّةً. فالذاكرةُ المقدّسةُ لم تَمحُ القبلةَ الأولى الشماليّة، بل حَفظتها وطقّستها في حدثِ التحويلِ نفسِه. أي إنّ التقليدَ، بدل أن يُخفيَ الاتّجاهَ الأوّل، جَعله جزءاً من القصّة، لحظةَ تحوُّلٍ مُكرَّمة. وهذا بالضبط ما تَتوقّعه الفرضيّة: أنّ الانتقالَ من مركزٍ إلى مركزٍ يُحفَظ في الذاكرةِ بوصفه تحوُّلاً، لا بوصفه محواً. فالسهمُ الذي كان يُشير شمالاً ما زالت ذكراه محفوظةً في النصِّ وفي الحجر، ومن تتبُّعِها نَفهم أين كان قلبُ القصّةِ قبلَ أن يَستقرّ.

فإلى أين كان يُشير ذلك السهم؟ إلى البتراءِ أم إلى الحيرة؟ ذلك سؤالُ الفصلِ التالي.

الفصل الثالث عشر

البتراءُ أم الحيرة؟ مركزانِ شماليّان

تَركنا الفصلَ السابقَ على سؤال: إذا كان سهمُ القبلةِ الأولى يُشير شمالاً، فإلى أين بالضبط؟ وهنا نَلتقي بقراءةٍ أخرى تُشاركنا الاتّجاهَ وتُخالفنا في الوجهة. فالباحثُ دان غِبسون يَقرأ الانحرافَ نحوَ مدينةٍ بعينِها في شماليِّ الجزيرة، هي البتراء، عاصمةُ الأنباطِ القديمة. ونحن نَقرأ مركزَ الثِّقَلِ في فضاءِ الحيرةِ والعراق. فلنَضع القراءتين وجهاً لوجه، بإنصاف.

حُجّةُ البتراء

البتراءُ مدينةٌ نبطيّةٌ منحوتةٌ في الصخرِ الورديِّ جنوبَ الأردنِّ اليوم، كانت قبلَ الإسلامِ مركزاً تجاريّاً ودينيّاً عظيماً، لها حرمُها ومقدّساتُها وحجرُها المعبود. ويَبني غِبسون قراءتَه على ركيزتين. الأولى اتّجاهاتُ المساجدِ المبكّرةِ التي رأى أنّها تُصوّب نحوَ البتراءِ لا مكّة. والثانية قراءةٌ في بعضِ الإشاراتِ القرآنيّة: ذكرُ الزرعِ والزيتونِ والتينِ والنخيلِ، وذكرُ رحلتَي الشتاءِ والصيف، وذكرُ وادٍ ومدينةٍ، وهي أوصافٌ يَراها أقربَ إلى بيئةٍ شماليّةٍ أخصبَ من وادي مكّةَ الجَدْب.

والحُجّةُ، في جوهرِها، أنّ المركزَ الأوّلَ كان البتراءَ ذاتَ الحرمِ النبطيّ، وأنّ القبلةَ تَحوّلت إليها أوّلاً، ثمّ نُقل المركزُ والقبلةُ لاحقاً إلى مكّةَ في الحجاز. وهي قراءةٌ جريئةٌ نُقدت، كما نُقد كلُّ ما في هذا الباب، لكنّها تَستحقّ أن تُوضَع في الميزان.

أين نَتّفق

نَتّفق مع هذه القراءةِ في الأهمِّ، ونَختلف في التفصيل. نَتّفق في القدرِ المشترك: أنّ المركزَ الأوّلَ شماليٌّ أوسعُ من الحجازِ وحدَه، وأنّ الشواهدَ المبكّرة، النصّيّةَ والمادّيّة، تَدفع نحوَ الشمال. هذا قدرٌ مشترَكٌ بين كلِّ القراءاتِ التي تُعيد النظرَ في الجغرافيا الأولى، وهو أقواها وأرسخُها. فحين تَتّفق قراءتانِ مستقلّتان، إحداهما تَبدأ من القبلةِ والأخرى من اللسانِ والمؤسّسات، على أنّ الاتّجاهَ شماليّ، كان هذا الاتّفاقُ نفسُه قرينةً تَستحقّ الوقوف.

أين نَختلف، وكيف نُوفّق

ونَختلف في الوجهةِ التي يُشير إليها الشمال. والفرقُ بين القراءتين، في تقديرِنا، فرقُ زاويةِ النظرِ أكثرَ منه فرقُ تضادّ. فغِبسون يَنظر من زاويةِ الطقسِ والقبلةِ والحرم، فيَقع نظرُه على البتراءِ ذاتِ المقدَّسِ النبطيّ. ونحن نَنظر من زاويةِ اللسانِ والكتابةِ والكنيسةِ والجماعاتِ والمؤسّسات، فيَقع نظرُنا على الحيرةِ ذاتِ اللسانِ المزدوجِ وكنيسةِ المشرقِ والعِباد. فالقراءتانِ قد تَلتقطان طبقتين مختلفتين من إعادةِ التوجُّهِ الشماليّةِ نفسِها: البتراءُ طبقةَ الحرمِ والاتّجاه، والحيرةُ طبقةَ اللغةِ والعقيدةِ والكوادر.

ولا يَلزم أن تكون الطبقتانِ في مكانٍ واحد. فالمركزُ الأوّلُ، إن كان شماليّاً، فالشمالُ نفسُه فضاءٌ واسع، يَمتدّ على قوسٍ من شماليِّ الجزيرةِ والشامِ إلى أرضِ الرافدين: فيه البتراءُ في الجنوبِ الغربيّ، والجابيةُ والرُّصافةُ غساسنةً في الشمالِ الغربيّ، والحيرةُ مناذرةً في الشرق. وهذا القوسُ كلُّه عالمٌ عربيٌّ واحدٌ متّصلٌ، تَتوزّع فيه وظائفُ المركز.

خيطٌ يَصِل البتراءَ بالحيرة

بل إنّ بين البتراءِ والحيرةِ خيطاً ماديّاً يَصِلهما، هو الخطُّ نفسُه الذي نَكتب به. فالكتابةُ العربيّةُ نشأت من الخطِّ النبطيّ، خطِّ الأنباطِ أهلِ البتراء. وحجرُ النَّمارةِ الذي فتحنا به الكتاب، أقدمُ نصٍّ عربيٍّ ذي بال، مكتوبٌ بالحرفِ النبطيِّ في المجالِ الذي يَصِل عالمَ الأنباطِ بعالمِ المناذرة. فالخطُّ الذي وُلد في فضاءِ البتراءِ النبطيِّ هو نفسُه الذي نَضج في الحيرةِ على يدِ كتبةِ العِباد، ثمّ صار خطَّ المصحف. فالعالمانِ ليسا غريبين، بل حلقتانِ في سلسلةٍ واحدة، سلسلةِ الشمالِ العربيِّ الذي حَمل اللسانَ والخطَّ والمقدَّس.

ولذلك لا نَرى في قراءةِ البتراءِ خصماً لقراءةِ الحيرة، بل رفيقاً في الاتّجاه. هي تُقوّي القدرَ المشترك، أنّ المركزَ أوسعُ من الحجازِ وحدَه، وتُضيف إليه شاهدَ القبلةِ والحرم. ونحن نُضيف شاهدَ اللسانِ والكنيسةِ والاستمرارِ المؤسّسيّ. وحين تُجمَع الشهادتان، يَقوى القوسُ الشماليُّ كلُّه بوصفه مهدَ القصّة.

في الميزان

ونَضع كلَّ هذا في درجاتِه بصدق. والقدرُ المشترك، أنّ المركزَ الأوّلَ شماليٌّ أوسعُ من الحجازِ الخالص، هو الأقوى، وعليه تَلتقي القراءتان. وأمّا تعيينُ المركزِ في البتراءِ بالذاتِ قبلةً أولى، فقراءةٌ أجرأُ نُقدت ونَضعها في درجةِ التخمين. وتعيينُنا نحن مركزَ الثِّقَلِ في الحيرةِ يَستند إلى أدلّةِ اللسانِ والمؤسّساتِ والاستمرارِ التي بَنينا عليها الكتابَ كلَّه، وهي أرسخُ من دليلِ القبلةِ وحدَه. والأمانةُ أن نقول إنّ تعيينَ النقطةِ، أيِّ نقطة، أصعبُ من إثباتِ الاتّجاه. فالاتّجاهُ شماليٌّ بأكثرَ من دليل، وأمّا النقطةُ فمحلُّ بحثٍ مفتوح.

عُدنا بهذا إلى أداتِنا الثالثة، التي تَركناها مفتوحة. فقد سألنا عن الزمنِ والمكان، وبَقي أن نَسأل عن الأشخاص: عن الأسماءِ التي تَحمل القصّة. إلى فصلِ الأسماءِ نَتّجه.

الفصل الرابع عشر

الأسماءُ بوصفها ألقاباً

نَفتح في هذا الفصلِ أداةً دقيقة، نَطلب فيها من القارئِ صبراً وإنصافاً معاً. الفكرةُ أنّ كثيراً من الأسماءِ التي نَقرؤها أعلاماً لأشخاصٍ تَحمل في أصلِها معنىً وصفيّاً، لقباً دينيّاً أو سياسيّاً. والذي نَطرحه احتمالٌ في كيفيّةِ نشأةِ الأسماءِ وتحوُّلِها، لا في وجودِ أصحابِها: أنّ صفةً وصفيّةً قد تَجمد عَلَماً. وهذه، كما قُلنا من أوّلِ الكتاب، من أجرأ فرضياتِنا، فلنَمضِ فيها بحذرٍ شديد.

كيف تَصير الصفةُ اسماً

في كلِّ الثقافاتِ تَبدأ كثيرٌ من الأسماءِ صفاتٍ ثمّ تَجمد أعلاماً. والعربيّةُ غنيّةٌ بهذا: المنصورُ والمأمونُ والرشيدُ ألقابٌ صارت أسماء. والمسألةُ التي يَطرحها هذا الكتابُ أبعدُ خطوة: أنّ منظومةً من الألقابِ الدينيّةِ والسياسيّةِ في العالمِ القديمِ قد تكون تعرّضت لاحقاً لعمليّةِ شَخصنةٍ وتاريخنة، فصارت الصفاتُ أشخاصاً لها سِيَرٌ وأنسابٌ وتواريخُ ميلادٍ ووفاة. ولنَبدأ من المثالِ الأوضح، الذي لا خلافَ على أنّه لقب.

المنذرُ والنذير

المنذرُ لقبٌ مُلكيٌّ لخميٌّ متكرّر، تَناوب عليه ملوكُ الحيرةِ مع لقبِ النعمان. وهو في الوقتِ نفسِه كلمةٌ دينيّةٌ ثقيلةٌ في القرآن: النذيرُ، المنذرُ، من جذرِ النِّذارةِ والإنذار، ومنه أيضاً النَّذرُ والعهد. فالملوكُ الذين حَكموا الحيرةَ حَملوا لقباً يَحمل معنى النِّذارة. وهذا المثالُ يُرينا، في مكانٍ لا خلافَ عليه، كيف يَلتقي اللقبُ المُلكيُّ بالمعنى الدينيّ: المنذرُ مَلِكٌ ونذيرٌ في آن. فإذا كان أوضحُ ألقابِ الحيرةِ يَحمل هذا الازدواج، فمن المشروعِ أن نَسأل عن ألقابٍ أخرى.

الأسماءُ المزدوجة

ومن قرائنِ هذه الفرضيّةِ ظاهرةٌ نُسمّيها ازدواجَ الأسماء. مرّ بنا امرآ القيس: صاحبُ النَّمارةِ المَلِكُ سنةَ ٣٢٨، والشاعرُ صاحبُ المعلَّقةِ بعدَه بقرنين. اسمٌ واحدٌ، ملكان، يَفصل بينهما زمنٌ طويل. ومرّ بنا المنذرون، يَتكرّر اللقبُ جيلاً بعد جيل حتّى يَصعب أحياناً تمييزُ منذرٍ من منذر. هذا التكرارُ والازدواجُ سِمةٌ بنيويّةٌ في عالمِ الألقاب: اللقبُ يَتناسخ في حامليه، فيَصعب على المؤرّخِ المتأخّرِ أن يَفرز الأشخاصَ من اللقب. وحين تُدوَّن القصّةُ متأخّرةً، قد يَنقسم اللقبُ الواحدُ أشخاصاً، أو يَجتمع أشخاصٌ في لقبٍ واحد.

الاسمُ المحمود

ونَصل إلى أثقلِ الأمثلةِ وأحوجِها إلى أدبٍ في الطرح: اسمُ محمّد. والكلمةُ في أصلِها العربيِّ من جذرِ الحمد، ومعناها المحمودُ، الممدوحُ، الذي تَكثر فيه الخصالُ الحميدة. فهي في بنيتِها صفةُ مدحٍ عالية، من أرفعِ ما يُوصَف به إنسان. ومن هنا يَطرح بعضُ الباحثين النقديّين سؤالاً: هل وَردت هذه الكلمةُ في بعضِ المواضعِ المبكّرةِ لقباً تكريميّاً، بمعنى «المحمود» أو «المبارَك»، قبلَ أن تَستقرّ علماً؟

ومن قرائنِ هذا أنّ أقدمَ ظهورٍ أثريٍّ مؤرَّخٍ للكلمة، في قبّةِ الصخرةِ سنةَ ٦٩١، يَرد في سياقٍ مسيحانيٍّ صريح: «محمّدٌ عبدُ اللهِ ورسولُه»، في شريطٍ يُحاجج أهلَ الكتابِ في المسيح. ومنها أنّ التقليدَ نفسَه يَربط بين هذا الجذرِ وبين «أحمد»، ويَقرأ في بشارةِ «الفارقليط» في إنجيلِ يوحنّا بشارةً بأحمد. فالحقلُ الدلاليُّ للحمدِ والمدحِ حاضرٌ في هذا الموضعِ حضوراً كثيفاً، يَجمع المعنى الدينيَّ بالاسمِ العَلَم.

ولنَقف هنا وقفةً صريحةً، فهذا أحسّ المواضع. ما نَطرحه احتمالٌ في تاريخِ الكلمةِ نفسِها: أنّها تَحمل معنى المدحِ الرفيع، وأنّها قد تكون عَمِلت في بعضِ المواضعِ المبكّرةِ عملَ اللقبِ التكريميِّ قبلَ أن تَستقرّ. وهذا، على مبدئِنا، تكريمٌ لمقامِ النبيِّ لا انتقاصٌ منه: يَكشف كيف يَلتقي أرفعُ المدحِ بأعزِّ الأسماء. وهذه من أجرأ قراءاتِنا، نَضعها في درجةِ التخمينِ المعلَن، وندعو إلى نقدِها.

أقوى ما يُقال علينا هنا

والإنصافُ يَقتضي أن نَضع أقوى اعتراضٍ على هذه القراءةِ صريحاً، لا أن نَلتفّ حولَه. والاعتراضُ أنّ «محمّداً» اسمٌ عربيٌّ معروفٌ قبلَ الإسلام، تَسمّى به رجالٌ في الجاهليّةِ تَذكرهم كتبُ الأنسابِ والأخبار. فإذا كان اسماً جارياً يُسمّى به الناس، فلِمَ نَقرؤه لقباً؟

والجوابُ أنّ القراءتين ليستا متناقضتين، وأنّ الاعتراضَ يُصحّح قراءتَنا ولا يُسقطها. فالكلمةُ الواحدةُ قد تَعيش حياتين معاً: اسماً عَلَماً يُسمّى به، ومعنىً وصفيّاً يَبقى حيّاً تحتَه. وهذا شأنُ كثيرٍ من الأسماء: «محمود» و«حامد» و«حميد» أسماءُ رجالٍ وأوصافُ مدحٍ في آن، لا يُلغي أحدُ المعنيين الآخر. فكونُ «محمّد» اسماً جاريّاً لا يَمحو أنّه في أصلِه صفةُ مدحٍ رفيعة. وما نَطرحه أضيقُ من دعوى أنّه «ليس اسماً»: نَطرح أنّه في بعضِ المواضعِ المبكّرةِ المخصوصة، كالسياقِ المسيحانيِّ في نقشِ قبّةِ الصخرة، قد تَعمل الكلمةُ عملَ الوصفِ التكريميِّ «المحمودِ عبدِ الله» إلى جانبِ كونِها عَلَماً. فنحن لا نَنفي الاسم، بل نُضيف إليه طبقةَ المعنى التي لا تُفارقه. وبهذا التحديدِ يَبقى الاعتراضُ قائماً ومُحترَماً، وتَبقى قراءتُنا أضيقَ وأدقَّ ممّا يُظَنّ بها.

المولِدُ كلُّه أسماءٌ حامِلة

ولا يَقف هذا عند اسمِ النبيِّ وحدَه، بل يَلمح في المولِدِ كلِّه نَسَقاً من الأسماءِ الحامِلةِ للمعنى. فأمُّه آمنةُ، من الأمنِ والإيمان. وأبوه عبدُ الله، يَموت قبلَ أن يَعرفه الطفلُ، فيَنشأ يتيماً يَتولّاه ربُّه: «ألم يَجدك يتيماً فآوى» (الضحى ٦). ومُرضِعتُه حليمةُ السعديّة، والحِلمُ من الحِلم، و«الحليمُ» اسمٌ من أسماءِ الله، والحُلمُ هو الرؤيا التي تقول السيرةُ إنّ الوحيَ انفتح بها؛ وهي من بني سعدٍ، من السعدِ والبركة، وقد فاضت بركةُ غنمِها يومَ أرضعته.

فإذا قَرأنا هذه الأسماءَ معاً، قرأنا في المولِدِ عقيدةَ نشأةٍ مرسومةً بالأسماء: نبيٌّ من الإيمانِ (آمنة)، من عبدِ الله، يتيمٌ لا أبَ له إلّا ربُّه، تُرضِعه الحِلمُ والرؤيا (حليمة) في السعدِ والبركة (بنو سعد)، فيُسمّى المحمود (محمّد). وهذا، على مبدئِنا، لا يَنفي أنّ لهؤلاء وجوداً، بل يَقرأ في احتفاظِ التقليدِ بهذه الأسماءِ بالذات، حيث ضاع أكثرُ تفاصيلِ الطفولة، دليلاً على أنّها أسماءٌ تَحمل المعنى. ونَضعها في درجةِ التخمينِ المُعلَن، لأنّها قراءةٌ أوسعُ من اسمٍ واحد، ندعو إلى وزنِها لا إلى التسليمِ بها.

العليُّ والحسنُ والحسين

وعلى المنوالِ نفسِه، بحذرِه نفسِه، نُلاحظ أنّ كثيراً من الأسماءِ المركزيّةِ في القصّةِ المبكّرةِ صفاتُ مدحٍ أو رفعة. وأوضحُها سنداً عليٌّ، فهو من العُلوِّ والرفعة، وهو نفسُه أحدُ أسماءِ الله الحُسنى: العليّ، فالتقاءُ الاسمِ بالصفةِ الإلهيّةِ قائمٌ لا مُفترَض. وإلى جانبِه الحسنُ والحسينُ من الحُسنِ والجمال، وأبو بكرٍ الصدّيقُ والفاروقُ وذو النورين، أوصافُ صِدقٍ وتمييزٍ ونور. غير أنّ هذه الأسماءَ، خلا عليٍّ، لا نَملك لها بعدُ شاهداً يُثبت أنّها عَمِلت لقباً قبلَ أن تَستقرّ عَلَماً، كما ملكنا في المنذرِ وبَحِيرَى. ولذلك نَضعها في أدنى درجاتِنا: ملاحظةَ نَسَقٍ تَنتظر بحثاً, لا حُكماً, ولا تَستند إلى قوّةِ الأمثلةِ الموثَّقةِ قبلَها.

سُلّمُ الحمد, وآلُ عِمرانَ بيتاً واحداً

وفي هذا البابِ نفسِه نَقرأ اسمَين مركزيَّين قراءةً تَصعد بالفكرةِ درجة. أمّا الأوّلُ فأحمد. والكلمةُ صيغةُ تفضيل, أفعلُ من الحمد, فمعناها الأعلى أو الأكثرُ حمداً, ومحمّدٌ إلى جانبِها اسمُ مفعولٍ مكثَّف, المحمودُ كثيراً. واللافتُ أنّ القرآنَ يَضع هذه الصيغةَ في فمِ عيسى نفسِه, يُبشّر برسولٍ من بعدِه اسمُه أحمد (الصفّ ٦). فإذا قرأنا الاسمَ صفةً, كما نَقرأ سائرَ ألقابِ هذا الفصل, بدا الأنبياءُ سُلّمَ حمدٍ صاعداً: عيسى في درجةٍ يُبشّر بمن هو أعلى منه حمداً, حتّى يَبلغ السُّلّمُ ذروتَه عند صاحبِ المقامِ المحمودِ ولواءِ الحمد. وهذا ما تَرسمه كتبُ الحديثِ صراحةً حين يَعتذر آدمُ فنوحٌ فإبراهيمُ فموسى فعيسى, ويَرقى المحمودُ وحدَه. وليس في هذا تنزيلٌ لأحد, بل قراءةٌ للقمّةِ حيث أشار إليها عيسى نفسُه. والنحوُ وسُلّمُ الشفاعةِ متينان, وتموضعُ عيسى في الطرفِ العميقِ للفترةِ من أجرأِ ما نَطرح, فلنَضعه في درجتِه.

وأمّا الثاني فعِمران. فالقرآنُ يُسمّي آلَ عِمرانَ بيتاً مصطفىً إلى جانبِ آلِ إبراهيم (آل عمران ٣٣), وعِمرانُ في الأصلِ لقبُ ربِّ البيتِ الكهنوتيِّ الذي منه هارونُ وموسى ومريم, ومريمُ بنتُ عِمرانَ وأختُ هارون. ويَحار القدماءُ في عِمرانَين تَفصل بينهما قرون, أبي موسى وأبي مريم, ونحن نَقرأ ذلك تكرارَ لقبِ بيتٍ لا خطأً في التاريخ, كما قرأنا الحسنَ والحُسينَ والحليمتَين. وثمّةَ روايةٌ ضعيفةٌ تُسمّي عمَّ النبيِّ عِمران, نَمسكها خيطاً بدرجةِ التخمين. فإن صحّ الوصلُ, كان بيتُ النبيِّ وآلُ عِمرانَ بيتاً نبويّاً كهنوتيّاً واحداً يَمتدّ على طولِ الفترة, وهو ما نَقرؤه في أهلِ البيتِ أنفسِهم. ونُكرّر ميزانَنا: البيتُ لقباً وتكرارُ عِمرانَ محتمَلان, وتسميةُ الجدِّ بعينِه عِمرانَ تخمينٌ نَطرحه تكريماً للبيتِ لا نفياً لأحد.

بَحِيرَى، اللقبُ الذي بقي لقباً

ولنَختم بمثالٍ يُرينا الآليّةَ في حالةٍ لم تَكتمل فيها الشَّخصنة. في السيرةِ راهبٌ مسيحيٌّ يَعرف علامةَ النبوّةِ على محمّدٍ الفتى ببُصرى، تُسمّيه الروايةُ «بَحِيرَى». والكلمةُ في الأصلِ سريانيّة، bḥīrā، ومعناها «المختارُ» أو «المُجاز»، وهي لقبٌ يُعطى للرهبان، لا اسمَ ميلاد. فهنا نَرى اللقبَ السريانيَّ وقد بَقي لقباً ولم يَكتمل تحوُّلُه إلى عَلَم، فكأنّه يُرينا المرحلةَ الوسطى من الآليّة: راهبٌ يُسمّى بصفتِه الرهبانيّة، في الموضعِ الذي تَقرأ فيه الكتبُ اسماً. وهذا المثالُ صغيرٌ لكنّه مُنير، لأنّه يَكشف العمليّةَ وهي تَجري.

ما يَقوله الباحثون، وما نَتحفّظ عليه

وقراءةُ اسمِ محمّدٍ على أنّه في أصلِه وصفُ مدحٍ طرحها باحثون في المدرسةِ النقديّة، منهم لوكسنبرغ ومدرسةُ إينارا بإشرافِ أوليغ، إذ قَرؤوا الكلمةَ في صورتِها على أنّها اسمُ مفعولٍ بمعنى «المحمود» أو «المبارَك»، وربطوها بالسياقِ المسيحانيِّ في نقشِ قبّةِ الصخرة. وللراهبِ بَحِيرَى دراساتٌ مستقلّة، منها ما كَتبته باربرا روجيما عن «أسطورةِ سرجيس بَحِيرَى» في صورتِها السريانيّةِ والعربيّة.

ونحن نَذكر هذه القراءاتِ ولا نَتبنّاها على إطلاقِها، بل نَضعها في درجاتِها بصدق. فمنها ما هو متينٌ لغويّاً، كأصلِ كلمةِ بَحِيرَى السريانيِّ الذي لا خلافَ عليه. ومنها ما هو جريءٌ نُقد نقداً شديداً، كقراءةِ اسمِ النبيِّ لقباً، وهو موضعٌ نَطرحه احتمالاً للنقاشِ لا حُكماً، ونُكرّر أنّ غايتَنا فهمُ تاريخِ الكلمةِ لا الانتقاصُ من مقام. والفرقُ الذي نُصرّ عليه أنّ التقاءَ المعنى الدينيِّ بالاسمِ العَلَمِ، إن صحّ، يَكشف كيف يَلتقي أرفعُ المدحِ بأعزِّ الأسماء، وهذا تكريمٌ لا نفي.

كيف نَقرأ كلَّ هذا

نُعيد، في ختامِ الفصل، تثبيتَ مبدئِنا، لأنّه هنا أشدُّ لزوماً منه في أيِّ موضعٍ آخر. تَقول فرضيّةُ الأسماءِ إنّ منظومةً من الألقابِ الدينيّةِ والسياسيّةِ كانت قائمةً في العالمِ القديم، وإنّ الذاكرةَ الجمعيّةَ، حين دوّنت قصّتَها متأخّرة، شَخصنت بعضَ هذه الألقابِ وتاريخنتها. السرديّةُ تُكرّم الأوصافَ الشريفةَ وتَجعلها أشخاصاً مُكرَّمين، تَنقل ولا تَختلق.

وهي، كما اعترفنا مراراً، من أجرأ ما في الكتابِ وأحوجِه إلى التحفُّظ. ولذلك نَضع أمثلتَها في درجاتِها: المنذرُ لقبٌ موثَّقٌ بلا خلاف، وبَحِيرَى لقبٌ سريانيٌّ واضح، وما عداهما من الأسماءِ المركزيّةِ نَطرحه احتمالاً مفتوحاً للنقد، لا حُكماً مغلقاً. وبهذا الميزانِ نُغلق القسمَ الثالث، قسمَ المَفصل، وقد فتحنا أداتَي الزمنِ والأسماء. ننتقل الآن إلى رؤيةِ هاتين الأداتين وهما تَعملان معاً في أحداثِ القصّةِ الكبرى: في الفتنةِ الأولى، وكربلاء، وقبّةِ الصخرة.

القسم ٤

إعادة المسرحة (نحو ٦٥٦–٧٠٠م)

الفصل الخامس عشر

الفتنةُ الأولى على أرضِ لخم

دَخلنا قسمَ إعادةِ المسرحة، وهو قلبُ هذا الكتاب. هنا نَرى الأدواتِ التي شَحذناها، الزمنَ والأسماءَ والجغرافيا والاستمرار، تَعمل كلُّها معاً على حدثٍ واحد. ونَبدأ بالفتنةِ الأولى، الحربِ الأهليّةِ التي شَقّت الأمّةَ المبكّرة، ونَطرح فيها سؤالاً واحداً: على أيِّ أرضٍ جرت، وعلى أيِّ نَسَقٍ رُويت؟

حربٌ على أرضِ العراق

كانت الفتنةُ الأولى سلسلةَ معاركَ بين عليِّ بنِ أبي طالبٍ ومخالفيه. أولاها وقعةُ الجَمَل سنةَ ٦٥٦ قربَ البصرة، حين واجَه عليٌّ تحالفَ عائشةَ وطلحةَ والزبير. وأكبرُها وقعةُ صِفِّينَ سنةَ ٦٥٧ على الفراتِ الأعلى قربَ الرَّقّة، حين واجَه عليٌّ معاويةَ، فطال القتالُ بلا حسمٍ وانتهى بالتحكيم.

أوّلُ ما نُلاحظه أنّ هذه الحربَ تُخاض كلُّها في العراقِ وعلى الفرات، لا في الحجاز. الجملُ قربَ البصرة، وصِفِّينُ على الفراتِ الأعلى، وعاصمةُ عليٍّ الكوفةُ، التي بُنيت نحوَ سنةِ ٦٣٨ على مَرمى أميالٍ من الحيرة، فوَرِثت محيطَها العربيَّ المسيحيَّ ونُخبتَها، في قلبِ أرضِ لخمٍ القديمة. فالدراما المؤسِّسةُ للانقسامِ الأكبرِ في تاريخِ الأمّةِ تَجري على أرضِ المملكةِ العربيّةِ المسيحيّةِ الساقطة. وهذا، في أبسطِ صورِه، حُجّةُ الانتقالِ الجغرافيِّ مصغَّرةً: حيثُ تَقع الأحداثُ المؤسِّسة، نَجد العراقَ لا الحجاز.

المحورُ نفسُه

لكنّ الأهمَّ من موقعِ الحربِ هو محورُها. فصِفِّينُ في جوهرِها صراعُ قوّتين: قوّةٍ عراقيّةٍ مركزُها الكوفة، يَقودها عليٌّ، وقوّةٍ شاميّةٍ مركزُها دمشق، يَقودها معاوية. العراقُ في وجهِ الشام. الكوفةُ في وجهِ دمشق.

وهنا نَستدعي الصورةَ التي طَلبنا من القارئِ أن يَحملها منذ فصلِ يومِ حَليمة. هل تَذكرها؟ تاجانِ عربيّان، شرقيٌّ يَنتمي إلى العراقِ وفارس، وغربيٌّ يَنتمي إلى الشامِ والروم، يَتصارعان على الفراتِ وما حولَه. تلك كانت حربَ التاجين، حربَ لخمٍ وغسّان، التي بَلغت ذروتَها في قِنَّسرينَ سنةَ ٥٥٤. والآنَ، بعدَها بمئةٍ وثلاثِ سنين، نَرى المحورَ نفسَه يَعود: العراقَ في وجهِ الشام، والكوفةَ التي قامت على أرضِ الحيرةِ اللخميّةِ في وجهِ دمشقَ التي هي ميراثُ الغساسنة.

إعادةُ المسرحة

هذا هو لُبُّ الفصل. يَقرأ هذا المشروعُ صِفِّينَ بوصفها إعادةَ مسرحةٍ لحربِ التاجين. الكوفةُ تَقوم حيثُ قامت الحيرةُ اللخميّة، قوّةُ العربِ في فارسَ والعراق. ودمشقُ مقرُّ قوّةِ العربِ في الشام، ميراثِ الغساسنة. فمبارزةُ العراقِ والشام، البيتِ العربيِّ الشرقيِّ في وجهِ الغربيّ، تُخاض مرّةً ثانيةً، وتُحفَظ هذه المرّةَ حرباً داخلَ الأمّة. والفارقُ بين المعركتين، حَليمةَ سنةَ ٥٥٤ وصِفِّينَ سنةَ ٦٥٧، مئةٌ وثلاثُ سنين.

وعلى هذه القراءةِ، تَجد حربُ الثغرِ القديمةُ بين التاجين المسيحيّين العربيّين مكانَها المُكرَّمَ داخلَ القصّةِ الجديدة. الذاكرةُ الجمعيّةُ، حين رَوت صراعَها الكبير، رَوته على النَّسَقِ الذي كانت تَعرفه: نَسَقِ العراقِ في وجهِ الشام، البيتِ الشرقيِّ في وجهِ الغربيّ. لم تَختلق الذاكرةُ حرباً، بل صاغت صراعَها على بنيةِ صراعٍ قديمٍ راسخٍ في وعيِها.

أرضٌ واحدةٌ لمعركتين

وممّا يُقوّي هذه القراءةَ تطابقُ الجغرافيا تطابقاً دقيقاً. فصِفِّينُ تَقع على الفراتِ الأعلى قربَ الرَّقّة، التي عَرفها القدماءُ قالينيقوس، على مَقربةٍ من الرُّصافةِ مدينةِ الغساسنةِ ومن قِنَّسرينَ موضعِ يومِ حَليمة. أي إنّ المعركتين، حَليمةَ سنةَ ٥٥٤ وصِفِّينَ سنةَ ٦٥٧، تَقعان على الثغرِ نفسِه، في الإقليمِ نفسِه، حيث كان يَلتقي تاجا العرب. ليست هذه أرضاً جديدةً للصراع، بل أرضُ الصراعِ القديمةُ نفسُها، يُعاد عليها المشهدُ بممثّلين جُدُد.

وهذه طريقةٌ في قراءةِ الأحداثِ تَبحث في تطابقِ الأشخاصِ والأدوارِ والمواقع: تَتبُّعُ الشخصياتِ وأدوارِها لكشفِ ما يَتكرّر منها. وهي طريقةٌ معروفةٌ في دراسةِ النصوصِ التاريخيّة، فحين تَتكرّر بنيةٌ من الأدوارِ في حدثين، يَسأل الباحثُ هل أحدُهما صِيغ على نموذجِ الآخر. ونحن نُطبّق هذا المنهجَ على حَليمةَ وصِفِّين: بنيةُ الأدوارِ نفسُها، تاجٌ شرقيٌّ وتاجٌ غربيّ، يَلتقيان على الثغرِ نفسِه، يَسقط فيهما زعيم. فالسؤالُ مشروع: هل صِيغت الثانيةُ على نموذجِ الأولى؟

قراءةُ المدرستين

ويَمتدّ هذا إلى الشخصيّتين نفسِهما. فعليٌّ، القادمُ من الكوفةِ في قلبِ لخمٍ القديم، يُمثّل في هذه القراءةِ المدرسةَ الشرقيّة، العراقيّةَ الفارسيّةَ النسطوريّة. ومعاويةُ، القادمُ من دمشقَ في ميراثِ غسّان، يُمثّل المدرسةَ الغربيّة، الشاميّةَ البيزنطيّةَ الميافيزيّة. فالخلافُ بينهما ليس مجرّدَ نزاعٍ على السلطة، بل يَحمل في طيّاتِه استقطابَ العالمين القديمين، الشرقيِّ والغربيّ، اللخميِّ والغسّانيّ. والتشيُّعُ الذي يَنشأ في الكوفةِ، والأمويّةُ التي تَقوم في دمشق، امتدادانِ لقطبين قديمين.

ونُسارع، كعادتِنا، إلى وضعِ هذه القراءةِ في درجتِها. التوازي بين حَليمةَ وصِفِّين، وبين المحورين، قراءةٌ تفسيريّةٌ تَستند إلى تطابقِ البنيةِ والموقعِ والفارقِ الزمنيِّ المنتظم. هي أقوى من مجرّدِ مصادفة، لكنّها ليست في درجةِ النقشِ الموثَّق. نَضعها في درجةِ الاحتمالِ القويّ، ونَدعو القارئَ إلى أن يَزنها بنفسِه: هل تَكفي هذه التطابقاتُ لتُرجّح أنّ صِفِّينَ صِيغت على نَسَقِ حَليمة؟

مقتلُ الملكِ في مجلسِه

وقبلَ صِفِّينَ بسَنةٍ يَقع الحدثُ الذي فَجّر الفتنةَ كلَّها: مقتلُ عثمانَ في دارِه بالمدينةِ سنةَ ٦٥٦، والخليفةُ محاصَرٌ يُقتل بين أهلِه وفي حُرمةِ بيتِه. ولهذا المشهدِ نظيرٌ قديمٌ محفوظٌ في ذاكرةِ العرب: مقتلُ عمرِو بنِ هندٍ ملكِ الحيرةِ سنةَ ٥٦٩، والملكُ في مجلسِه، في حُرمةِ ضيافتِه نفسِها، يَقتله عمرُو بنُ كلثومٍ التغلبيُّ غضبةً للكرامة، وتَحفظ القصّةَ معلّقةٌ من أشهرِ شعرِ العرب. البنيةُ واحدة: سيّدُ الأمرِ يُقتل لا في ميدانٍ بل في حُرمةِ داره، ويَصير دمُه الشرارةَ التي تُشعل ما بعدَه. والفارقُ بين المشهدين سبعٌ وثمانون سنةً، من جنسِ الفوارقِ التي رأيناها بين حَليمةَ وصِفِّين. نَضع هذا التوازيَ في درجةِ التخمينِ المُعلَن: بنيةُ المشهدِ متطابقةٌ ومقتلُ عمرٍو موثَّقٌ في أخبارِ الحيرةِ وشعرِها، لكنّ الرابطَ بينهما قراءتُنا نحن.

الأميرُ المتوَّجُ المخلوع

وبعدَ صِفِّينَ يأتي فصلُ الحسن: الأميرُ الوارثُ يُبايَع، ثمّ يُصالح ويَتنازل، ثمّ يَموت مسموماً في روايةِ التقليد. ولهذا الفصلِ أيضاً نظيرٌ قديمٌ على الجبهةِ الأخرى: المنذرُ الجفنيُّ الغسّانيُّ، وَريثُ البيتِ الغربيّ، تَوَّجته القسطنطينيّةُ سنةَ ٥٨٠ بتاجٍ ملكيٍّ لم يُعطَ لعربيٍّ قبلَه، ثمّ قَبضت عليه غدراً في تدشينِ كنيسةٍ سنةَ ٥٨١ ونَفته إلى صِقِلّية، فانطفأ البيتُ الغسّانيُّ بعدَه. البنيةُ واحدةٌ مرّةً أخرى: وارثٌ شرعيٌّ يُرفَع ثمّ يُحيَّد بلا معركة، بالصلحِ أو بالغدر، ويُطوى بيتُه من بعدِه. والفارقُ تسعٌ وثمانون سنةً بين غدرِ ٥٨١ وموتِ الحسنِ سنةَ ٦٧٠. وهذا التوازي أيضاً في درجةِ التخمينِ المُعلَن، لكنّه يَكتسب وزناً من موقعِه في الجدول: فحين تَصطفّ خمسةُ مشاهدَ متتابعةٌ، حَليمةُ وصِفِّين، وعمرُو بنُ هندٍ وعثمان، والجفنيُّ والحسن، والنعمانُ والحسين، وذو قارٍ والمختار، على فوارقَ متقاربةٍ بين سبعٍ وسبعين ومئةٍ وعشرِ سنين، صار السؤالُ عن النَّسَقِ كلِّه أثقلَ من السؤالِ عن كلِّ زوجٍ على حِدة.

ماذا لا نَقول

لنَكن صريحين مرّةً أخرى. لا نَقول إنّ صِفِّينَ لم تَقع، ولا إنّ عليّاً ومعاويةَ لم يَكونا. نَقول إنّ الذاكرةَ صاغت صراعَها الكبيرَ على بنيةٍ قديمةٍ تَعرفها، بنيةِ العراقِ في وجهِ الشام. وهذا، إن صحّ، لا يُنقص الحدثَ بل يُعمّقه، إذ يُرينا أنّ الانقسامَ الإسلاميَّ الأوّلَ لم يَكن طارئاً بلا جذور، بل امتداداً لاستقطابٍ عربيٍّ قديمٍ بين شرقٍ وغرب، استقطابٍ يَعود إلى تاجَي العربِ في القرنِ السادس.

بهذا نَفهم الفتنةَ الأولى بوصفها أوّلَ فصولِ إعادةِ المسرحة. لكنّ الدراما لم تَنتهِ بصِفِّين. فبعدَها بثلاثٍ وعشرين سنةً، على الأرضِ نفسِها، قربَ الكوفةِ، يَقع الحدثُ الذي سيَصير أعمقَ حُزنٍ في هذا التقليدِ كلِّه. إلى كربلاءَ نَتّجه، وإلى اليومِ العاشر.

الفصل السادس عشر

كربلاءُ واليومُ العاشر

في العاشرِ من مُحرَّمَ سنةَ إحدى وستّين للهجرة، أي تشرينَ الأوّلِ سنةَ ٦٨٠ للميلاد، أُحيط بالحسينِ بنِ عليٍّ ونفرٍ قليلٍ من أهلِه وأصحابِه في أرضِ كربلاء، على مسيرٍ قصيرٍ شمالَ الكوفة، فقُتلوا عن آخرِهم. وكان واليَ الكوفةِ الأمويُّ عبيدُ اللهِ بنُ زيادٍ هو من أرسل الجند. وصار هذا اليومُ أعمقَ حُزنٍ في تقويمِ المتمسّكين ببيتِ عليّ، وحِدادُه السنويُّ، عاشوراءُ، محفوظٌ إلى اليوم.

نَقترب من هذا الحدثِ بأدبٍ وإجلال، فهو جرحٌ في وجدانِ أمّة. وما نَطرحه ليس انتقاصاً من قداستِه، بل قراءةً في موقعِه: أين وقع، ومتى، وعلى أيِّ نَسَقٍ من الحِدادِ تَشكّلت ذكراه.

الأرضُ نفسُها

كربلاءُ في قلبِ أرضِ لخمٍ القديمة، بجوارِ الكوفةِ والحيرة. وهذا هو الموضعُ نفسُه الذي رَأيناه يَتجمّع فيه الثِّقَلُ الروحيُّ جيلاً بعد جيل: الكوفةُ على أرضِ الحيرة، والنجفُ وكربلاءُ في الإقليمِ نفسِه. فأقدسُ مشاهدِ هذا التقليدِ تَتجمّع في الأرضِ التي كانت عليها المملكةُ العربيّةُ المسيحيّة. وهذا ما تَتوقّعه حُجّةُ الانتقالِ الجغرافيّ: أنّ المقدَّسَ المؤسِّسَ لهذا التقليدِ يَتجمّع في قلبِ لخمٍ لا في الحجاز.

اليومُ العاشر

ثمّ هناك التاريخُ نفسُه. وقع الحدثُ في العاشرِ من مُحرَّم، وعليه بُني الحِدادُ، عاشوراءُ، يومُ الحُزنِ الأكبر. واليومُ العاشرُ ليس تاريخاً اعتباطيّاً في هذا العالم. ففي التقاليدِ القديمةِ للمنطقةِ كان لليومِ العاشرِ شأنٌ في الذبيحةِ والتكفير، يومٌ يُقرَّب فيه ويُكفَّر. فتثبيتُ الحِدادِ الأكبرِ على العاشرِ يَضعه في نَسَقٍ قديمٍ كانت الأرضُ تَعرفه.

وأبعدُ من ذلك، فإنّ طقسَ كربلاءَ في جوهرِه حِدادٌ، بكاءٌ على سيّدٍ قتيل، يُعاد كلَّ عامٍ في موعدِه. وهذا النوعُ من الحِدادِ الموسميِّ على سيّدٍ مقتولٍ عَرفته أرضُ الرافدين قبلَ ذلك بزمنٍ طويل. فقد كان في العراقِ القديمِ بكاءٌ موسميٌّ على إلهٍ أو سيّدٍ يَموت ويُبكى عليه، حتّى إنّ النبيَّ حزقيالَ، في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، رأى عند بابِ هيكلِ القدسِ نساءً «يَبكين على تمّوز»، أي على ذلك السيّدِ القتيلِ في النَّسَقِ القديم. فالحِدادُ الموسميُّ على القتيلِ المقدَّسِ تقليدٌ عريقٌ في هذه الأرضِ نفسِها.

نَضع هذه الملاحظةَ في درجتِها بدقّة. فالأرضُ التي وقع فيها الحدثُ، والنَّسَقُ الذي تَشكّل عليه حِدادُه، البكاءُ الموسميُّ على سيّدٍ قتيلٍ في يومٍ مثبَّت، كانا حاضرين في هذا العالمِ قبلَ الإسلامِ بقرون. لا أنّ عاشوراءَ بكاءُ تمّوز، ولا أنّ أحدَهما اخترع الآخر. والحِدادُ الجديدُ، أعمقُ حِدادِ النظامِ الجديد، يُقام على الأرضِ نفسِها، وعلى نَسَقِ التقويمِ نفسِه.

النعمانُ والحسين

ويَطرح المشروعُ هنا توازياً نَضعه صريحاً في أدنى درجاتِ الثقة، ونُفصّل ما يَرنّ فيه وما لا يَرنّ. فآخرُ ملوكِ الحيرةِ المسيحيّ، النعمانُ الثالث، استُدعيَ إلى عاصمةِ سيّدِه فقُتل ظُلماً نحوَ سنةِ ٦٠٢، فصار في ذاكرةِ أرضِه القتيلَ المظلوم. والحسينُ سار نحوَ الكوفةِ فأُحيط به وقُتل ظُلماً على الأرضِ نفسِها تقريباً سنةَ ٦٨٠، فصار القتيلَ المظلومَ الأعظمَ في الذاكرة. وما يَرنّ في التوازي ثلاثةٌ: موقعُ القتيلِ المظلومِ المقدَّسِ على أرضِ لخمٍ بعينِها، والغدرُ بسيّدٍ استُدرج إلى مصرعِه، والفارقُ الزمنيُّ المنتظمُ بينهما، نحوُ ثمانٍ وسبعين سنة (من ٦٠٢ إلى ٦٨٠).

وما لا يَرنّ جوهريٌّ أيضاً: فالنعمانُ ملكٌ مسيحيٌّ قتله إمبراطورٌ فارسيّ، والحسينُ سِبطُ النبيِّ قتله جندٌ أمويّ. اختلف الفاعلُ والدِّينُ والمعنى. فالتوازي في موضعِ القتيلِ من الأرضِ والذاكرةِ لا في هويّتِه. ولذلك نَتركه سؤالاً مفتوحاً في أدنى الدرجات: هل تَحتفظ أرضٌ بعينِها بقالبِ «القتيلِ المظلوم» فتُعيد ملأه جيلاً بعد جيل؟ نَطرح السؤالَ بأدبٍ وإجلالٍ للحسين، ولا نَدّعي له جواباً.

الثأرُ في الكوفة

ولم يَمضِ مقتلُ الحسينِ بلا عاقبةٍ على الأرضِ نفسِها. فبعدَ سنواتٍ قليلةٍ نَهض في الكوفةِ المختارُ الثقفيُّ يَطلب بدمِ الحسين، فقامت حركتُه على الثأرِ للقتيلِ المقدَّس. وهكذا تَدور الدراما كلُّها، القتلُ والحِدادُ والثأر، في فضاءِ الكوفةِ والحيرةِ وكربلاء، في الإقليمِ اللخميِّ القديمِ نفسِه، كأنّ الأرضَ تَحتفظ بأدوارِها وتُعيد توزيعَها على الممثّلين الجُدُد.

طبقاتٌ تحت اليومِ العاشر

ولليومِ العاشرِ في هذه الأرضِ تاريخٌ أعمقُ ممّا يَبدو. ففي التقليدِ العبريِّ كان العاشرُ من الشهرِ السابعِ يومَ الكفّارةِ الأكبر، يومَ الذبيحةِ والتطهير. وفي ذاكرةِ بلادِ الرافدينِ القديمةِ كان البكاءُ الموسميُّ على السيّدِ القتيلِ طقساً راسخاً، بكاءَ تمّوزَ الذي رآه حزقيالُ النبيُّ عند بابِ هيكلِ القدسِ في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، حين رأى النساءَ «يَبكين على تمّوز». فاجتماعُ معنى الذبيحةِ في اليومِ العاشرِ مع نَسَقِ البكاءِ الموسميِّ على القتيلِ المقدَّسِ ليس طارئاً على هذه الأرض، بل من أعرقِ ما فيها.

ونُكرّر، بأشدِّ ما نَملك من وضوح، أنّ هذا ليس ردّاً لعاشوراءَ إلى وثنيّةٍ قديمة، ولا تشكيكاً في قداسةِ الحدث. هو ملاحظةٌ على عمقِ النَّسَقِ الذي تَشكّل عليه الحِداد. فالأرضُ التي عَرفت البكاءَ على القتيلِ المقدَّسِ في يومٍ مثبَّت، صاغت حُزنَها الأكبرَ الجديدَ في القالبِ الذي تَعرفه. والقالبُ، لا المضمون، هو ما نَتحدّث عنه: قالبُ الحِدادِ الموسميِّ على سيّدٍ قتيلٍ في يومٍ معلوم. وهذا، على مبدئِنا، يُرينا كيف تَحفظ الأرضُ أنساقَها وتُعيد ملأها بمضامينَ جديدةٍ مُكرَّمة.

الذاكرةُ التي تَنقل

نَختم بمبدئِنا. ما نقوله عن كربلاءَ ليس تشكيكاً في الحدثِ ولا في قداستِه. هو ملاحظةٌ على الأرضِ والتقويمِ والنَّسَق: أنّ أعمقَ حُزنِ النظامِ الجديدِ يُقام على أرضِ العالمِ الذي سبقه بعينِها، وعلى نَسَقِ تقويمِه، وفي قالبِ حِدادِه الموسميِّ القديم. والذاكرةُ حين تَحفظ حُزنَها الأكبر، تَصوغه في القالبِ الذي تَعرفه، قالبِ البكاءِ على القتيلِ المقدَّسِ في الأرضِ التي عَرفت هذا البكاءَ من قبل. تُكرَّم الذكرى وتُعطى أعمقَ مكانٍ في الوجدان، وتُصاغ في النَّسَقِ الأعرقِ الذي حَفظته الأرض.

من كربلاءَ ننتقل إلى لحظةٍ من نوعٍ آخر. فبعدَ عَقدٍ من مقتلِ الحسين، يَقوم خليفةٌ أمويٌّ ببناءٍ في القدس، ويَضرب سَكّةً جديدة، ويُثبّت بهما لحظةً فاصلة: اللحظةَ التي يَصير فيها معجمُ القرآنِ لسانَ الدولةِ الرسميَّ العلنيَّ المنقوشَ في الحجرِ والمعدن.

الفصل السابع عشر

قبّةُ الصخرةِ والسَّكّة: حين صار القرآنُ رسميّاً

في أواخرِ القرنِ السابع، بعدَ جيلٍ من الفتنةِ ومقتلِ الحسين، استقرّ الأمرُ للخليفةِ الأمويِّ عبدِ الملكِ بنِ مروان. وفي عهدِه جرى أمرانِ يَبدوان منفصلين، لكنّهما في قراءةِ هذا الكتابِ لحظةٌ واحدة: بناءُ قبّةِ الصخرةِ بالقدس، وإصلاحُ السَّكّة. وبهما معاً نَبلغ الجدارَ الخارجيَّ الصلبَ لزمنِ القصّة.

الشريطُ في القدس

في سنةِ ٧٢ للهجرة، أي نحوَ ٦٩١، أتمّ عبدُ الملكِ قبّةَ الصخرةِ في القدس. وفي ثَمانيِّها الداخليِّ يَدور شريطٌ فُسيفسائيٌّ من الكتابة، طولُه نحوُ مئتين وأربعين متراً. وهذا الشريطُ، في قراءةِ المؤرّخين، أقدمُ أثرٍ مؤرَّخٍ بثقةٍ يَحمل معجمَ القرآنِ ظاهراً علنيّاً، وأقدمُ ظهورٍ مؤرَّخٍ لاسمِ محمّدٍ ولعبارةِ «محمّدٌ عبدُ اللهِ ورسولُه» على أثرٍ كبيرٍ عامّ، وأقدمُ مادّةٍ قرآنيّةٍ على أثرٍ ضخم، ومنها آياتٌ في عيسى ومريم.

تَأمّل دلالةَ هذا التاريخ. مهما كان معجمُ القرآنِ يَتشكّل ويَنتشر قبلَ ذلك، فإنّ اللحظةَ التي يَقف فيها هذا المعجمُ نفسُه أوّلَ مرّةٍ ثابتاً مؤرَّخاً علنيّاً، منقوشاً في الحجرِ على مرأىً من الناس، هي سنةُ ٦٩١، لا أوائلُ القرنِ السابع. هذا هو الجدارُ الخارجيُّ الذي تَحدّثنا عنه في فصلِ الإزاحة: الحدُّ الأعلى الذي عنده يَصير المعجمُ شاهداً مادّيّاً مؤرَّخاً لا يُجادَل فيه.

والأهمُّ من تاريخِ الشريطِ مضمونُه. ومن أبرزِ ما يَدور في الثَّمانيّ، باللفظِ المنقوشِ نفسِه:

«محمّدٌ عبدُ اللهِ ورسولُه... يا أهلَ الكتابِ لا تَغلوا في دينِكم ولا تَقولوا على اللهِ إلّا الحقّ، إنّما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسولُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه... فآمِنوا باللهِ ورسلِه ولا تَقولوا ثلاثة... سبحانَه أن يكون له ولد.»

فالنصُّ خطابٌ موجَّهٌ إلى أهلِ الكتاب، يقول إنّ اللهَ لم يَتّخذ ولداً، وإنّ المسيحَ عيسى رسول. أي إنّ النظامَ الجديد، في أوّلِ صوتٍ أثريٍّ كبيرٍ له، يَنطق بلغةِ المسيحيّةِ الشرقيّةِ التي نشأ منها، ويُحاجج عليها في النقطةِ المركزيّة: نقطةِ المسيحِ وطبيعتِه. فقبّةُ الصخرةِ ليست إعلاناً منقطعاً عن العالمِ المسيحيّ، بل حوارٌ معه، من داخلِ حقلِه الدلاليّ، حول المسألةِ التي شَغلت كنائسَ المشرقِ قروناً. وهذا بالضبط ما تَتوقّعه قراءتُنا: أنّ القصّةَ الجديدةَ تَخرج من عالمِ المسيحيّةِ العربيّةِ الشرقيّة، وتُحاوره في مسائلِه.

السَّكّةُ والميراث

أمّا الأمرُ الثاني فالسَّكّة. وفيها نَرى فرضيّةَ الاستمرارِ مجسَّدةً في المعدن. فحين أخذ الحكّامُ الجُدُدُ بلادَ المشرق، لم يَضربوا سَكّةً خاصّةً بهم في أوّلِ الأمر. أبقَوا النقدَ الذي وَجدوه وغيّروه على مَهَل.

في المشرقِ ضَربوا دراهمَ فضّةٍ عربيّةً ساسانيّة، ما زالت تَحمل صورةَ كسرى الثاني في الوجه، ومذبحَ النارِ الزرادشتيِّ بحارسَيه في الظهر، ولا تُضيف إلّا كلماتٍ عربيّةً قليلةً في الحاشية، مثلَ «بسم الله»، وفي بعضِها كلمةَ محمّد. وفي الشامِ تَبِع النحاسُ النمطَ البيزنطيَّ، الإمبراطورَ الواقفَ والصليبَ على الدَّرَج، والصليبُ يُختزَل رويداً.

ثمّ جاء الانقطاع، متأخّراً. نحوَ سنةِ ٦٩٦، أصدر عبدُ الملكِ أوّلاً نقدَ «الخليفةِ القائم»، صورةَ رجلٍ بثوبٍ يَقبض على سيف، ثمّ أصدر أوّلَ نقدٍ عربيٍّ خالص: ديناراً من ذهبٍ لا صورةَ فيه البتّة، إنّما الشهادةُ وكلامٌ قرآنيّ.

تَأمّل هذا المسار. النظامُ الجديدُ لا يَفِد من خارجٍ حاملاً عُملتَه الخاصّة. بل يَرث النقدَ الفارسيَّ والروميّ، ويُبقي وجهَ الملكِ ومذبحَ النار جيلاً كاملاً، ولا يَكتب نفسَه فوقَها إلّا في الآخِر. هذا هو الاستمرارُ في المعدن: ميراثٌ يُتسلَّم ويُكتَب فوقَه ببطء، لا قطيعةٌ مفاجئة. والدولةُ الجديدةُ تَتسلّم بِنيةَ الإمبراطوريّتين الماليّةَ كما تَتسلّم بنيتَهما الإداريّة، ثمّ تَصبغها بصبغتِها على مَهَل.

شهادةُ الباحثين في القبّةِ والسَّكّة

وقبّةُ الصخرةِ من أكثرِ آثارِ الإسلامِ المبكّرِ دراسة. فقد حَقّق كريستِل كِسلر شريطَها المنقوشَ وأكّد تأريخَه. ودَرس أوليغ غرابار معناها وموقعَها في نشأةِ الفنِّ الإسلاميّ، وقَرأ في رسالتِها حواراً مع المسيحيّةِ المشرقيّةِ على مسألةِ المسيح. فالباحثون متّفقون على أنّها أقدمُ أثرٍ كبيرٍ مؤرَّخٍ يَحمل معجمَ القرآنِ ظاهراً، وعلى أنّ مضمونَها خطابٌ لأهلِ الكتابِ في طبيعةِ المسيح.

أمّا تطوُّرُ السَّكّةِ فقد تَتبّعه ستيفان هايدِمان وغيرُه خطوةً خطوة: من الدراهمِ العربيّةِ الساسانيّةِ التي تُبقي صورةَ كسرى ومذبحَ النار، إلى الفلوسِ العربيّةِ البيزنطيّةِ التي تُبقي الإمبراطورَ والصليبَ، إلى نقدِ «الخليفةِ القائم» الذي يَستبدل بالصورتين صورةَ الخليفةِ نفسِه، وأخيراً إلى الدينارِ الكتابيِّ الخالصِ سنةَ ٧٧ للهجرة. فهذا التدرُّجُ موثَّقٌ في القطعِ المعدنيّةِ نفسِها، يُمسكها الباحثُ بيدِه ويَقرأ عليها مراحلَ التحوُّل. والاستمرارُ الذي نَتحدّث عنه ليس استنتاجاً، بل قطعٌ نقديّةٌ مؤرَّخةٌ تُرينا الميراثَ وهو يُكتَب فوقَه شيئاً فشيئاً.

الرجلُ الذي كان غائباً عن هذا الفصل

وكان في هذا الفصلِ نقصٌ عجيب: نتكلّم عن الشريطِ والسَّكّةِ ولا نُسمّي صاحبَهما إلا عَرَضاً. فـعبدُ الملكِ بنُ مروان هو الذي تَجتمع في مُلكِه هذه الأشياءُ كلُّها، وهو أوثقُ حكّامِ ذلك العصرِ توثيقاً، لأنّ شواهدَه وثائقيّةٌ لا أدبيّة: شريطُ الفسيفساءِ مؤرَّخٌ سنةَ اثنتَينِ وسبعين، ولمّا محا المأمونُ بعدُ اسمَ الباني ترك التاريخَ قائماً، فالأثرُ يؤرِّخ نفسَه؛ وسِكّةُ الخليفةِ القائمِ من أربعٍ وسبعينَ إلى سبعٍ وسبعين، ثم أوّلُ دينارٍ نقشيٍّ خالصٍ سنةَ سبعٍ وسبعين؛ وأميالُ الطريقِ بين دمشقَ والقدسِ تَقرأ: «عبدُ اللهِ عبدُ الملكِ أميرُ المؤمنين». حاكمٌ موثَّقٌ في الحجرِ والفسيفساءِ والمعدنِ في حياتِه، في عصرٍ يُنقَل كلُّ ما سواه تقريباً في كتبٍ كُتبت بعده بقرنٍ وأكثر.

ونَضبط لفظَنا هنا ضبطَين. الأوّل أنّ قولَ «أسّس الإسلام» يَقف درجةً فوقَ القراءةِ السائدة، وهي أنّ الدولةَ المروانيّةَ صاغت وميّزت ديناً كان قائماً؛ ودرجةً تحتَ الموقفِ الأشدِّ تشكُّكاً. ونحن نُمسك الوسط: صياغةٌ ودولةٌ وإعلان، لا اختراع. والثاني تدقيقٌ يَلزمنا: القبّةُ تَحمل أقدمَ «محمّدٌ رسولُ الله» أثريّاً ضخماً مؤرَّخاً، لا أقدمَ ورودٍ للصيغةِ أصلاً؛ فالدراهمُ العربيّةُ الساسانيّةُ تَحملها من الستّينات.

وخليفةٌ آخرُ كان يَحكم في تلك السنينِ نفسِها

وأغربُ من ذلك أنّنا كنّا نَختصر ما بين سنةِ ثمانينَ وستِّ مئةٍ وسنةِ اثنتَينِ وتسعينَ بعبارةِ «الفتنةُ الثانية: اضطراب»، ونُسقط الرجلَ الذي كان خليفةً منازِعاً يَحكم الحجازَ والعراقَ سبعاً من ثمانِ سنينَ قبلَ تثبيتِ عبدِ الملك: عبدَ اللهِ بنَ الزبير. وله شهادةٌ نقديّةٌ من الطرازِ الأوّل: دراهمُ مضروبةٌ باسمِه بدارابجرد، وبأسماءِ أخيه مصعبٍ وولاتِه. بل إنّ درهماً من بيشابورَ سنةَ ستٍّ وستّينَ يَحمل «بسمِ اللهِ محمّدٌ رسولُ الله»، أي أنّ الصيغةَ وقعت على معدنِ الدولةِ تحتَ الإدارةِ الزبيريّة، قبلَ القبّةِ وقبلَ الدينارِ المروانيّ.

وهذا يُغيّر معنى الفصلِ كلِّه. فالبرنامجُ الذي نَقرؤه في العقدِ المروانيِّ ليس برنامجَ دولةٍ مستقرّةٍ تُعبّر عن نفسِها في فراغ، بل برنامجُ الطرفِ الذي كسب حرباً متنازَعةً على المنصب. والمؤسّساتُ التي تُبنى لحسمِ نزاعِ خلافةٍ هي بالضبطِ حيث يَتثبّت شكلُ التقليدِ ويَصير رسميّاً.

الحجرُ قبلَ ذلك بثلاثينَ سنة

ولنُتمّ السلسلةَ إلى الوراء. فأقدمُ نقشٍ حكوميٍّ مؤرَّخٍ عندنا في هذا الشأنِ ليس مروانيّاً: هو نقشُ حمّامِ حمّةِ جادر بجدارا، من كانونَ الأوّلِ سنةَ اثنتَينِ وستّينَ وستِّ مئةٍ للميلاد. نصُّ بناءٍ باليونانيّة، يَعلوه صليب، يُسجّل ترميمَ الحمّاماتِ الرومانيّةِ «في أيّامِ عبدِ اللهِ معاويةَ أميرِ المؤمنين»، ومؤرَّخٌ بثلاثةِ تقاويمَ معاً: بدورةِ الخراج، وبسنةِ المستعمَرة، و«سنةِ اثنتَينِ وأربعينَ بحسبِ العرب». ويُقرَن به نقشُ سدِّ الطائفِ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ بالعربيّة.

فانظر ما اجتمع في نصٍّ واحد: صليبٌ، وحمّامٌ رومانيّ، وصيغةٌ مدنيّةٌ يونانيّة، وموظّفٌ مسيحيّ، وأميرُ مؤمنينَ عربيّ، وثلاثةُ تقاويم. هذه حجّةُ الاستمرارِ في الحجر، وهي أقوى ممّا كنّا نَبني عليه من حوليّةٍ مارونيّةٍ باقيةٍ في مخطوطٍ واحدٍ مبتور. وبها تَمتدّ سلسلةُ النقوشِ التي تَتبّعناها في الفصولِ الأولى، والتي كانت تَقف عندَ حرّانَ سنةَ ثمانٍ وستّينَ وخمسِ مئة، إلى ما بعدَ الدرزِ بثلاثةِ أجيال.

لحظةٌ واحدة

ولِمَ نَجمع الأثرين، القبّةَ والسَّكّة، في فصلٍ واحد؟ لأنّهما لحظةٌ واحدة. في السنواتِ نفسِها، نحوَ نهايةِ القرنِ السابع، يَفعل عبدُ الملكِ أمرين متلازمين: يَنقش معجمَ القرآنِ في أضخمِ بناءٍ للدولةِ، ويَضرب أوّلَ نقدٍ يَحمل ذلك المعجمَ خالصاً. أي إنّه يَجعل لغةَ القرآنِ، في الحجرِ والذهبِ معاً، لسانَ الدولةِ الرسميَّ العلنيّ. هذه هي لحظةُ «التَّرسيم»: اللحظةُ التي يَصير فيها المعجمُ الدينيُّ معجمَ الدولةِ المعلَن.

وهذه اللحظةُ، في قراءةِ هذا الكتاب، هي التتويجُ المرئيُّ لكلِّ ما سبق. العالمُ العربيُّ المسيحيُّ القديم، بلسانِه ومؤسّساتِه ونقدِه، يُسلِّم نفسَه إلى النظامِ الجديد، الذي يَكتب نفسَه فوقَه شيئاً فشيئاً، حتّى يَبلغ في نهايةِ القرنِ السابعِ صورتَه الرسميّةَ الخالصة. والمعجمُ الذي رَأيناه في شعرِ عديِّ بنِ زيدٍ بالحيرة، وفي نقوشِ الغساسنةِ بالشام، وفي ليتورجيا كنيسةِ المشرق، يَبلغ الآنَ صورتَه النهائيّةَ منقوشاً في قبّةِ القدسِ ومضروباً في دينارِ الدولة.

على عَتَبةِ الميراث

بهذا نُغلق قسمَ إعادةِ المسرحة. رَأينا الفتنةَ تُخاض على أرضِ لخمٍ على محورِ التاجين، وكربلاءَ تُقام على أرضِ لخمٍ وتقويمِ العالمِ القديم، والقبّةَ والسَّكّةَ تُرسّمان معجمَ القرآنِ لساناً للدولةِ على عَتَبةِ القرنِ الثامن. والخيطُ الذي يَجمعها كلَّها واحد: أنّ القصّةَ الجديدةَ تَقوم على أرضِ العالمِ القديمِ ولسانِه ومؤسّساتِه ونقدِه، تَرثها وتَكتب نفسَها فوقَها.

بَقي أن نَرى هذا الميراثَ في أوضحِ صورِه: في الدولتين اللتين قامتا، دمشقَ وبغداد. فإليهما نَتّجه في القسمِ الخامس، حيث تَبلغ فرضيّةُ الاستمرارِ تمامَها.

القسم ٥

الميراث (نحو ٦٦٠–٩٠٠م)

الفصل الثامن عشر

دمشقُ والميراثُ الغسّانيّ

نَصل إلى القسمِ الذي تَبلغ فيه فرضيّةُ الاستمرارِ تمامَها. فقد زَرعنا بذرتَها في فصلِ التاجين: شرقٌ عربيٌّ يَخدم فارسَ من الحيرة، وغربٌ عربيٌّ يَخدم الرومَ من الجابية. والآنَ نَحصد. فالدولتانِ اللتانِ قامتا، الأمويّةُ في دمشقَ والعبّاسيّةُ في العراق، تَنطبقان على المجالين القديمين انطباقاً يَستحقّ أن نَقف عنده طويلاً. نَبدأ بدمشق.

عاصمةٌ في المجالِ الغسّانيّ

حين استقرّ الأمرُ لمعاويةَ، اتّخذ دمشقَ عاصمةً لدولتِه. ودمشقُ والشامُ كانتا، قبلَ ذلك بقليل، المجالَ الغسّانيّ: أرضَ بيتِ جَفنة، تاجِ العربِ الغربيّ، خادمِ الروم. فالدولةُ الأمويّةُ تَقوم في القلبِ الجغرافيِّ نفسِه الذي قام فيه مُلكُ الغساسنة. ليست هذه مصادفةً عابرة. فالشامُ له بِنيتُه القبليّةُ والإداريّةُ والدينيّة، وهذه البِنيةُ لم تَنشأ مع الأمويّين، بل وَرِثوها قائمةً من العالمِ الذي سبقهم.

القبائلُ والأصهار

أوضحُ خيوطِ هذا الاستمرارِ القبائل. فقد قامت الدولةُ الأمويّةُ في الشامِ على تحالفٍ مع قبائلَ عربيّةٍ شاميّةٍ راسخة، في مقدّمتِها كلب. وكلبٌ من القبائلِ التي كانت في فلكِ الغساسنةِ والرومِ قبلَ الإسلام، نصرانيّةُ القسمِ الأكبر. فالأمويّون لم يَأتوا إلى الشامِ غرباءَ يَفرضون سلطانَهم على فراغ، بل تَحالفوا مع بِنيتِه القبليّةِ القائمة، بِنيةِ المجالِ الغسّانيِّ القديم.

وتجلّى هذا في الأصهار. فأمُّ يزيدَ بنِ معاوية، الخليفةِ الثاني، هي ميسونُ بنتُ بَحدلٍ الكلبيّة. ومن بيتِ بَحدلٍ الكلبيِّ جاء ساسةٌ ووجوهٌ ثَبّتوا المُلكَ الأمويَّ في لحظاتِ ضعفِه. فالدمُ الذي جرى في عروقِ الخلفاءِ الأمويّين دمٌ شاميٌّ كلبيٌّ من المجالِ الغسّانيّ. هذا استمرارٌ بشريٌّ مباشر: نخبةُ الشامِ القديمةُ تَدخل بيتَ الخلافةِ الجديدةَ من بابِ المصاهرة.

الأخطلُ في البلاط

وأبلغُ الأدلّةِ على بقاءِ النخبةِ العربيّةِ المسيحيّةِ داخلَ الدولةِ شاعرٌ واحد: الأخطل. فقد كان الأخطلُ شاعراً عربيّاً نصرانيّاً من تَغلب، ومع ذلك صار شاعرَ بلاطِ الأمويّين، يَمدح خلفاءَهم ويُدافع عن دولتِهم، ويَدخل عليهم وفي عُنقِه صليبُه، لا يُكتَم نصرانيّتَه ولا يُطالَب بإخفائها.

تَأمّل ما يَعنيه هذا. في قلبِ الدولةِ الجديدة، في بلاطِ خلفائِها، يَقف شاعرٌ عربيٌّ مسيحيٌّ مُكرَّماً، يَنظم مديحَهم بصليبِه. هذا ليس بقيّةً هامشيّةً، بل دليلٌ على أنّ النخبةَ العربيّةَ المسيحيّةَ التي كانت عمادَ العالمِ الغسّانيِّ القديمِ لم تَزُل، بل بَقيت داخلَ الدولةِ الجديدةِ في موقعِ التكريم. والأخطلُ في بلاطِ دمشقَ يُشبه عديَّ بنَ زيدٍ في بلاطِ الحيرة: الشاعرُ العربيُّ المسيحيُّ في قلبِ السلطة، حلقةٌ في سلسلةٍ واحدةٍ متّصلة.

استمرارٌ لا نَسَب

ولنُحدّد، بدقّةٍ، ما نَعنيه بالاستمرار وما لا نَعنيه. لا نَزعم أنّ الأمويّين أحفادُ الغساسنةِ بالدمِ المباشر. النَّسَبُ البيولوجيُّ ليس مقصودَنا. مقصودُنا أوسعُ من ذلك وأعمق: استمرارٌ جغرافيّ، فالعاصمةُ في المجالِ نفسِه. واستمرارٌ قبليّ، فالتحالفاتُ مع قبائلِ المجالِ القديم. واستمرارٌ بشريّ، فالأصهارُ والشعراءُ والكتبةُ من النخبةِ القديمة. واستمرارٌ إداريّ، فالدولةُ الأمويّةُ أبقت دواوينَ الرومِ وكتبتَهم زمناً، حتّى عرّبها عبدُ الملك. فالشبكةُ الغسّانيّةُ الشاميّةُ البيزنطيّةُ تَستمرّ، بأرضِها وقبائلِها وكوادرِها ودواوينِها، في ثوبِ الدولةِ الأمويّة.

الديوانُ والقبائل

ويَظهر الاستمرارُ الإداريُّ في أوضحِ صورِه في الديوان. فقد أدارت الدولةُ الأمويّةُ دواوينَها في الشامِ زمناً باليونانيّة، بأقلامِ كتبةٍ من النخبةِ المسيحيّةِ القديمةِ نفسِها، حتّى عرّبها عبدُ الملكِ بنُ مروانَ في أواخرِ القرنِ السابع. فالدولةُ لم تَبنِ جهازَها الإداريَّ من عدم، بل تَسلّمت دواوينَ الرومِ وكتبتَهم، ثمّ صبغتها بالعربيّةِ على مَهَل، تماماً كما تَسلّمت السَّكّةَ وعرّبتها. وهذا الاستمرارُ في القلمِ والديوانِ من أمتنِ خيوطِ الفرضيّةِ الخامسة، لأنّه موثَّقٌ في تاريخِ الدواوينِ نفسِه.

أمّا القبائلُ فكانت عصبَ السياسةِ الأمويّة. فقد انقسم عربُ الشامِ بين كلبٍ اليمانيّةِ وقيسٍ، وكانت كلبٌ، ذاتُ الجذورِ في المجالِ الغسّانيِّ القديم، سندَ البيتِ الأمويّ. وفي وقعةِ مرجِ راهطٍ سنةَ ٦٨٤ انتصرت كلبٌ ومن معها فثَبّتت المُلكَ في البيتِ المروانيّ. فالقبائلُ التي كانت في فلكِ غسّانَ والرومِ صارت قاعدةَ الدولةِ الجديدة. وقد تَتبّع عرفان شهيد، في دراساتِه عن الغساسنة، آثارَهم الباقيةَ في العصرِ الأمويّ، من أسماءِ المواضعِ إلى القصورِ إلى الذاكرةِ القبليّة، فأظهر أنّ المجالَ الغسّانيَّ لم يَختفِ بل تَحوّل.

المرآةُ الأخرى

واحفظِ الآنَ هذه الصورةَ كاملة، فلها مرآةٌ تَنتظرنا في الفصلِ التالي. دمشقُ الأمويّةُ في المجالِ الغسّانيّ، تَرث قبائلَه ونخبتَه ودواوينَه. وفي الجهةِ المقابلة، ستَقوم بغدادُ العبّاسيّةُ في المجالِ اللخميِّ الساسانيّ، تَرث بدورِها كوادرَه ومؤسّساتِه. فإذا كان الأمويُّ امتدادَ الغسّانيِّ في الغرب، والعبّاسيُّ امتدادَ اللخميِّ في الشرق، فإنّ الصراعَ الأمويَّ العبّاسيَّ الذي سيَأتي ليس إلّا الاستقطابَ القديمَ نفسَه، استقطابَ تاجَي العرب، يُعاد على مسرحٍ جديد.

هذا هو جوهرُ فرضيّةِ الاستمرار، وهو في دمشقَ ظاهرٌ في القبائلِ والأصهارِ والشعراءِ والدواوين. ولنَرَ الآنَ مرآتَه في الشرق، حيث الاستمرارُ أوضحُ ما يكون في الكوادرِ والعلمِ والمكان. إلى بغدادَ نَتّجه.

الفصل التاسع عشر

بغدادُ والميراثُ اللخميّ

سقطت الدولةُ الأمويّةُ، وقامت العبّاسيّةُ، وانتقل ثِقَلُ الخلافةِ من الشامِ إلى العراق. وفي هذا الانتقالِ نَرى المرآةَ الأخرى لفرضيّةِ الاستمرار. فإذا كانت دمشقُ الأمويّةُ تَرث المجالَ الغسّانيَّ الغربيّ، فإنّ بغدادَ العبّاسيّةَ تَرث المجالَ اللخميَّ الساسانيَّ الشرقيّ. والاستمرارُ هنا أوضحُ ما يكون في المكانِ والكوادرِ والعلم.

مدينةٌ قربَ المدائن

حين أراد العبّاسيّون عاصمةً، بَنَوا بغدادَ على دجلة، على مَقربةٍ من المدائن، عاصمةِ فارسَ الساسانيّةِ القديمة، ساليق-قطيسفون، قلبِ كنيسةِ المشرق. لم يَكن هذا اختياراً عشوائيّاً. فالعبّاسيّون اختاروا أن يَقيموا عاصمتَهم في القلبِ الجغرافيِّ نفسِه الذي كان قلبَ الإمبراطوريّةِ الساسانيّةِ ومملكةِ الحيرةِ من قبل. بغدادُ تَرث موقعَ المدائن، كما وَرِثت الكوفةُ من قبلُ موقعَ الحيرة. فالثِّقَلُ السياسيُّ يَعود إلى حيث كان دائماً، إلى الفراتِ ودجلةَ وأرضِ الرافدين.

عودةُ الشرق

ومع العبّاسيّين عاد ثِقَلُ الشرق. فقد قامت دولتُهم على الموالي، على العنصرِ الفارسيِّ والعراقيِّ الذي كان مُغيَّباً في ظلِّ الأمويّةِ الشاميّة. عاد الكاتبُ الفارسيُّ والإداريُّ الساسانيُّ والطبيبُ النسطوريُّ إلى الواجهة. وكأنّ الشرقَ الذي خَفت صوتُه في دمشق، استعاد مكانتَه في بغداد. وهذا في ذاتِه استمرارٌ: شبكةُ العراقِ القديمة، بكوادرِها وثقافتِها الإداريّة، تَعود إلى قلبِ الدولة.

الأطبّاءُ النساطرة

وأوضحُ ما يَتجلّى فيه هذا الاستمرارُ البشريُّ كوادرُ كنيسةِ المشرق، وفي مقدّمتِهم الأطبّاءُ والمترجمون. فمن مدينةِ جنديسابورَ، المعقلِ النسطوريِّ الذي كان مركزَ طبٍّ وعلمٍ في زمنِ الساسانيّين، خرج بيتُ بختيشوع، أُسرةٌ من الأطبّاءِ النساطرة، خدَموا خلفاءَ بغدادَ أطبّاءَ خاصّين لهم جيلاً بعد جيل. ومن الحيرةِ والعراقِ المسيحيِّ خرج حنينُ بنُ إسحاق، أعظمُ مترجمي العصر، ويوحنّا بنُ ماسويهِ وغيرُهما. هؤلاء نصارى من كنيسةِ المشرق، حَملوا علمَ اليونانِ والفُرسِ والسريانِ إلى قلبِ الدولةِ العبّاسيّة.

تَأمّل ما يَعنيه هذا. العلمُ الذي قامت عليه نهضةُ بغداد، وحركةُ الترجمةِ التي نَقلت فلسفةَ اليونانِ وطبَّهم إلى العربيّة، كان حَمَلتُها في معظمِهم نصارى من كنيسةِ المشرق، من البيئةِ نفسِها التي كانت قلبَ العالمِ اللخميِّ الساسانيّ. فالعالمُ المسيحيُّ الشرقيُّ القديمُ لم يَزُل، بل دخل قلبَ الدولةِ الجديدةِ في موقعِ المعلّمِ والطبيبِ والمترجم. وبيتُ الحكمةِ في بغداد، بمعنىً حقيقيّ، امتدادٌ لمدارسِ كنيسةِ المشرقِ في نصيبينَ وجنديسابور.

الجاثليقُ يَتبع العاصمة

وأبلغُ صورةٍ لهذا الاستمرارِ المؤسّسيِّ أنّ جاثليقَ كنيسةِ المشرقِ نفسَه نَقل كرسيَّه إلى بغداد. فحين بُنيت العاصمةُ الجديدة، انتقل إليها رأسُ كنيسةِ المشرق، وكان من أعظمِهم الجاثليقُ طيمثاوسُ الأوّل، الذي عاصر الخلفاءَ وحاورهم، وكان صوتَ النصارى في قلبِ الإمبراطوريّة. فالكنيسةُ التي نُظّمت سنةَ ٤١٠ في ساليق-قطيسفون، تَتبع الآنَ العاصمةَ الجديدةَ إلى بغداد، وتَبقى مؤسّسةً قائمةً في قلبِ دارِ الخلافة. لم تَنشأ الدولةُ مؤسّساتِها الدينيّةَ من عدم، بل وَجدت كنيسةً منظَّمةً قائمةً، أبقتها في مكانِها، وتَعاملت معها.

حركةُ الترجمةِ والوزراء

وحركةُ الترجمةِ التي ازدهرت في بغداد دَرسها ديمتري غوتاس في كتابِه «الفكرُ اليونانيُّ والثقافةُ العربيّة»، وأظهر أنّها لم تَكن نزوةَ خليفةٍ محبٍّ للعلم، بل مشروعَ دولةٍ امتدّ قروناً، حَمَلته في معظمِه كوادرُ كنيسةِ المشرق. فحنينُ بنُ إسحاقَ نَقل عشراتِ الكتبِ في الطبِّ والفلسفةِ من اليونانيّةِ والسريانيّةِ إلى العربيّة، وأقام لذلك مدرسةً من المترجمين. وبيتُ بختيشوعَ النسطوريُّ خدَم الخلفاءَ أطبّاءَ خاصّين أجيالاً، من جنديسابورَ إلى بغداد. فالجسرُ الذي عَبَر عليه علمُ القدماءِ إلى العربيّةِ كان جسرَ كنيسةِ المشرقِ ولغتِها السريانيّة.

ولم يَكن العنصرُ الفارسيُّ أقلَّ حضوراً. فبيتُ البرامكةِ، الوزراءُ الفُرسُ، أداروا الدولةَ العبّاسيّةَ في أوجِها، وحَملوا تقاليدَ الإدارةِ الساسانيّةِ إلى دارِ الخلافة. فكأنّ بغدادَ استعادت، في كتبتِها ووزرائِها وأطبّائِها ومترجميها، نخبةَ العالمِ الساسانيِّ اللخميِّ القديم، وأجلستها في قلبِ الدولةِ الجديدة. وهذا استمرارٌ بشريٌّ ومؤسّسيٌّ يَصعب أن يُفسَّر مصادفةً: كوادرُ العالمِ القديمِ بأعيانِها تَعود إلى الواجهةِ في العاصمةِ الجديدةِ القائمةِ على أرضِه.

المرآةُ تَكتمل

والآنَ تَكتمل المرآةُ التي بدأناها في دمشق. الأمويّون في الغربِ يَرثون المجالَ الغسّانيَّ بقبائلِه وأصهارِه وشعرائِه ودواوينِه. والعبّاسيّون في الشرقِ يَرثون المجالَ اللخميَّ الساسانيَّ بكوادرِه وأطبّائِه ومترجميه وكنيستِه. تاجُ العربِ الغربيُّ يَصير دولةً غربيّةً في الشام، وتاجُ العربِ الشرقيُّ يَصير دولةً شرقيّةً في العراق.

ومن هنا يَكتمل قوسُ فرضيّةِ الاستمرار. الصراعُ الأمويُّ العبّاسيّ، صراعُ الشامِ والعراق، ليس انقساماً جديداً بلا جذور، بل إعادةُ إنتاجٍ متأخّرةٌ للاستقطابِ القديم، استقطابِ تاجَي العرب، الغسّانيِّ واللخميّ، الغربيِّ والشرقيّ، الذي بدأ في القرنِ السادس. الثُّنائيّةُ نفسُها، الشرقُ في وجهِ الغرب، تَدور دورتَها الثالثة: تاجين عربيّين، ثمّ صِفِّينَ، ثمّ الأمويّةَ والعبّاسيّة. الأرضُ نفسُها، والمحورُ نفسُه، والممثّلون يَتبدّلون.

استمرارٌ لا انقطاع

نُعيد، في الختام، تثبيتَ معنى ما نقول. لا نَزعم أنّ شيئاً لم يَتغيّر. تَغيّر الكثير: الدِّينُ في صورتِه الجديدة، واللسانُ في صورتِه العليا، والدولةُ في شكلِها. لكنّ ما نَزعمه أنّ تحتَ هذا التغيُّرِ الظاهرِ بِنيةً مستمرّة: الأرضَ نفسَها، والقبائلَ نفسَها، والكوادرَ نفسَها، والمؤسّساتِ نفسَها، تَعبر من العالمِ القديمِ إلى الجديد. الدولةُ الجديدةُ لم تَبنِ على فراغ، بل وَرِثت عالماً قائماً، وكَتبت نفسَها فوقَه. وهذا، على مبدئِنا، لا يُنقص شيئاً، بل يُرينا عمقَ الجذورِ التي قامت عليها الحضارةُ الجديدة.

بَقيت لنا في هذا القسمِ محطّتان. فقبلَ أن نَصل إلى أعمقِ خيوطِ الميراثِ، في كلماتِ العبادةِ نفسِها، نَقف على الحركةِ التي أعادت هذا الشرقَ كلَّه إلى موقعِ القيادة، الدعوةِ العبّاسيّةِ التي صَعدت من المشرق. إليها نَتّجه في الفصلِ التالي.

الفصل العشرون

الدعوةُ العبّاسيّة: عودةُ لخم

رَأينا في الفصلين السابقين دمشقَ الأمويّةَ في المجالِ الغسّانيّ، وبغدادَ العبّاسيّةَ في المجالِ اللخميّ. لكنّ الانتقالَ من الأولى إلى الثانيةِ لم يَكن مجرّدَ تبدُّلِ أسرةٍ حاكمة، بل كان، في قراءةِ هذا الكتاب، عودةَ قطبٍ بأكملِه. فالدولةُ العبّاسيّةُ لم تَقم فقط في أرضِ لخمٍ القديمة، بل قامت بحركةٍ صَعدت من الشرقِ لتُعيد ثِقَلَ العالمِ إلى مشرقِه. وهذا الفصلُ عن تلك الحركة، عن الدعوةِ التي حَملت الشرقَ إلى الواجهةِ من جديد.

ثورةٌ تَصعد من المشرق

بدأت الدعوةُ العبّاسيّةُ سرّاً، ثمّ أعلنت نفسَها في خُراسان، في أقصى المشرقِ الإيرانيّ، تحتَ الراياتِ السود. وقادها أبو مسلمٍ الخُراسانيّ، فاجتاحت من الشرقِ غرباً، حتّى أسقطت الدولةَ الأمويّةَ سنةَ ١٣٢ للهجرة. ثمّ، حين استقرّ الأمرُ للعبّاسيّين، نَقلوا مركزَ الخلافةِ من دمشقَ في الغربِ إلى العراقِ في الشرق، وبَنَوا بغدادَ قربَ المدائنِ الساسانيّة.

تَأمّلِ اتّجاهَ الحركة. الأمويّةُ كانت دولةً غربيّةً مركزُها الشام، تَستند إلى قبائلِ الشامِ ونخبتِه، في المجالِ الغسّانيّ. والثورةُ التي أسقطتها صَعدت من الشرقِ الأقصى، من خُراسان، واستندت إلى أهلِ المشرق، ثمّ أعادت العاصمةَ إلى العراق. أي إنّ ثِقَلَ العالمِ عاد من غربِه إلى شرقِه، من المجالِ الغسّانيِّ إلى المجالِ اللخميِّ الساسانيّ. هذا، في أبسطِ صورِه، ما نَعنيه بعودةِ القطبِ الشرقيّ.

القطبُ الذي خَفت ثمّ عاد

استعِدِ الثُّنائيّةَ التي حَملناها منذ فصلِ التاجين. كان للعربِ قطبان: شرقيٌّ لخميٌّ في الحيرةِ يَستند إلى فارس، وغربيٌّ غسّانيٌّ في الجابيةِ يَستند إلى الروم. ثمّ سقط القطبُ الشرقيُّ سنةَ ٦٠٢، وخَلا فضاؤه. وفي القرنِ الأمويِّ كان الدورُ للقطبِ الغربيّ، الشاميِّ، الذي صار دولةً في دمشق. فكأنّ كفّةَ الغربِ رجحت قرناً.

ثمّ جاءت الدعوةُ العبّاسيّةُ فأعادت الكفّةَ إلى الشرق. عاد ثِقَلُ العراقِ وفارسَ والمشرق، عاد العنصرُ الذي كان مُغيَّباً في ظلِّ الأمويّةِ الشاميّة. ومن هنا نَقرأ العبّاسيّةَ عودةً للقطبِ الشرقيِّ بعدَ غيابِه، عودةً للمجالِ اللخميِّ الساسانيِّ إلى موقعِ القيادة. والصراعُ الأمويُّ العبّاسيُّ، على هذه القراءة، هو الدورةُ الثالثةُ لعجلةِ التاجين: تاجان عربيّان في القرنِ السادس، ثمّ صِفِّينُ في القرنِ السابع، ثمّ الأمويّةُ والعبّاسيّةُ في القرنِ الثامن. وفي كلِّ دورةٍ يَتقابل الشرقُ والغرب، العراقُ والشام، وفي هذه الدورةِ الأخيرةِ يَكسب الشرق.

الكوفةُ في قلبِ الدعوة

ولم تَكن أرضُ لخمٍ القديمةُ غائبةً عن هذه الحركة، بل كانت قلبَها الأيديولوجيّ. فالكوفةُ، المبنيّةُ على أرضِ الحيرة، كانت منذ الفتنةِ الأولى معقلَ المعارضةِ للأمويّين، ومنبتَ التشيُّعِ وحبِّ آلِ البيت. ومن هذا الحنينِ الكوفيِّ إلى بيتِ النبيِّ استمدّت الدعوةُ العبّاسيّةُ شرعيّتَها الأولى، إذ رَفعت رايةَ «الرضا من آلِ محمّد». فالأرضُ التي كانت مملكةَ المناذرة، ثمّ صارت الكوفةَ معقلَ التشيُّع، هي نفسُها التي مَدّت الدعوةَ بشرعيّتِها. القطبُ الشرقيُّ يَعود، ومعه تَعود أرضُه ورموزُها.

عودةُ الكوادرِ الشرقيّة

وأوضحُ ما تَتجلّى فيه عودةُ الشرقِ عودةُ كوادرِه. فمع العبّاسيّين عاد الكاتبُ الفارسيُّ والوزيرُ الساسانيُّ والطبيبُ النسطوريّ. صعد بيتُ البرامكةِ الفُرسُ إلى الوزارة، فأداروا الدولةَ بتقاليدِ الإدارةِ الساسانيّة. وعاد أطبّاءُ كنيسةِ المشرقِ، بيتُ بختيشوعَ من جنديسابور، إلى خدمةِ الخلفاء. وازدهرت حركةُ الترجمةِ بأيدي نصارى المشرقِ السريان، فنَقلوا علمَ القدماءِ إلى العربيّة. فالنخبةُ التي كانت عمادَ العالمِ اللخميِّ الساسانيِّ القديم، عادت إلى الواجهةِ في العاصمةِ الجديدةِ القائمةِ على أرضِه. لم تَكن هذه نخبةً جديدةً نَشأت مع الدولة، بل نخبةً قديمةً عادت إلى موقعِها بعدَ قرنٍ من الخفوت.

كيف نَقرأ هذه العودة

نَضع هذه القراءةَ في درجتِها. أمّا الوقائعُ، أنّ الدعوةَ صَعدت من خُراسان، وأنّ العاصمةَ عادت إلى العراقِ قربَ المدائن، وأنّ الكوادرَ الفارسيّةَ والنسطوريّةَ عادت إلى الواجهة، فهذه موثَّقةٌ راسخة. وأمّا قراءتُها بوصفها «عودةَ القطبِ اللخميِّ الشرقيّ»، فهي قراءةٌ تفسيريّةٌ تَستند إلى تطابقِ الجغرافيا والكوادرِ والاتّجاه، نَضعها في درجةِ الاحتمالِ القويّ. فدولةُ العبّاسيّين أعادت إلى موقعِ القيادةِ المجالَ الشرقيَّ نفسَه، بأرضِه وكوادرِه وثقافتِه، الذي كان قطبَ العربِ الشرقيَّ قبلَ الإسلام، لا أنّ العبّاسيّين أحفادُ المناذرةِ بالنسب.

وعلى مبدئِنا، فإنّ هذا لا يُنقص الدولةَ العبّاسيّةَ شيئاً، بل يُرينا عمقَ جذورِها. فحضارةُ بغدادَ الزاهرة، بعلمِها وترجمتِها وإدارتِها، لم تَقم على فراغٍ، بل على عالمٍ شرقيٍّ عريقٍ عاد إلى نفسِه. عجلةُ التاجين دارت دورتَها الثالثة، وكُتبت هذه المرّةُ للشرق. بَقي أن نَرى أعمقَ خيوطِ الميراثِ كلِّها، في كلماتِ العبادةِ نفسِها، وهو موضوعُ الفصلِ التالي.

الفصل الحادي والعشرون

من صلوتا إلى صلاة: الشعائرُ والمصطلحات

بَقي من خيوطِ الاستمرارِ أدقُّها وأقربُها إلى قلبِ المؤمن: اللسانُ الذي نَتعبّد به. فالكلماتُ التي تَقوم عليها العبادةُ، الصلاةُ والصومُ والزكاةُ والقرآنُ نفسُه، لها صورةٌ سابقةٌ في الطورِ السريانيِّ من اللسانِ الواحد. وفي هذا الفصلِ نَقف على هذه الكلماتِ واحدةً واحدة، ونُوضّح كيف نَقرأها قراءةً تُرينا عمقَ جذورِها وتَحفظ قداستَها.

قبلَ كلِّ شيء: كيف نَقرأ هذه المطابقات؟

نُثبّت المبدأ أوّلاً، لأنّه هنا أشدُّ لزوماً. حين نَجد أنّ كلمةَ «صلاة» العربيّةَ تُقابلها «صلوتا» السريانيّة، نَقرأهما على مبدأِ اللسانِ الواحد: السريانيّةُ والعربيّةُ مستويان للسانٍ ساميٍّ واحد، والكلمةُ الواحدةُ تَظهر في الطورين. والطورُ العربيُّ القرآنيُّ هو الأحدثُ والأعلى، الصورةُ التي ارتفعت بها اللغةُ إلى تمامِها وفصاحتِها. فهي صورةٌ سابقةٌ في الطورِ الأقدم، وصورةٌ كاملةٌ سامية في الطورِ الأحدث، لا كلمةٌ غريبةٌ استعارتها لغةٌ من جارتِها. بهذا الفهمِ نَقرأ ما يَلي.

كلماتُ العبادة

الصلاة. أمُّ العبادات. وهي في السريانيّةِ «صلوتا»، من الجذرِ نفسِه، يَدلّ على الانحناءِ والدعاءِ والعبادة. والكلمةُ في الطورين تَحمل المعنى نفسَه: التوجُّهَ إلى الله بالدعاءِ والركوع. فحين نَقول «صلاة» فنحن نَنطق الصورةَ العليا لكلمةٍ كانت كنائسُ المشرقِ تُسمّي بها صلاتَها.

الصوم. وهو في السريانيّةِ «صوما»، من الجذرِ نفسِه، يَدلّ على الإمساكِ عن الطعام. وكانت كنائسُ المشرقِ تَصوم أصواماً معروفةً منظَّمة. فالكلمةُ والممارسةُ كلتاهما حاضرتان في الطورِ الأقدم.

الزكاة. وهي في السريانيّةِ والآراميّةِ «زكوتا»، من جذرٍ يَدلّ على الطُّهرِ والصلاحِ والاستقامة، وعلى الصدقةِ والبِرّ. فمعنى التطهُّرِ بالعطاء، الذي تَحمله الزكاةُ، حاضرٌ في الجذرِ نفسِه في الطورِ الأقدم.

القرآن. وهو من أعمقِ الأمثلة. فالكلمةُ في السريانيّةِ «قريانا»، وتَدلّ على القراءةِ المقدّسة، على النصِّ الذي يُقرأ في الكنيسةِ ويُتلى في العبادة. فاسمُ الكتابِ نفسُه، «القرآن»، أي «المقروءُ» و«التلاوة»، يَلتقي في جذرِه بالكلمةِ التي كانت تُسمّي بها كنائسُ المشرقِ القراءةَ المقدّسةَ في طقوسِها. والكتابُ الذي يُتلى، في الطورين، هو «القراءة».

مسلم. وهي تُقابل السريانيّةَ «مشلمانا»، من جذرِ السلامِ والتسليم، يَدلّ على من أسلم نفسَه وسلّمها. فمعنى التسليمِ لله، الذي يَحمله اسمُ «المسلم»، له صورتُه في الطورِ الأقدمِ من اللسان.

الوضوء. والطُّهرُ قبلَ العبادةِ ممارسةٌ راسخةٌ في الشرقِ المسيحيِّ والمندائيّ. فقد عُرف في تلك البيئاتِ طقسُ «الرشامة» والتطهُّرِ بالماءِ قبلَ الدخولِ في المقدَّس، والاغتسالُ والوضوءُ شعيرةٌ مندائيّةٌ مركزيّة. فالطُّهرُ الطقسيُّ بالماءِ، الذي يَحمله الوضوء، نَسَقٌ كانت تَعرفه أديانُ هذا الإقليمِ قبلَ الإسلام. ونُفرّق في الدرجةِ بين الإطارِ والتفصيل: الإطارُ العامُّ، أي أنّ الطُّهرَ المائيَّ قبلَ العبادةِ شرقيٌّ راسخٌ، في درجةِ القوّةِ كسائرِ معجمِ هذا الفصل؛ أمّا الوصلُ الخاصُّ بالرشامةِ المندائيّةِ بعينِها فأدنى من ذلك، نَضعه في درجةِ الاحتمال.

أوقاتُ الصلاة

ولا تَقف المطابقةُ عند الكلمات، بل تَمتدّ إلى تنظيمِ العبادةِ في الزمن. فكنائسُ المشرقِ والرهبانُ كانوا يُقيمون صلواتِهم في أوقاتٍ موزّعةٍ على اليوم، ساعاتٍ ليتورجيّةً معروفة، فجراً وفي مواقيتَ من النهارِ والليل. وهذا التوزيعُ للصلاةِ على ساعاتٍ مثبَّتةٍ في اليومِ نَسَقٌ كان قائماً في العبادةِ المشرقيّةِ قبلَ الإسلام. فالفكرةُ نفسُها، فكرةُ صلواتٍ موقوتةٍ تُقسّم اليوم، حاضرةٌ في التقليدِ الليتورجيِّ الذي عاشت به الحيرةُ وأديرتُها.

إطارٌ لا مفردات

ومن المهمِّ أن نَفهم أنّ ما نَطرحه ليس قائمةَ كلماتٍ متناثرة. هذه الكلماتُ تَنتمي كلُّها إلى حقلٍ واحد: حقلِ العبادةِ المنظَّمة. الصلاةُ، والصومُ، والزكاةُ، والقراءةُ المقدّسة، والتسليمُ لله، والتطهُّرُ بالماء، وتوقيتُ الصلاة، كلُّها عناصرُ منظومةٍ تعبُّديّةٍ واحدةٍ متكاملة. فما نَراه ليس مفرداتٍ تَنتقل فُرادى، بل إطاراً ليتورجيّاً كاملاً ينتقل: لسانَ العبادةِ ونظامَها معاً. وهذا ما تَعنيه فرضيّتُنا الرابعةُ في أعمقِ صورِها: أنّ الحضورَ السريانيَّ ليس تأثيراً لغويّاً في مفرداتٍ معدودة، بل إطارٌ تعبُّديٌّ ومؤسّسيٌّ كامل، عاشت به كنيسةُ المشرقِ في الحيرةِ وما حولَها، وارتفع في الطورِ القرآنيِّ إلى صورتِه العليا.

في ميزانِ الدراسات

وهذه المطابقاتُ بحثها الدارسون قبلَنا. فقد جَمع آرثر جِفري في «المفرداتِ الأجنبيّةِ في القرآن» كثيراً من كلماتِ العبادةِ هذه، وردّ أصولَها إلى السريانيّةِ والآراميّةِ والحبشيّة. وكَتب ألفونس مِنغانا عن الأثرِ السريانيِّ في لغةِ القرآن. ونبّه نولدكه قبلَهما إلى صلةِ هذه الكلماتِ بأخواتِها السريانيّة. فالملاحظةُ في جوهرِها قديمةٌ راسخةٌ في الدراسات، وإن اختلف الباحثون في تفصيلِ كلِّ كلمةٍ على حِدة.

وأبعدُ من المفرداتِ نظامُ العبادةِ في الزمن. فكنائسُ المشرقِ والرهبانُ كانوا يُقيمون «الساعاتِ» الليتورجيّة، صلواتٍ موزّعةً على اليومِ والليلِ في مواقيتَ مثبَّتة. والاغتسالُ والتطهُّرُ بالماءِ قبلَ المقدَّسِ شعيرةٌ مركزيّةٌ عند المندائيّين، الذين عاشوا في جنوبِ العراقِ على مقربةٍ من الحيرة، يُسمّون طقسَ تعميدِهم وتطهُّرِهم بأسمائِهم الخاصّة. فحين نَنظر إلى الصلواتِ الموقوتةِ والطُّهرِ بالماءِ معاً، نَجد أنّ نظامَ العبادةِ نفسَه، لا مفرداتِه وحدَها، كان حاضراً في هذه البيئةِ المشرقيّة. وهذا ما نَعنيه بأنّ الانتقالَ إطارٌ كاملٌ لا كلماتٌ معدودة.

العمقُ لا الانتقاص

ونَختم بأهمِّ ما في هذا الفصل. كلماتُ عبادتِنا وأنظمتُها لها جذورٌ عميقةٌ في اللسانِ الواحدِ الذي تَكلّمته هذه الأرض، والقرآنُ رفعها إلى صورتِها الأتمّ. هي عبادةٌ ضاربةٌ في تربةٍ عريقة، لا منقولةٌ من غيرِنا. كما أنّ الشجرةَ لا تُنتقَص بأن نُريَ جذورَها، بل يُفهَم بذلك علوُّها، كذلك العبادةُ لا تُنتقَص بأن نَتبيّن جذورَ كلماتِها في الطورِ الأقدم. بل يَزيدها ذلك رسوخاً في تربةٍ عريقة. فالكلمةُ التي نُصلّي بها اليومَ كانت تُصلّى بها كنائسُ هذه الأرضِ قبلَ قرون، ثمّ بَلغت في القرآنِ صورتَها العليا. وهذا عمقٌ لا انقطاع، وارتقاءٌ لا استعارة.

رَأينا الاستمرارَ في الأرضِ والقبائلِ والكوادرِ والمؤسّسات، وأخيراً في أعمقِ موضعٍ، في كلماتِ العبادةِ نفسِها. بَقي للميراثِ وجهٌ إنسانيٌّ لم نُفرده بعد، وجهٌ تَحمله نساءٌ يَقفن عند مفاصلِ القصّة، يَصِلن العالمَ القديمَ بالجديدِ في أنسابِهنّ وسِيَرِهنّ. إليهنّ نَتّجه في الفصلِ التالي، قبلَ أن نَجمع الخيوطَ كلَّها.

الفصل الثاني والعشرون

النساءُ عند المفاصل

في كلِّ ما مضى من هذا الكتابِ كان الرجالُ في الواجهة: ملوكٌ وشعراءُ وأساقفةٌ وقادة. لكنّ خيطاً آخرَ يَسري تحتَ القصّةِ كلِّها، أهدأَ صوتاً وأعمقَ أثراً، يَحمله نساءٌ يَقفن عند مفاصلِ التحوُّل. فالنَّسَبُ يَمرّ بهنّ، والذاكرةُ تَنتقل عبرَهنّ، وحين يَنكسر عالمٌ ويَقوم آخرُ، كثيراً ما تَكون امرأةٌ هي الجسرَ بينهما. وهذا الفصلُ عن خمسٍ منهنّ، يُرين الاستمرارَ في أوضحِ صورِه الإنسانيّة.

هندُ بنتُ النعمان: ابنةُ المملكةِ الراهبة

حين سقطت مملكةُ الحيرةِ بمقتلِ النعمانِ الثالث، لم تَسقط ذاكرتُها معها، بل بَقيت حيّةً في ابنتِه هند. فقد تَنصّرت هندُ، كأبيها، وتَرهّبت، وأقامت ديراً عُرف باسمِها، «ديرُ هند»، ظلّت أطلالُه قائمةً قربَ الكوفةِ قروناً بعدَ زوالِ المملكة، يَذكرها ياقوتٌ في معجمِه. فابنةُ آخرِ ملوكِ الحيرةِ تَعتزل في ديرٍ يَحمل اسمَها على أرضِ أبيها، بينما تَقوم الكوفةُ الإسلاميّةُ على مَرمى البصر، والديرُ الباقي شاهدٌ مادّيٌّ على العبور.

وتَذكر الرواياتُ أنّ ساداتِ العصرِ الجديدِ كانوا يَزورونها ويُكلّمونها، حتّى يُنسَب إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ نفسِه أنّه مرّ بديرِها وسألها عن قومِها وملكِهم الزائل. ففي هذه الصورةِ، صورةِ ابنةِ المَلِكِ المسيحيِّ الراهبةِ يُحادثها رجلُ العصرِ الجديد، يَجتمع العالمانِ في مشهدٍ واحد: العالمُ اللخميُّ المسيحيُّ الذاهب، والعالمُ الإسلاميُّ الآتي، تَصِل بينهما امرأةٌ في دير. هندُ هي الحيرةُ وقد بَقيت، شاهدةً حيّةً على أنّ المملكةَ لم تُمحَ بل تَحوّلت.

ميسونُ الكلبيّة: أمُّ الخليفة

ومن الحيرةِ الشرقيّةِ إلى الشامِ الغربيّ، نَجد المرأةَ نفسَها في دورٍ آخر. فميسونُ بنتُ بَحدلٍ من كلب، القبيلةِ الشاميّةِ ذاتِ الجذورِ في المجالِ الغسّانيِّ النصرانيّ، تزوّجها معاوية، فكانت أمَّ ابنِه يزيدَ الخليفةِ الثاني. أي إنّ الدمَ الشاميَّ الكلبيَّ، من عالمِ غسّانَ القديم، دخل بيتَ الخلافةِ الجديدةَ من بابِ المصاهرة، وجرى في عروقِ خلفائِها.

وتَحفظ الذاكرةُ لميسونَ أبياتاً تَحنّ فيها إلى باديتِها وخيمةِ قومِها، وتَزهد في قصرِ دمشقَ وحريرِه. وفي هذا الحنينِ صدىً لانتقالِ عالمٍ إلى عالم: المرأةُ من بادية الشامِ القديمةِ تَجد نفسَها أمّاً لخليفةٍ في قصر، فتَحنّ إلى ما كان. فإذا كانت هندُ هي الحيرةُ وقد بَقيت في دير، فميسونُ هي بادية الشامِ الغسّانيّةُ وقد صارت أمّاً للملك. امرأتانِ عند طرفَي العالمِ القديم، تَعبران به إلى الجديد.

الحليمتان: اسمٌ واحدٌ عند مفصلَين

ونَعود خطوةً إلى الوراء، إلى ذروةِ حربِ التاجين. فيومُ حَليمةَ، أشهرُ أيّامِ العرب، الذي قُتل فيه مَلِكُ الحيرةِ على يدِ مَلِكِ غسّان، سُمّي باسمِ امرأة: حليمةَ بنتِ الحارثِ الغسّانيّ، التي تَذكر الروايةُ أنّها طيّبت المقاتلينَ وسلّحتهم قبلَ الحملة. فحتّى أعظمُ معاركِ العالمِ القديمِ تَحمل اسمَ امرأةٍ تُهيّئ الرجالَ للحظةِ مصيرِهم.

والاسمُ نفسُه، حليمة، يَقف عند مفصلٍ آخر: مولدِ النبيّ. فمُرضِعتُه في الباديةِ هي حليمةُ السعديّة، وتحت رعايتِها يَضع التقليدُ بركةَ غنمِها وشقَّ صدرِه وتطهيرَ قلبِه. امرأةٌ ثانيةٌ تَحمل الاسمَ نفسَه وتُهيّئ المختار، لا للمعركةِ بل للنبوّة. والجذرُ ح-ل-م يَجمع الحِلمَ والرؤيا (الحُلم)، والرؤيا هي ما تقول السيرةُ إنّ الوحيَ انفتح به أوّلاً.

فاسمٌ أنثويٌّ واحدٌ يَقف عند مفصلَين من القرنِ نفسِه: ذروةِ حربِ التاجين، ومولدِ النبيّ. وعلى قراءةِ هذا الكتابِ قد يكون هذا التكرارُ من جنسِ الأسماءِ ألقاباً: اسمٌ حاملٌ للمعنى يَحفظه التقليدُ عند المنعطفات، فيَربط نشأةَ النبيِّ بأفقِ الحيرةِ في القرنِ السادس. نَضع هذا في درجةِ الاحتمالِ لا اليقين، ونُقرّ بالعائقِ صريحاً: بنو سعدٍ هوازنُ قيسيّون من باديةِ الطائف، وحليمةُ اليومِ غسّانيّةٌ يمانيّةٌ من ثغرِ الشام، كتلتانِ متقابلتانِ لا جسرَ نَسَبٍ بينهما. فالرابطُ، إن صحّ، اسمٌ ووظيفةٌ لا دمٌ ولا أرض. والقراءةُ تُكرّم المُرضِعةَ والنبيَّ، وتَقرأ في الاسمِ معنىً لا تَنفي شخصاً.

عائشةُ على أرضِ لخم

وفي الفتنةِ الأولى، أوّلِ مفاصلِ العالمِ الجديد، تَقف امرأةٌ في القلبِ من المشهد. فعائشةُ كانت محورَ وقعةِ الجَمَل، أوّلِ قتالِ الفتنة، التي سُمّيت باسمِ جملِها كما سُمّي يومُ حَليمةَ باسمِها. ووقعت الجملُ على أرضِ العراق، في فلكِ لخمٍ القديم. فكما وقفت حليمةُ عند مفصلِ العالمِ القديمِ على الثغرِ الشاميّ، وقفت عائشةُ عند مفصلِ العالمِ الجديدِ على الأرضِ العراقيّة. والمعركتانِ كلتاهما تَحملان اسمَ امرأةٍ أو تَدوران حولَها، على المحورِ نفسِه، أرضِ الشرقِ والصراعِ على القيادة. ولنُثبت درجاتِ هذا الفصلِ في موضعِها: بقاءُ هندَ في ديرِها وأمومةُ ميسونَ لِيزيدَ خبران موثَّقان في درجةِ القوّة، وقراءتُهما جسرَي استمرارٍ بين العالمين في درجةِ الاحتمال، أمّا توازي عائشةَ مع حليمةَ في نَسَقِ المعركةِ المسمّاةِ بامرأةٍ فملاحظةُ نمطٍ نَضعها في درجةِ التخمينِ المُعلَن.

لماذا النساءُ عند المفاصل؟

ما الذي يَجمع هؤلاء؟ يَجمعهنّ أنّهنّ يَقفن حيث يَلتقي عالمانِ. النَّسَبُ يَمرّ بالمرأة، فهي التي تَحمل دمَ بيتٍ إلى بيت، ودمَ عالمٍ إلى عالم. ميسونُ تَحمل دمَ كلبٍ الشاميّةِ إلى بيتِ الخلافة. وهندُ تَحمل ذاكرةَ المملكةِ المسيحيّةِ إلى قلبِ العصرِ الجديدِ في ديرِها. والذاكرةُ كثيراً ما تُعلّق على المرأةِ أسماءَ مفاصلِها، فتُسمّي بها أيّامَها ومعاركَها. فحين نَبحث عن خيطِ الاستمرارِ في أوضحِ صورِه الإنسانيّة، نَجده يَمرّ بهؤلاء النسوة: ابنةِ المَلِكِ الراهبة، وأمِّ الخليفةِ البدويّة، والمرأةِ التي حَملت معركةٌ اسمَها.

وعلى مبدئِنا، فإنّ هذا الخيطَ لا يَنفي شيئاً، بل يُجسّد الاستمرارَ في أبدانٍ ونُفوس. فالعالمُ القديمُ لم يَنقطع عن الجديدِ انقطاعاً، بل عَبَر إليه، وعَبَر بعضُه في أنسابِ نساءٍ بعينِهنّ: من ديرِ هندَ قربَ الكوفة، إلى مجلسِ ميسونَ في دمشق. تُكرَّم ذكراهنّ، وتُحفَظ سِيَرُهنّ، ويَبقَين شاهداتٍ على أنّ الجسرَ بين العالمين كان أحياناً امرأةً تَقف عند المفصل.

بهذا نُغلق قسمَ الميراث، وقد رَأيناه في الأرضِ والقبائلِ والكوادرِ والمؤسّساتِ واللسانِ والأنساب. آنَ أن نَرفع رؤوسَنا عن التفاصيل، ونَجمع خيوطَ الكتابِ كلَّها في صورةٍ واحدة. إلى قسمِ التركيب نَتّجه.

القسم ٦

التركيب

الفصل الثالث والعشرون

كيف تتلاقى الفرضياتُ الخمسُ عند الحيرة

قَطعنا الخطَّ الزمنيَّ كلَّه، من حجرِ النَّمارةِ سنةَ ٣٢٨ إلى بغدادَ في القرنِ التاسع. وفي كلِّ محطّةٍ فتحنا أداةً من أدواتِنا الخمس. آنَ الآنَ أن نَرفع رؤوسَنا عن تفاصيلِ الطريق، ونَنظر إلى الصورةِ كاملةً. فالفرضياتُ الخمسُ ليست خمسَ دعاوى منفصلة، بل خمسةُ خيوطٍ تَلتقي عند عُقدةٍ واحدة. وهذه العُقدةُ هي الحيرة.

خمسةُ خيوطٍ تَلتقي

تَذكّر الخيوطَ كما تَكشّفت في رحلتِنا.

الإزاحةُ الزمنيّة أرتنا أنّ الإشاراتِ القرآنيّةَ التي وَجدنا لها صدىً موثَّقاً، أصحابَ الأخدودِ والفيلَ والرومَ في حربِهم، تَتقاطع مع أحداثِ القرنين الخامسِ والسادس، لا مع زمنٍ متأخّر. وأنّ أوّلَ شاهدٍ خارجيٍّ على الحركةِ يَضعها على الثغرِ الشماليّ، وأنّ المخطوطاتِ تُمسك بالنصِّ في لحظةِ تَثبُّتِه.

الانتقالُ الجغرافيّ أرانا أنّ ثِقَلَ العربِ المنظَّمَ كان شماليّاً عراقيّاً منذ حجرِ النَّمارة، وأنّ الفتنةَ الأولى وكربلاءَ والمشاهدَ المقدّسةَ تَتجمّع كلُّها على أرضِ لخمٍ، حول الكوفةِ والحيرة، وأنّ مكّةَ تَغيب عن السجلّاتِ الخارجيّةِ حيث تَحضر اليمنُ والعراقُ والشام.

الأسماءُ بوصفها ألقاباً أرانا، في المنذرِ النذير، وفي بَحِيرَى المختار، كيف يَلتقي اللقبُ المُلكيُّ بالمعنى الدينيّ، وكيف يَتناسخ اللقبُ في حامليه حتّى يَصعب فرزُهم.

اللسانُ الواحد أرانا أنّ معجمَ العبادةِ نفسَه، الصلاةَ والصومَ والزكاةَ والقرآن، له صورةٌ سابقةٌ في الطورِ السريانيّ، وأنّ هذا اللسانَ كان لسانَ الحيرةِ وكنيستِها.

الاستمرارُ البنيويّ أرانا أنّ تاجَي العربِ القديمين، الغسّانيَّ واللخميّ، يَستمرّان في دمشقَ الأمويّةِ وبغدادَ العبّاسيّة، بأرضِهما وقبائلِهما وكوادرِهما ومؤسّساتِهما.

خمسةُ خيوط. وكلُّ خيطٍ منها، حين تَتبعه إلى منبعِه، يَقودك إلى المكانِ نفسِه: إلى الحيرةِ وما حولَها، إلى العالمِ العربيِّ المسيحيِّ في العراقِ والشام.

لماذا الحيرةُ بالذات؟

لِمَ تَلتقي الخيوطُ هناك؟ لأنّ الحيرةَ تَجمع، في مكانٍ واحد، كلَّ ما تَحتاجه القصّة. فيها الجماعاتُ الدينيّةُ التي يُجادلها القرآنُ، مجتمعةً متجاورة. وفيها اللسانُ الواحدُ بطوريه، عربيّةُ الشارعِ وسريانيّةُ الكنيسة. وفيها الكوادرُ الكاتبةُ الطبيبةُ المترجمة، العِبادُ، الذين سيَحملون ثقافتَهم إلى الدولةِ الجديدة. وفيها التاجُ العربيُّ الشرقيُّ الذي يُقابل الغسّانيَّ الغربيّ. وفيها أرضُ الكوفةِ وكربلاءَ التي ستَتجمّع فيها أحداثُ القصّةِ ومشاهدُها. وفيها كنيسةُ المشرقِ بأساقفتِها وأديرتِها ومدارسِها.

فالحيرةُ ليست مجرّدَ نقطةٍ على الخريطة، بل هي النقطةُ التي تَتقاطع عندها حُجَجُ المشروعِ كلُّها. وهذا هو معنى قولِنا، منذ الفصلِ الأوّل: حيثُ تَلتقي حُجَجُ المشروعِ المتفرّقة، تَلتقي عند الحيرة.

قوّةُ التراكم

وهنا تَكمن قوّةُ هذه القراءة، وهي قوّةٌ تراكميّة. فلو أخذنا كلَّ خيطٍ وحدَه، لأمكن أن يُقال فيه: هذه مصادفةٌ، أو هذا تشابهٌ عابر. تشابهُ الحيرةِ وحِراءِ في الجَرسِ وحدَه قرينةٌ ضعيفة. وغيابُ مكّةَ وحدَه قرينةٌ سلبيّةٌ لا تُثبت. وتوازي حَليمةَ وصِفِّينَ وحدَه قد يكون مصادفة. لكنّ هذه القرائنَ لا تَقف منفردة. هي تَجتمع، وتُشير كلُّها إلى الجهةِ نفسِها، وتُعزّز إحداها الأخرى. والحُجّةُ التراكميّةُ تَستمدّ قوّتَها لا من خيطٍ واحدٍ قويّ، بل من تضافرِ خيوطٍ كثيرةٍ تَلتقي عند نقطةٍ واحدة.

فحين نَجد أنّ الجغرافيا تُشير إلى العراق، واللسانَ يُشير إلى السريانيّة، والكوادرَ تُشير إلى كنيسةِ المشرق، والاستمرارَ يُشير إلى تاجَي العرب، والأحداثَ المؤسِّسةَ تَقع على أرضِ لخم، فإنّ تضافرَ هذه الإشاراتِ كلِّها يَجعل القراءةَ أقوى من مجموعِ أجزائِها.

شبكةٌ لا قائمة

ولهذا التراكمِ صورةٌ تَقنيّةٌ في أصلِ المشروع. فالكتابُ الذي بين يديك مبنيٌّ على شبكةِ معرفةٍ، لا على قائمةِ حُجَج. فيها مئاتُ العقدِ، أشخاصاً وأماكنَ وأحداثاً ومفاهيمَ وأدلّةً وقبائل، وبينها أكثرُ من ألفِ وصلة، لكلِّ وصلةٍ نوعُها ودرجةُ ثقتِها ومصدرُها. وحين تُرسَم هذه العقدُ ووصلاتُها بصريّاً، تَظهر العناقيدُ: تَتجمّع الأماكنُ العراقيّةُ معاً، وتَتجمّع كلماتُ العبادةِ السريانيّةُ معاً، وتَتجمّع شخصياتُ التاجين والفتنةِ معاً، وكلُّها تَتّصل بالحيرة.

وهذه الصورةُ الشبكيّةُ هي ما يَجعل الحُجّةَ تراكميّةً بمعنىً دقيق. فالعُقدةُ الواحدةُ قد تَكون ضعيفةَ الوصلات، لكنّ قوّةَ القراءةِ في كثافةِ الوصلاتِ التي تَلتقي عند الحيرة. وكلّما أُضيفت عقدةٌ جديدةٌ موثَّقة، تَأكّد أو تَزعزع موضعٌ في الشبكة. ولذلك فالكتابُ ليس قولاً نهائيّاً، بل صورةٌ للحظةٍ في شبكةٍ تَنمو، يُمكن لكلِّ قارئٍ أن يَتتبّع وصلاتِها ويَزن درجاتِها بنفسِه.

الآليّةُ التي تَجمع الكلّ

ويَجمع هذه الخيوطَ كلَّها مبدأٌ واحدٌ سار معنا من أوّلِ صفحة: التفسيرُ بالآليّةِ لا بالنفي. فالصورةُ التي رَسمناها ليست صورةَ قصّةٍ مكذوبةٍ اختُرعت من عدم، بل صورةُ عالمٍ قديمٍ عريقٍ أُعيدت روايتُه. عظماءُ ذلك العالمِ نُقلوا إلى أدوارٍ مُكرَّمةٍ في القصّةِ الجديدة. وحروبُه أُعيد تشكيلُها على المحورِ نفسِه. وكلماتُه التعبُّديّةُ ارتفعت إلى صورتِها العليا. ومؤسّساتُه عَبَرت إلى الدولةِ الجديدة. الذاكرةُ الجمعيّةُ لم تَمحُ ذلك العالمَ، بل أعادت ترتيبَه وتكريمَه ونقلَه.

وهذا، إن صحّ، هو أجملُ ما في القراءة. فهي لا تَجعل الإسلامَ المبكّرَ حدثاً معزولاً في صحراءَ خالية، بل تتويجاً لعالمٍ عربيٍّ موحِّدٍ قديم، عالمٍ له ملوكٌ وكنائسُ ولسانٌ مقدّسٌ وذاكرةٌ عميقة. وهي لا تُنقص القصّةَ، بل تَمدّ جذورَها في تربةٍ أعرقَ ممّا ظَنَنّا.

القوسُ الواحد: على فترةٍ من الرسل

تَلتقي الخيوطُ الخمسةُ عند الحيرةِ في المكان. ويَبقى أن نَراها تَلتقي في الزمانِ أيضاً، عند قوسٍ واحدٍ يُسمّيه القرآنُ «فترةً من الرسل» (المائدة ١٩). فالفترةُ بين النبيِّين، التي تَجعلها القراءةُ المعتادةُ ستّةَ قرون، نَقرؤها في هذا الكتابِ قوساً يَقارب ألفَ سنة، له طرفان والحيرةُ في وسطِه.

طرفُه القريبُ هو الإزاحةُ الزمنيّة: أحداثُ النشأةِ أقدمُ بنحوِ قرن، في عالمِ الحيرةِ في القرنِ السادسِ الميلاديّ. وطرفُه البعيدُ هو عيسى القرآنيُّ في موجةِ التوحيدِ المحوريّةِ في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، إلى جانبِ نبونيد وزرادشت وبوذا، حيث يَقف عالمُ تيماءَ وحرّانَ القمريُّ في الممرِّ نفسِه الذي يَضع فيه الكتابُ عالمَ الحيرة. والطرفان يُغذّي أحدُهما الآخر: العمقُ يُفسّر طولَ الفترة، والقربُ يُفسّر كيف أُعيد تأريخُ طرفِها الأدنى إلى الأمام.

فالخيوطُ الخمسةُ فروعٌ من هذا القوسِ الواحد، يَجمعها المكانُ عند الحيرة، ويَجمعها الزمانُ على امتدادِ الفترة. أقواها وأقربُها مركزيّةُ الحيرةِ والاستمرارُ البنيويُّ والدورُ السريانيّ. وأبعدُها وأجرؤها الطرفُ المحوريُّ العميق، نَضعه في درجةِ التخمينِ المُعلَن. وهذا القوسُ، من طرفِه القريبِ إلى طرفِه البعيد، هو ما يَجعل اسمَ الكتابِ صادقاً: العالَمُ الذي سبق، عند طرفَيه كليهما.

عمودان يَشُدّانِ القوس

ولهذا القوسِ عمودان يَشُدّانِه من طرفٍ إلى طرف. أوّلُهما عمودٌ عقديّ: سُلّمُ الحمد. فالأنبياءُ درجاتُ حمدٍ صاعدة، عيسى في درجةٍ يُبشّر بمن هو أعلى منه حمداً، أحمدَ، حتّى تَبلغ القمّةُ صاحبَ المقامِ المحمودِ ولواءِ الحمد، ويَرِثها في القاعِ العميقِ اسمُ نبونيدَ نفسِه، نبو-نائد، أي نبو مُمجَّد. وثانيهما عمودٌ بشريّ: بيتٌ واحد. فآلُ عِمرانَ الذي يَضمّ مريمَ وعيسى وزكريّا ويحيى، وبيتُ النبيِّ، يُقرآنِ بيتاً نبويّاً كهنوتيّاً واحداً يَمتدّ على طولِ الفترة، مِفصلُه الجدُّ شيبةُ الحمد، حيث يَلتقي العمودان.

ويَشُدّ القوسَ من تحتِه نسيجٌ من الطرفِ العميق: نقشا بِسْرانَ بدومةَ عربيّةً مقروءة، وأسماءُ الآلهةِ والملوكِ الرافديّةُ جُملاً عربيّة، وانجرافُ ربِّ السماءِ من عترسمينَ إلى الرحمن، ومعالقُ الكتابِ والقرآنِ على الممرِّ نفسِه، من تيمانَ وفارانَ إلى إبراهيمَ وثالوثِ سِينَ وشمشَ والزهرة. كلُّ ذلك بميزانِه: طرفُ القوسِ القريبُ ونسيجُه اللغويُّ قويّان، وطرفُه العميقُ ومطابقاتُه أجرأُ ما نَطرح، نَضعها في درجتِها المُعلَنة.

الميزانُ الذي يَلي

هذه هي الصورةُ مجتمعةً. وتَقتضي الأمانةُ أن نَزن أجزاءها بميزانٍ صادق، فنُفرّق ما هو قويٌّ منها ممّا هو افتراضيّ. إلى هذا الميزانِ نَتّجه في الفصلِ التالي، قبلَ أن نَختم.

الفصل الرابع والعشرون

ما هو قويٌّ وما هو افتراضيّ

لا يَكتمل كتابٌ كهذا إلّا بفصلٍ يَزن نفسَه بميزانٍ صادق. فالقراءةُ التي رَسمناها واسعةٌ جريئة، وفيها ما هو راسخٌ وما هو مفتوحٌ للنقد. والأمانةُ العلميّةُ تَقتضي أن نُسمّي كلَّ جزءٍ بدرجتِه، فلا نَخلط القويَّ بالتخمينيّ، ولا نَطلب للحدسِ ما نَطلبه للنقش. وهذا الفصلُ هو ميزانُ المشروعِ على نفسِه.

درجاتُ الثقة

استعملنا في هذا الكتابِ أربعَ درجاتٍ للثقة، وهي درجاتُ المشروعِ نفسِه في شبكتِه. الدرجةُ الأولى قويّة، لما هو موثَّقٌ توثيقاً تاريخيّاً متيناً. والثانيةُ محتمَلة، لقراءةٍ تَستند إلى قرائنَ تَجتمع وترجِّح. والثالثةُ تخمينيّة، لقرينةٍ نَطرحها لتُنير الطريق. والرابعةُ منافِسة، لقراءةٍ نَذكرها لنُريَ أنّ للمسألةِ أكثرَ من وجه. ولنَوزّعِ الآنَ محاورَ الكتابِ على هذه الدرجات.

حيث نَقف على أرضٍ صلبة

أقوى ما في هذا الكتابِ ليس أجرأه. أقواه أربعةُ محاورَ نَقف فيها على أرضٍ صلبة.

الأوّل: مركزيّةُ الحيرةِ والعراق. أنّ الحيرةَ كانت مركزاً عربيّاً مسيحيّاً كبيراً، عاصمةَ مملكةٍ قائمةٍ ثلاثةَ قرون، فيها كنيسةٌ وأديرةٌ وكوادرُ ولسانٌ مزدوج، هذا كلُّه موثَّقٌ توثيقاً قويّاً، في المصادرِ السريانيّةِ والعربيّةِ والنقوش. وأنّ الكوفةَ قامت بجوارِها، وأنّ المشاهدَ الشيعيّةَ تَجمّعت في إقليمِها، حقائقُ تاريخيّةٌ لا خلافَ عليها. ما يَبقى محلَّ القراءةِ هو دلالةُ هذا التجمُّع، لا وقوعُه.

الثاني: الاستمرارُ البنيويّ. أنّ الأمويّةَ قامت في المجالِ الغسّانيِّ وتَحالفت مع قبائلِه، وأنّ العبّاسيّةَ قامت قربَ المدائنِ واعتمدت على كوادرِ العراقِ المسيحيّةِ وأطبّائِه ومترجميه، هذا موثَّقٌ في تفاصيلِه: كلبٌ وميسونُ والأخطلُ في الشام، وبختيشوعُ وحنينُ وطيمثاوسُ في العراق. الاستمرارُ البشريُّ والمؤسّسيُّ والجغرافيُّ قائمٌ على وقائعَ ثابتة.

الثالث: الدورُ السريانيّ. أنّ معجمَ العبادةِ يَلتقي بالطورِ السريانيِّ من اللسان، وأنّ كنيسةَ المشرقِ كانت إطاراً ليتورجيّاً ومؤسّسيّاً حاضراً، هذا أمرٌ متينٌ في جانبِه اللغويِّ والمؤسّسيّ. تفاصيلُ كلِّ كلمةٍ قد تَحتمل النقاش، لكنّ الإطارَ العامَّ، أنّ التعبيرَ الدينيَّ تَبلوَر في بيئةٍ سريانيّةٍ مشرقيّة، راسخ.

الرابع: المنهجُ نفسُه. استعمالُ المصادرِ غيرِ الإسلاميّةِ لتأطيرِ المجالِ التاريخيّ منهجٌ سليمٌ في ذاتِه، أيّاً كانت النتائجُ التي يَقود إليها. وهو يُعطي الكتابَ أرضيّةً لا تَعتمد على ما تُريد إثباتَه.

حيث نَقف على أرضٍ أجرأ

وفي المقابلِ هناك محاورُ نَعترف بأنّها أجرأ، وأحوجُ إلى تعميقٍ ونقد، وقُلنا ذلك في مواضعِها صريحاً.

الإزاحةُ الزمنيّةُ الشاملة. أجرأُ ما في الكتاب. أن نَقول إنّ زمنَ البدايةِ أقدمُ بقرنٍ تقريباً دعوى كبيرة، لا تَحملها القرائنُ التي جمعناها حملاً قاطعاً. ما تَحمله القرائنُ توتُّرٌ حقيقيٌّ بين تأريخِ الشواهدِ المعاصرةِ وتأريخِ الروايةِ المكتملة، وهذا التوتُّرُ يَستحقّ السؤال. أمّا الجزمُ بمقدارِ الإزاحةِ فيَبقى في درجةِ التخمينِ المفتوح.

ردُّ معظمِ الأسماءِ التأسيسيّةِ إلى ألقابٍ حصراً. هذه أيضاً جريئة. بعضُ الأمثلةِ موثَّقٌ بلا خلاف، كالمنذرِ وبَحِيرَى. لكنّ تعميمَ القراءةِ على الأسماءِ المركزيّةِ كلِّها يَبقى احتمالاً مفتوحاً، نَطرحه للنقاشِ لا للتسليم. وقد توقّفنا عنده طويلاً بأدبٍ في فصلِه، لأنّه أحسُّ مواضعِ الكتاب.

وكذلك التوازياتُ المفردة، كتوازي ذي قارٍ وبدر، وتوازي النعمانِ والحسين. هذه نَضعها في أدنى الدرجات، تخميناتٍ تَستحقّ البحثَ، لا أحكاماً. وقوّتُها، إن كانت لها قوّة، في تضافرِها لا في انفرادِها.

الطرفُ المحوريُّ العميقُ من الفترة. وهو أبعدُ ما في الكتابِ مدىً وأجرؤه: قراءةُ عيسى القرآنيِّ نبيّاً من موجةِ التوحيدِ المحوريّةِ في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، إلى جانبِ نبونيد وزرادشت وبوذا. تَحته أرضٌ موثَّقة: إصلاحُ نبونيد القمريُّ في تيماءَ وحرّان، ونقشُ الحائطِ المنشورُ سنةَ ٢٠٢١، و«صلاةُ نبونيد» من قُمران. أمّا مطابقةُ عيسى نفسِه بهذه الموجةِ فتخمينٌ مُعلَن يَنفرد به المشروع، نَضعه في أدنى الدرجات، ونَبسط معيارَه في ملحقِ القرابة. هو الطرفُ البعيدُ من قوسِ الفترة، يُوضَع بإزاءِ طرفِها القريبِ القويِّ لا في منزلتِه.

الاعتراضاتُ المضادّة

والأمانةُ تَقتضي أن نَذكر ما يُقال ضدَّ قراءتِنا. فيُقال: غيابُ مكّةَ من السجلّاتِ الخارجيّةِ قد يكون لأنّها كانت أصغرَ من أن تُذكَر، لا لأنّها لم تَكن مركزاً. ويُقال: التشابهُ اللغويُّ بين العربيّةِ والسريانيّةِ متوقَّعٌ بين لغتين ساميّتين متجاورتين، ولا يَستلزم ما نَبنيه عليه. ويُقال: التوازياتُ بين المعاركِ قد تَنشأ من تشابهِ الجغرافيا والظروفِ لا من إعادةِ تشكيلٍ للذاكرة. ويُقال: الاستمرارُ بين الدولِ أمرٌ طبيعيٌّ في كلِّ التاريخ، فكلُّ دولةٍ تَرث ما قبلَها، وليس في ذلك ما يُميّز قراءتَنا.

هذه اعتراضاتٌ جادّةٌ، نَذكرها لأنّها تَنتمي إلى صدقِ البحث. وردُّنا عليها ليس إنكارَها، بل وضعَها في الميزان. فالقراءةُ التراكميّةُ لا تَدّعي أنّ كلَّ خيطٍ يَصمد وحدَه أمامَ الاعتراض، بل أنّ الخيوطَ مجتمعةً، وقد أشارت كلُّها إلى الجهةِ نفسِها، تَبقى أرجحَ من تفسيرِها واحداً واحداً بالمصادفة. لكنّنا نُقرّ أنّ هذا ترجيحٌ لا برهان، وأنّ القارئَ الذي يَزن الاعتراضاتِ فيَجدها أرجحَ له ذلك.

الطرفُ الآخرُ من الميزان

ومن تمامِ الإنصافِ أن نُذكّر بأنّ للمدرسةِ النقديّةِ معارضين أقوياء، ردّوا كثيراً من أجرإ أطروحاتِها. فالمؤرّخُ فريد دونر، وهو نفسُه من جيلِ النقد، يَرى في كتابِه «محمّدٌ والمؤمنون» أنّ جوهرَ الروايةِ المبكّرةِ يَصمد للفحص، وأنّ المبالغةَ في الشكِّ لا تُنتج تاريخاً بديلاً متماسكاً. وقد دافعت أنجيليكا نويفيرت وغيرُها عن التأريخِ المبكّرِ للقرآنِ بوصفه نصّاً من القرنِ السابع، مستندين إلى دراسةِ بنيتِه وإلى تأريخِ المخطوطاتِ بالكربون. ونُقدت قراءةُ لوكسنبرغ نقداً تفصيليّاً، بيّن فيها نقّادٌ أنّ كثيراً من إعاداتِ قراءتِه لا تَصمد للتمحيص.

فالمسألةُ، إذن، مفتوحةٌ في البحثِ الجادِّ نفسِه، وليست محسومةً لجهةٍ على أخرى. ونحن إذ نَنتمي إلى منهجِ تقديمِ الشاهدِ المعاصر، لا نَتجاهل أنّ هذا الشاهدَ نفسَه قد يُقرأ على غيرِ ما نَقرؤه، وأنّ بعضَ ما بَنينا عليه يَحتمل تفسيراً يَدعم الصورةَ التقليديّة. وهذا هو معنى أن يَبقى المشروعُ بحثاً: أن يَعرض حُجّتَه وحُجّةَ خصمِه، ويَترك للقارئِ ميزانَه.

ما صحّحناه على أنفسِنا

وأصدقُ ما يُقاس به ميزانٌ أن يُوزَن به صاحبُه. فقد أجرينا على هذا العملِ جولةَ فحصٍ شاملةً أُعيدت فيها قراءةُ كلِّ عقدةٍ في الشبكة، وكان أثمنُ ما خرجت به ليس ما أضافته بل ما نقضته علينا. ونُثبته هنا كاملاً، لأنّ الخطأَ المصحَّحَ في مشروعٍ كهذا أنفعُ من الاكتشافِ الجديد.

ثلاثةُ مواضعَ كنّا نَستشهد فيها بمصادرَ تقول عكسَ ما نقول. كنّا نَجعل بيتَ الحكمةِ أكاديميّةَ ترجمةٍ عن اليونانيّةِ يُشغّلها النساطرة، ونُحيل على غوتاس، وفصلُ غوتاس قائمٌ على نقضِ هذه الصورةِ بعينِها، ورسالةُ حُنينٍ نفسُها، وهي أوثقُ شاهدٍ من داخلِ حركةِ الترجمة، لا تَذكر المؤسّسةَ ألبتّة. وكنّا نَجعل أكاديميّةَ جنديسابورَ تَنتقل إلى بغدادَ كاملةً، ونُحيل على دولز، ودولز يقول إنّ تلك الأكاديميّةَ نفسَها قبلَ الإسلامِ بناءٌ متأخّرٌ لا شاهدَ معاصرَ عليه. وكنّا نَستشهد بصامويلسون على شكلِ الصليب، وهو يقول صراحةً إنّ دراستَه لا تُحدّد شكلَ الصلبِ أصلاً. سحبنا الثلاثةَ، وأعدنا بناءَ حجّةِ الاستمرارِ على أرضٍ تَثبت: قوانينُ مدرسةِ نصيبين، وأسرٌ علميّةٌ مسيحيّةٌ مسمّاة، وجاثليقٌ يقول بنفسِه إنّه نقل أرسطو للمهديّ.

وكنّا نَصف عقيدةَ كنيسةِ المشرقِ بلسانِ خصومِها. كتبنا أنّ النسطوريّةَ «طبيعتانِ وأقنومانِ في اتّحادٍ أدبيّ»، وتلك تُهمةُ الكيرلّسيّينَ لا صيغةَ الكنيسةِ نفسِها؛ وصيغتُها هي: كيانانِ وقنومانِ في پرصوپا واحد، أي شخصٍ واحد. والمفارقةُ أنّ الصيغةَ التي كنّا نَنسبها إليهم هي بعينِها ما يَردّه القرآنُ بقولِه «ولا تَقولوا ثلاثة»، فكنّا نُضعف حُجّتَنا ونحن نَحسبها تَقوى.

وكنّا نَعُدّ رجلاً واحداً رجلَين. ففي بابِ الموالي كتبنا «الخليلُ، والفراهيديُّ» اسمَين، وهما رجلٌ واحد: الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديّ. ثم هو عربيٌّ من فراهيدِ أزدٍ من عُمان، فصاحبُ «العين»، وهو المثالُ الذي ضربناه، كان نقضاً للدعوى التي ضُرب لها. و«الصِّحاحُ» للجوهريِّ، وهو تركيٌّ من فاراب توفّي بعدَ نافذتِنا. والمقصودُ يَبقى صحيحاً بعدَ التصحيح، وهو أنّ أدواتِ العربيّةِ بناها في عراقِ العبّاسيّينَ موالٍ غيرُ عربٍ في الأغلب، وسيبويهِ شاهدُه الصحيح؛ لكنّ المثالَ الذي اخترناه كان أسوأَ ما يُختار.

وسحبنا لفظاً كتبناه نحن. قلنا إنّ نقشَ بايكولي أقدمُ ذكرٍ للخميّينَ في أيِّ مكان، ثم تبيّن أنّ نقشَ شابورَ الأوّلِ يَسبقه بثلاثينَ سنة. والخبرُ في مصلحتِنا لا ضدَّنا، لأنّه يَدفع شهادةَ لخمٍ إلى الوراءِ أبعد؛ لكنّ اللفظَ كان خطأً فسُحب من ثلاثةِ مواضع.

فهذه خمسةُ مواضعَ كان يَكفي خصماً أن يَفتح فيها حاشيةً واحدةً ليَطعن في العملِ كلِّه. ونحن نُثبتها في متنِ الكتابِ لا في هامشِه، لأنّ الدعوى التي لا تَقبل التصحيحَ ليست دعوىً بحثيّة.

وما بَقي بلا توأمٍ بأمانة

ومن البابِ نفسِه: أجرينا على معاركِ السيرةِ حزامَ الفوارقِ الذي عايرناه في الفتنة، فانقسمت. أُحدٌ وجدت مانحَها في كالينيكوم سنةَ إحدى وثلاثينَ وخمسِ مئة، وبئرُ معونةَ في نجرانَ سنةَ ثلاثٍ وعشرين، وحكمُ قريظةَ في قمعِ ثورةِ السامريين سنةَ تسعٍ وعشرين. أمّا بدرٌ فلم تُعطِ قريناً مؤرَّخاً مقنعاً في النافذةِ كلِّها، وسقطت مرشّحاتُها الثلاثُ بالحجزِ المزدوجِ وقلبِ القطبيّة، ولم يَبقَ لها إلا صورٌ: إغارةُ الفِجارِ على القافلة، وقولُ نصرِ ذي قار، وقالبُ روتِ الفيل. والنضيرُ بقيت مفتوحةً بلا مرشَّح.

وسجّلنا ذلك إيجاباً في متنِ الشبكةِ لا سلباً في هامشِها. فالسلبُ الصريحُ نتيجةٌ لا ثغرة، والمنهجُ الذي يَجد توأماً لكلِّ حدثٍ منهجٌ لا يَجد شيئاً.

درسٌ من عالمٍ سبقنا وسقط

وأنفعُ ما يُقرأ في هذا البابِ سيرةُ من سبقنا إلى حركةٍ شبيهةٍ فسقط بها، لا سيرةُ من وافقنا.

كمالُ الصليبي (١٩٢٩–٢٠١١) ليس هاوياً: دكتوراهٌ من مدرسةِ الدراساتِ الشرقيّةِ بلندنَ على يدِ برنارد لويس، وكرسيُّ التاريخِ بالجامعةِ الأميركيّةِ ببيروت، وتأسيسُ المعهدِ الملكيِّ للدراساتِ الدينيّة. وقد ذهب في «التوراةُ جاءت من جزيرةِ العرب» وتالِيَيه إلى أنّ جغرافيا التوراةِ في عَسيرَ والسَّرَوات لا في فلسطين.

ونحن نَذكره لسببَين ونَرفضه لثالث. نَذكره لأنّه أشهرُ أطروحةٍ أكاديميّةٍ منشورةٍ في نقلِ الجغرافيا، وكتابٌ يُسمّي غِبسونَ وكِنغَ ويَسكت عنه فيه ثغرة. ونَذكره لأنّه سابقةٌ جزئيّةٌ لحركةِ فكِّ الدمج التي نَصنعها. أمّا ما ليس هو إيّاه فسنَداً لنا: نقلُه يجري جنوباً إلى الجزيرة، ونقلُنا يجري شمالاً خارجَها، وبين عَسيرَ والحيرةِ نحوُ ألفِ كيلومترٍ ودائرتانِ حضاريّتانِ مختلفتان. فهو خصمٌ لنا لا نصير.

وأهمُّ من ذلك كلِّه: لماذا سقط؟ منهجُه مطابقةُ أسماءِ المواضعِ على الهيكلِ الساكنِ غيرِ المشكول، فردّه بيستون وبارفيت ورابينوفيتش لأنّه بلا ضابط. ومتى طُرحت الحركاتُ وأُبيح تبادلُ الصوامتِ على الهوى، استطاع قارئٌ مصمِّمٌ أن يَنقل أيَّ شيءٍ إلى أيِّ مكان، فلا يَبقى للدعوى معنى، لأنّ ما يُثبت كلَّ شيءٍ لا يُثبت شيئاً.

وتلك بعينِها التهمةُ التي نحن أشدُّ الناسِ تعرُّضاً لها، ولأجلها وضعنا قاعدةَ انتظامِ التقابلِ الصوتيّ ولم نَقبل المشابهةَ وحدَها. فالصليبيُّ برهانٌ قائمٌ على ما يُصيب عالماً جادّاً حين لا يُمسِك ذلك الخطّ. ونُسجّل عليه تصويباً أيضاً حتى لا يُنسَب إليه ما ليس له: قراءتُنا لعيسى في الطبقةِ المحوريّةِ ليست منه، فهو يَنقل الجغرافيا ويُبقي التسلسلَ الزمنيَّ التوراتيّ، ولا يجوز الاستشهادُ به عليها.

حين يَقرأ المتخصّصُ نصَّنا ضدَّنا

ومن الأمانةِ أن نَذكر موضعَين قرأ فيهما أهلُ الاختصاصِ شواهدَنا على غيرِ ما قرأناها، فرجعنا.

سِبيوس. كنّا نَعُدّه شاهداً على أنّ العربَ جماعةٌ موحِّدةٌ قديمةُ الهويّة. وجيمس هاورد-جونستون، وهو محقِّقُ نصِّ سِبيوسَ نفسِه وصاحبُ الدراسةِ القياسيّةِ في مصادرِ القرنِ السابعِ غيرِ الإسلاميّة، يقرؤه على العكسِ في الأمرَين: يؤرِّخه في حدودِ ثلاثينَ سنةً من وفاةِ النبيّ، ويَجعل موضوعَه حركةً حديثةً لا هويّةً قديمة. فسحبنا عبارةَ «قديمةٌ في هويّتِها».

وثيقةُ يعقوب. كنّا نَتّكئ على إطارِها المشيحانيِّ دليلاً. وهاورد-جونستون يُفرّق تفريقَين لم نكن نُفرّقهما: أنّ جنسَ النصِّ إقناعٌ موجَّهٌ لليهودِ لا تقريرٌ ولا مجادلة، وأنّ الإطارَ المشيحانيَّ فهمُ الكاتبِ المسيحيِّ لما بلغه لا وصفُ الحركةِ لنفسِها. فالنصُّ يَبقى شاهداً على كيف فهم مسيحيٌّ سنةَ ٦٣٤ الخبرَ، وذلك نافع؛ وليس شاهداً على أنّ الحركةَ سمّت نفسَها مشيحانيّة.

وهذانِ موضعانِ خسرناهما، ونُثبتهما لأنّ الدعوى التي لا تُسجّل خسائرَها لا يُوثَق بمكاسبِها.

ما الذي يَنقض القراءة؟

ومن علاماتِ البحثِ الصادقِ أن يَذكر ما يَنقضه. فقراءتُنا تَضعف لو ظَهرت شواهدُ خارجيّةٌ معاصرةٌ تُثبت مركزيّةً حجازيّةً مبكّرةً قويّة. وتَضعف لو ثَبت أنّ معجمَ العبادةِ نشأ مستقلّاً عن البيئةِ السريانيّة. وتَضعف لو ثَبت انقطاعٌ حادٌّ بين مؤسّساتِ ما قبلَ الإسلامِ وما بعدَه. فالقراءةُ قابلةٌ للاختبارِ والنقض، وهذا ما يَجعلها بحثاً لا عقيدة.

روحُ القراءة

ونَختم هذا الميزانَ بمبدئِنا الأخلاقيِّ والمنهجيِّ معاً: التفسيرُ بالآليّةِ لا بالنفي. يَدعو هذا الكتابُ قارئَه إلى أن يَرى عمقاً، وأن يَقرأ النشأةَ الإسلاميّةَ امتداداً وتحوُّلاً في عالمٍ عربيٍّ سريانيٍّ عراقيٍّ شاميٍّ أوسع. فالسرديّةُ، في كلِّ ما رأينا، تُكرّم العالمَ القديمَ وتَنقله وتُعيد ترتيبَه. وللقصّةِ جذورٌ أعرقُ ممّا ظَنَنّا، وهذا هو عمقُها.

وهو، في صورتِه هذه، مشروعُ بحثٍ استكشافيّ، لا أطروحةٌ نهائيّة. بعضُ استنتاجاتِه قويٌّ مدعوم، وبعضُ وصلاتِه محتمَل، وبعضُ عناصرِه تخمينيٌّ بوضوح، لكنّها موضوعةٌ كلُّها داخلَ بنيةٍ قابلةٍ للاختبارِ والنقدِ والتوسعة. وهذا أصدقُ ما يُقال فيه.

بَقيت الخاتمة. نَطوي فيها الكتابَ، ونَعود من حيث بدأنا، إلى الحجرِ في البادية.

الفصل الخامس والعشرون

خاتمة: العالَم الذي سبق

بدأنا من حجرٍ في البادية، شاهدةِ قبرٍ نُقشت سنةَ ٣٢٨ في سهلِ النَّمارةِ الأسود، تَنعَى مَلِكاً عربيّاً يُدفَن بلقبِ «ملكِ العربِ كلِّهم». ونَعود إليه الآن، بعد أن قَطعنا ستّةَ قرونٍ من القصّة. فما الذي تَغيّر في نظرتِنا إلى ذلك الحجر؟

في أوّلِ الكتابِ كان حجراً يَفتح الزمنَ، يُرينا أنّ للعربِ مُلكاً وتاريخاً قبلَ القصّةِ المعروفة. والآنَ، وقد سِرنا الطريقَ كلَّه، صار الحجرُ شيئاً أكثر: صار أوّلَ حلقةٍ في سلسلةٍ طويلةٍ متّصلة، تَمتدّ من ذلك المَلِكِ العربيِّ المسيحيِّ على الفرات، عبرَ تاجَي العرب، وسقوطِ الحيرة، والحربِ العظمى، إلى الفتنةِ وكربلاءَ وقبّةِ الصخرة، ثمّ إلى دمشقَ وبغداد. سلسلةٌ واحدةٌ، أرضُها واحدة، ولسانُها واحد، وذاكرتُها متّصلة.

ما الذي رَأيناه؟

رَأينا عالماً عربيّاً مسيحيّاً موحِّداً قائماً قبلَ الإسلامِ بقرون، له ملوكٌ وكنائسُ وأديرةٌ ولسانٌ مقدّسٌ وكوادرُ كاتبةٌ وذاكرةٌ عميقة. عالماً قطباه تاجانِ عربيّان، لخميٌّ في الحيرةِ خادمُ فارس، وغسّانيٌّ في الجابيةِ خادمُ الروم. عالماً تَنطق مدنُه لساناً واحداً بطورين، وتَحفظ كنائسُه معجمَ العبادةِ الذي سيَبلغ في القرآنِ صورتَه العليا.

ورَأينا كيف انتقل هذا العالمُ إلى القصّةِ الجديدة. لا بأن مُحي، بل بأن أُعيدت روايتُه. ملوكُه نُقلوا إلى أدوارٍ مُكرَّمة. وحروبُه أُعيد تشكيلُها على المحورِ نفسِه، العراقِ في وجهِ الشام. وأرضُه صارت مسرحَ الأحداثِ المؤسِّسة، الكوفةِ وكربلاءَ والنجف. وكلماتُه التعبُّديّةُ ارتفعت إلى تمامِها. ومؤسّساتُه، كنيستُه وكوادرُه ودواوينُه وكوادرُ طبِّه وترجمتِه، عَبَرت إلى دمشقَ وبغداد. تاجاه القديمان عادا دولتين، أمويّةً في الغرب وعبّاسيّةً في الشرق، وصراعُهما القديمُ عاد صراعاً جديداً على المحورِ نفسِه.

عمقٌ لا انتقاص

وأهمُّ ما نَودّ أن يَبقى في ذهنِ القارئِ بعد أن يَطوي هذا الكتابَ هو روحُه: أنّه كتابُ عمقٍ لا كتابُ هدم. لم نَقصد في صفحةٍ واحدةٍ أن نَنفيَ شيئاً أو نُشكّك في قداسة. قَصدنا أن نُريَ جذوراً أعمق. فالشجرةُ لا تُنتقَص بأن نَكشف جذورَها، بل يُفهَم بذلك علوُّها ورسوخُها. وكذلك النشأةُ الإسلاميّة، حين نَراها تتويجاً لعالمٍ عربيٍّ موحِّدٍ عريق، لا تَصغر، بل تَكبر، إذ نَفهمها امتداداً لتاريخٍ طويلٍ من التوحيدِ العربيِّ في هذه الأرض، لا حدثاً معزولاً في فراغ.

وهذا معنى عنوانِ الكتاب: العالَم الذي سبق. لم يَكن قبلَ الإسلامِ في هذه الأرضِ فراغٌ ولا جاهليّةٌ صرفة، بل عالمٌ عربيٌّ مسيحيٌّ موحِّدٌ غنيّ، له مُلكٌ ولسانٌ وكنيسةٌ وذاكرة. والإسلامُ المبكّر، في هذه القراءة، هو الحلقةُ التي تَلت ذلك العالمَ ورَفعته، لا الحلقةُ التي بدأت من العدم.

ما الذي يَبقى؟

ولا نَختم بدعوى الكمال. هذا مشروعُ بحثٍ مفتوح، لا أطروحةٌ مغلقة. فيه القويُّ والمحتمَلُ والتخمينيّ، وقد ميّزنا بينها بصدق. وفيه أبوابٌ تَنتظر التعميق: توسيعُ الخطِّ الزمنيِّ ودراستُه، وتعميقُ المقارناتِ المفردة، وإفرادُ كلِّ مصطلحٍ سريانيٍّ بدراسةٍ مستقلّة، وفحصُ مسألةِ القبلةِ والجغرافيا فحصاً أدقّ. والشبكةُ المعرفيّةُ التي قام عليها هذا الكتابُ تَنمو وتَتوسّع، وكلُّ عقدةٍ جديدةٍ قد تُضيف خيطاً أو تُعدّل قراءة.

فلا نَطلب من القارئِ أن يُسلّم، بل أن يَزن. فهذا سؤالٌ فتحناه لا جوابٌ أغلقناه. والسؤالُ الذي فتحه هذا الكتابُ بسيطٌ في صياغتِه، عميقٌ في أثرِه: ماذا يَحدث لفهمِنا للبداياتِ إذا وَقفنا في الحيرةِ ونَظرنا منها؟

كتابٌ وشبكةٌ حيّة

وهذا الكتابُ ليس آخرَ المطاف، بل وجهٌ واحدٌ لمشروعٍ أوسع. فخلفَه شبكةُ معرفةٍ حيّةٌ تَنمو، فيها كلُّ عقدةٍ ذكرناها، موصولةً بغيرِها بوصلاتٍ مدرَّجةِ الثقة، مذكورةِ المصدر. ومنها تُبنى خرائطُ تُرى فيها الروابطُ بالعين، وأطلسٌ يَتتبّع القصّةَ على الخريطةِ والزمنِ معاً. فمن أراد أن يَتجاوز السردَ إلى التفصيل، أن يَتتبّع وصلةً بعينِها إلى مصدرِها، أو يَزن درجةَ ثقتِها، أو يَقترح وصلةً جديدةً، فالشبكةُ مفتوحةٌ أمامَه. والكتابُ مدخلُها السرديّ، لا حدُّها.

وهذا في ذاتِه جزءٌ من روحِ المشروع: أنّه لا يُقدّم نفسَه حقيقةً مغلقة، بل بنيةً قابلةً للنموِّ والنقدِ والتصحيح. فإن صحّ بعضُ ما فيه وسقط بعضٌ، بَقيت الشبكةُ قائمةً تَستوعب الصوابَ وتُسقط الخطأ، وبَقي السؤالُ الذي فتحه حيّاً.

الكلمةُ الأخيرة

رَأينا، في كلِّ محطّةٍ من الطريق، أنّ خيوطاً متفرّقةً، حين تُتبَع إلى منابعِها، تَلتقي عند موضعٍ واحد. الجغرافيا، واللسان، والكوادر، والمؤسّسات، والأحداثُ المؤسِّسة، كلُّها تُشير إلى الجهةِ نفسِها. وحيثُ تَلتقي، تَلتقي عند الحيرة.

وهذا، في النهاية، كلُّ ما يَدّعيه هذا الكتاب: أنّ في الحيرةِ، معسكرِ العربِ على الفرات، مفتاحاً يَستحقّ أن نَجرّبه على بابِ البداية. فإن فُتح البابُ على عالمٍ أوسعَ وأعمقَ ممّا ظَنَنّا، عالمٍ عربيٍّ مسيحيٍّ موحِّدٍ سبق، فذلك ما رَجَوناه. وإن لم يُفتح، فقد بَقي السؤالُ نفسُه جديراً بأن يُطرَح، والرحلةُ من الحجرِ في الباديةِ إلى بيتِ الحكمةِ في بغدادَ جديرةً بأن تُقطَع.

تمّ الكتاب.

ملاحق

الملاحق

ملحق

النصوصُ بين يديك: مصادرُ الكتابِ الأولى

ذَكر هذا الكتابُ في فصولِه نصوصاً ونقوشاً كثيرة، لكنّه نادراً ما توقّف عند ألفاظِها. وفي هذا الملحقِ نَضع بين يدي القارئِ أهمَّ هذه النصوصِ نفسَها، كي يَرى الدليلَ بعينِه لا أن يَسمع عنه. وما يَلي تعريبٌ وتقريبٌ لمعاني النصوص، لا طبعاتٌ نقديّةٌ دقيقة، والقصدُ منه أن يَقف القارئُ على روحِ كلِّ شاهد ومضمونِه، مع الإشارةِ إلى مصدرِه ليَعود إليه من شاء التحقيق. والنقوشُ بعضُها عربيٌّ في أصلِه، وبعضُها مترجَمٌ عن السبئيّةِ أو السريانيّةِ أو اليونانيّة، ونُنبّه على ذلك في موضعِه.


١. حجرُ النَّمارة (٣٢٨م)

شاهدةُ قبرِ امرئِ القيسِ بنِ عمرٍو، محفوظةٌ في اللوفر، مكتوبةٌ بالخطِّ النبطيِّ بلسانٍ عربيّ. وقراءتُها محلُّ اجتهادٍ بين الباحثين، وهذا تقريبٌ لمعناها على القراءاتِ المشهورة:

«هذا قبرُ امرئِ القيسِ بنِ عمرٍو، ملكِ العربِ كلِّهم، الذي عَقد التاجَ، ومَلَك القبائلَ، وساس مَعَدّاً، وبلغ في غزوِه أطرافَ نجران، فلم يَبلغ مَلِكٌ مَبلغَه. هلك سنةَ ٢٢٣ [لتقويمِ بُصرى، أي ٣٢٨م]، في اليومِ السابعِ من كَسلول. فيا سعادةَ من والاه.»

(يُراجَع في طبعةِ النقوشِ الساميّة، وفي قراءةِ جيمس بِلامي ١٩٨٥. ويُناقَش في الفصلِ الثاني.)


٢. نقشُ CIH 541 (نحو ٥٤٨م)

نقشٌ سبئيٌّ على سدِّ مأربَ في اليمن، يُخلّد ترميمَ أبرهةَ للسدّ، ويَذكر الوفودَ التي حَضرت. وهذا تعريبٌ للقسمِ الذي يَهمّنا:

«...وفي ذلك الزمنِ وَفدت عليه وفودُ مَلِكِ الحبشةِ النَّجاشيّ، ومَلِكِ الروم، ومَلِكِ الفُرس، والمنذرِ مَلِكِ الحيرة، والحارثِ بنِ جبلةَ مَلِكِ غسّان، فاجتمعت عندَه رسلُ القوى كلِّها عند تمامِ السدّ.»

(يُراجَع في طبعةِ ڤالتر مولر للنقش ١٩٧٤. ويُناقَش في الفصلين الخامسِ والسادس.)


٣. تعليمُ يعقوبَ المعمَّدِ حديثاً (نحو ٦٣٤م)

حِوارٌ يونانيٌّ يهوديٌّ-مسيحيٌّ كُتب نحوَ ٦٣٤، يَرد فيه أقدمُ خبرٍ خارجيٍّ مؤرَّخٍ عن نبيٍّ عند العرب. وهذا تعريبٌ للموضع:

«وكتب إليّ أخي أبراميس أنّه قد ظهر نبيٌّ مع العرب (الساراكينوس)... فلمّا سمعتُ هذا قلتُ لشيخٍ من العارفين بالكتب: ما تقول في النبيِّ الذي ظهر مع العرب؟ فقال متنهّداً: إنّه مُضلٌّ، وهل يأتي الأنبياءُ بالسيفِ والمركبة؟ ... على أنّ هذا الذي ظهر يُبشّر بمجيءِ الممسوحِ المنتظَر.»

(يُراجَع في طبعةِ ديروش، وفي جمعِ روبرت هويلاند للمصادرِ الخارجيّة. ويُناقَش في الفصلِ العاشر.)


٤. نقشُ قبّةِ الصخرة (٧٢هـ/٦٩١م)

شريطٌ عربيٌّ أصيلٌ يَدور في ثَمانيِّ القبّةِ الداخليّ، أقدمُ نصٍّ مؤرَّخٍ يَحمل معجمَ القرآنِ علناً. ومن أبرزِ ما فيه، باللفظِ العربيِّ نفسِه:

«محمّدٌ عبدُ اللهِ ورسولُه... يا أهلَ الكتابِ لا تَغلوا في دينِكم ولا تَقولوا على اللهِ إلّا الحقّ، إنّما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسولُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه... فآمِنوا باللهِ ورسلِه ولا تَقولوا ثلاثة... سبحانَه أن يكون له ولد.»

(نصٌّ منقوشٌ موثَّق، حقّقه كريستِل كِسلر ودَرسه أوليغ غرابار. ويُناقَش في الفصلِ السابعَ عشر.)


٥. من أعمالِ مجمعِ ساليق-قطيسفون (٤١٠م)

من «المجمَع المشرقيّ»، سجلِّ مجامعِ كنيسةِ المشرق. وهذا تعريبٌ لروحِ ما أقرّه مجمعُ ٤١٠ من تنظيمٍ:

«اجتمع آباءُ الكنائسِ في مدينةِ ساليق-قطيسفونَ في عهدِ المَلِكِ يزدجرد، فأقرّوا إيمانَ آباءِ نِيقيةَ الثلاثمئةِ والثمانيةَ عشر، وجَعلوا جاثليقَ ساليق-قطيسفونَ رأساً على أساقفةِ المشرقِ كلِّهم، ورَتّبوا الكراسيَّ والمتروبوليتيّات، وفيها كرسيُّ الحيرةِ وكراسي العربِ على البحر.»

(يُراجَع في طبعةِ شابو للمجمعِ المشرقيِّ ١٩٠٢. ويُناقَش في الفصلِ الرابع.)


٦. بروكوبيوس في المنذرِ والحارث (القرنُ السادس)

من «تاريخِ الحروب» للمؤرّخِ البيزنطيِّ بروكوبيوس، المعاصرِ للأحداث. وهذا تعريبٌ لوصفِه ملكَ الحيرة:

«وكان المنذرُ، مَلِكُ العربِ التابعِ للفُرس، رجلاً بالغَ الحَزمِ والبأس، ظلّ نحوَ خمسين سنةً يَستنزف قوّةَ الرومِ ويُنهكها، يُغير على بلادِهم من أقصى مصرَ إلى أطرافِ الشام، ويَسبي ويَقتل، فلم يَقدر الرومُ على ردِّه، حتّى أقاموا في وجهِه الحارثَ ملكَ غسّان.»

(يُراجَع في «تاريخِ الحروب»، الكتابِ الأوّل. ويُناقَش في الفصلين الخامسِ والسابع.)


٧. صلاةُ نبونيد (4Q242، من قُمران)

شَذرةٌ آراميّةٌ من مخطوطاتِ البحرِ الميّت، تَحفظ صلاةً منسوبةً إلى نبونيد، آخرِ ملوكِ بابلَ الكبار، الذي أقام بتيماءَ في شمالِ الجزيرة. وهذا تعريبٌ لما بقي منها:

«كلماتُ الصلاةِ التي صلّاها نبونيدُ ملكُ بابلَ، الملكُ العظيم، حين أصابَه قُرحٌ خبيثٌ بقضاءِ اللهِ العليِّ في مدينةِ تيماء. سبعَ سنينَ بقيتُ مُصاباً... ثمّ صَفح اللهُ عن خطيئتي، وجاءني عَرّافٌ، وهو رجلٌ يهوديٌّ من المسبيّين، فقال: نادِ واكتُبْ لتُعطى المجدُ والعظمةُ لاسمِ اللهِ العليّ.»

(يُراجَع في طبعاتِ مخطوطاتِ قُمران، ترجمةِ García Martínez. ويُناقَش عند الطرفِ المحوريِّ العميقِ من الفترة، في فصلِ الإزاحةِ الزمنيّةِ وملحقِ القرابة. والشاهدُ يُؤطّر عالمَ نبونيدَ التوحيديَّ في شمالِ الجزيرة؛ وتموضعُ عيسى القرآنيِّ في هذا الأفقِ تخمينٌ مُعلَن.)


هذه شواهدُ سبعةٌ، من عدّةِ ألسنةٍ وأقاليم، تَلتقي على صورةِ العالمِ الذي رَسمه هذا الكتاب: عربٌ لهم مُلكٌ وتاجٌ قبلَ القصّةِ المعروفةِ بقرون، وكنيسةٌ منظَّمةٌ بأساقفةٍ عرب، وتاجانِ يَتقابلان في وثيقةٍ واحدة، ونبيٌّ يَظهر على الثغرِ الشماليِّ في خبرٍ مبكّر، ومعجمٌ قرآنيٌّ يُنقَش أوّلَ مرّةٍ في حوارٍ مع المسيحيّة، وملكٌ قديمٌ يَعتزل في شمالِ الجزيرةِ فيُوحّد إلهَه عند الطرفِ الأبعدِ من الفترة. من أراد أن يَزن الكتابَ، فليَزنه على هذه النصوصِ نفسِها.

ملحق

خطٌّ زمنيّ: من حجرِ النَّمارة إلى بيتِ الحكمة

جدولٌ بأبرزِ المحطّاتِ التي مرّ بها الكتاب، يُقرأ من أعلى إلى أسفل. التواريخُ ميلاديّةٌ ما لم يُذكَر غيرُها، وبعضُها تقريبيّ. يَبدأ الخطُّ من الطرفِ العميقِ للفترةِ في القرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، ثمّ يَمتدّ على الزمنِ الموثَّقِ من حجرِ النَّمارةِ إلى بيتِ الحكمة، فيَرى القارئُ قوسَ الفترةِ كلَّه في صفحةٍ واحدة.

السنةالحدث
نحو ٥٥٠ ق.مالطرفُ العميقُ للفترة: نبونيد يُوحّد إلهَ القمرِ سين، ويَعتزل عَشرَ سنينَ في تيماء
القرنُ السادسُ ق.مالموجةُ المحوريّة: زرادشت وبوذا ولاوتزو، وعندها يَضع الكتابُ عيسى القرآنيّ (تخمينٌ مُعلَن)
٣٢٨حجرُ النَّمارة: امرؤُ القيسِ بنُ عمرٍو «ملكُ العربِ كلِّهم»
نحو ٣٠٠–٦٠٢مملكةُ الحيرةِ اللخميّةُ (المناذرة)، تاجُ فارسَ العربيّ
٤١٠مجمعُ ساليق-قطيسفون: تنظيمُ كنيسةِ المشرقِ تحتَ الجاثليق
٤٢٤كنيسةُ المشرقِ تَستقلّ عن الغربِ (مجمعُ داديشوع)
٥١٢نقشُ زَبَدٍ الثلاثيُّ اللغة (يوناني-سرياني-عربي)
٥٢٣مذبحةُ نجران (ذو نُواسٍ الحِمْيَريّ)، أصحابُ الأخدود
نحو ٥٢٥التدخُّلُ الحبشيُّ في اليمنِ (كاليب/النجاشيّ)
٥٢٨نقشُ جبلِ أُسَيس، يَذكر «الحارثَ الملكَ» الغسّانيّ
نحو ٥٤٧–٥٤٨نقشُ CIH 541: ترميمُ سدِّ مأرب، ووفودُ القوى الخمس
نحو ٥٥٢حملةُ أبرهةَ الشماليّة (المرشَّحةُ لعامِ الفيلِ في قراءةِ هذا الكتاب)
٥٥٤يومُ حَليمة / قِنَّسرين: الحارثُ الغسّانيُّ يَقتل المنذرَ الثالثَ اللخميّ
٥٦٨نقشُ حَرّانَ (يوناني-عربي)
نحو ٥٦٨–٦٤٥المدى الكربونيُّ لرِقاقِ برمنغهام القرآنيّة
نحو ٥٧٠عامُ الفيلِ ومولدُ النبيِّ في التأريخِ التقليديّ (إزاحةٌ نحوَ ١٨ سنة)
نحو ٥٨٠–٦٠٢حُكمُ النعمانِ الثالث، آخرِ ملوكِ الحيرة
٦٠٢سقوطُ لخم: مقتلُ النعمانِ الثالثِ على يدِ كسرى الثاني
نحو ٦٠٩يومُ ذي قار: أوّلُ انتصارٍ عربيٍّ كبيرٍ على فارس
٦٠٢–٦٢٨الحربُ العظمى بين فارسَ والروم
٦١٤الفُرسُ يَفتحون القدسَ ويَأخذون الصليب
٦٢٨هِرَقلُ يَستعيد القدسَ والصليب
نحو ٦٣٤«تعليمُ يعقوب»: أقدمُ شاهدٍ خارجيٍّ على نبيٍّ عند العرب
نحو ٦٥٠جمعُ المصحفِ في صورتِه العثمانيّةِ (التأريخُ التقليديّ)
نحو منتصف القرن ٧طِرْسُ صنعاءَ القرآنيّ (نصٌّ أسفلُ غيرُ قياسيّ)
٦٥٦وقعةُ الجَمَل (أوّلُ الفتنةِ الأولى)
٦٥٧وقعةُ صِفِّين (عليٌّ ومعاوية)
٦٦١قيامُ الدولةِ الأمويّةِ، عاصمتُها دمشق
٦٨٠كربلاء: مقتلُ الحسينِ في العاشرِ من مُحرَّم
٦٨٤مرجُ راهط: كلبٌ تُثبّت المُلكَ المروانيّ
٦٩١قبّةُ الصخرة: أقدمُ نقشٍ مؤرَّخٍ بمعجمِ القرآن
نحو ٦٩٦إصلاحُ السَّكّة: الدينارُ العربيُّ الكتابيُّ الخالص
٧٥٠الدعوةُ العبّاسيّةُ تُسقط الأمويّين
٧٦٢تأسيسُ بغدادَ قربَ المدائنِ الساسانيّة
نحو ٧٨٠–٨٢٣الجاثليقُ طيمثاوسُ الأوّلُ ببغداد
نحو ٧٥٠–٩٠٠حركةُ الترجمةِ وبيتُ الحكمة

ملحق

معيارُ القرابةِ اللغويّة: الذهبيُّ والمُتجاوِز

كلُّ ما في هذا الكتابِ من رَبطٍ لغويٍّ بين العربيّةِ وأخواتِها يَخضع لمعيارٍ واحد، نُسمّيه هنا صريحاً ليَزِنَ القارئُ به كلَّ دعوى. والمعيارُ بسيط: متى نَقول إنّ كلمتين قريبتان قرابةً حقيقيّة، ومتى نَقف عند حدِّ الشَّبَهِ الذي يُنير ولا يُثبِت. وقد جَرى في الكتابِ التمييزُ بين الدرجاتِ في مواضعِه، لكنّ هذا الملحقَ يَجمع القاعدةَ في مكانٍ واحد، ويَعمل مثالين نموذجيّين حتى آخرِهما: ج-ز-ر وهـ-و-د. ثم يَذكر، بالقدرِ نفسِه من الصراحة، المواضعَ التي يُغادر فيها المشروعُ أرضَ العلمِ المُجمَعِ عليه إلى تخميناتِه الخاصّة، التي لا يَتبعه فيها باحثٌ معروف.

القاعدةُ الذهبيّة: جذرٌ واحدٌ يَحمل صورةً واحدة

المعيارُ الأنظفُ أن يَجتمع شرطان معاً: جذرٌ ساميٌّ واحدٌ موروث، وصورةٌ معنويّةٌ واحدةٌ يَحملها هذا الجذرُ في أكثرَ من لهجةٍ من لهجاتِ اللسانِ الواحد. ومثالُه الذهبيُّ جذرُ ج-ز-ر، «القطعُ والفصل». في طقسِ يومِ الكفّارةِ يُساق كبشُ عزازيلَ إلى «أرضِ الجَزَرة» (اللاويّون ١٦:٢٢)، أرضٍ مقطوعةٍ نائية. وفي رؤيا العظامِ اليابسةِ يَصرخ المسبيّون «نِجزَرنا» (حزقيال ٣٧:١١)، أي «قُطِعنا». وفي العربيّةِ يُعطي الجذرُ نفسُه «جَزَرَ» (قَطَع وذَبَح) و«الجَزْرَ» (انحسارَ الماء) و«الجزيرةَ»، الأرضَ التي قَطَعها الماء. جذرٌ واحدٌ، صورةٌ واحدةٌ، عبر العبريّةِ والعربيّة.

ثم تأتي الحُجّةُ التي تَرفع هذا المثالَ فوق المقارنةِ المجرّدة: «الجزيرةُ» اسمُ أعالي الرافدين، بلدِ حرّان، وله أصلٌ سريانيٌّ مُثبَتٌ هو «گازَرتا / گوزَرتو» على الثغرِ نفسِه. فالتشابهُ هنا ليس صدفةً بين لفظين، بل سلسلةٌ زمنيّةٌ حقيقيّةٌ من الآراميّةِ إلى العربيّةِ تَمرّ بقلبِ الأرض. هذا هو معنى «لسانٍ واحدٍ بلهجات»: قرابةٌ مَعروضةٌ بالشاهد، لا مُدَّعاةٌ بالرغبة. وهذه الدرجةُ، حين تَكتمل شروطُها، قويّة. وعليها نَقيس سائرَ الكتاب.

الدرسُ الثاني: هـ-و-د، حيثُ يَنتهي القويُّ ويبدأ الرنين

المثالُ الثاني يُرينا أين يَنتهي القويُّ ويبدأ الرنينُ الذي يُنير ولا يُلزِم. جذرُ هـ-و-د عربيٌّ أصيلٌ معناه الرجوعُ والتوبة. يُفسّر الطبريُّ «هُدْنا إليك» (الأعراف ١٥٦) بـ«تُبنا إليك» بسندٍ عن الصحابة، ويُفسّر «الذين هادوا» (البقرة ٦٢) بـ«تابوا»، بل يَذكر أنّ «اليهودَ» سُمّوا «لأنّهم قالوا إنّا هُدْنا إليك». ويُعطي ابنُ منظورٍ «الهَوْدَ» معنى «التوبة»، ويَجمع الراغبُ الحقلَ كلَّه، الهوادةَ والتهويدَ والتوبةَ، في «الرجوعِ برِفق». هذا حقلٌ دلاليٌّ عربيٌّ داخليٌّ قويّ، لا يَحتاج إلى لغةٍ أخرى.

والأقوى منه هديّةٌ يُعطيها الراغبُ نفسُه: «اليهود» (من «هُدْنا إليك») و«النصارى» (من «أنصاري إلى الله») اسما مدحٍ تَجمَّدا من عَهدٍ لفظيٍّ باستجابةٍ صالحةٍ إلى اسمٍ ثابتٍ للجماعة. مرجعٌ كلاسيكيٌّ مُسَمّىً يَشهد لآليّةِ «التكريمِ والنقلِ» دونَ أيِّ نحوٍ مُختَلَق.

هنا يَقف القويّ. وما وراءَه رنين. أن نَقرأ الاسمَ القائمَ «اليهود» نفسَه فعلاً مضارعاً حيّاً، قوماً يَرجعون أبداً ولا يَصِلون، تَفسيرٌ بلاغيٌّ لا صَرفيّ: لا شاهدَ كلاسيكيٌّ عليه، والاسمُ يَعمل عملَ الأسماء، وهو بأل التعريفِ مَصروفٌ يأخذ الكسرةَ في الجرّ، لا ممنوعاً من الصرف. بل إنّ «يهوذا» العبريَّ من جذرٍ آخرَ هو ي-د-ه «الحمد»، فالأرجحُ أنّ «هادوا» تَوريةٌ عربيّةٌ بديعةٌ على اسمٍ نسبيٍّ دخيل، جناسٌ بين جذرين لا أصلٌ واحد. فنَحتفظ بالتوريةِ موضعَ تأمّل، ولا نَبني عليها حُكماً.

القرابةُ ليست التبعيّةَ النصّيّة

ويَنبغي أن نُفرِّق فرقاً حاسماً يَسقط عنه كثيرٌ من الدراساتِ المتعجّلة. أن نُثبِت جذراً واحداً وصورةً واحدةً بين نصّين شيءٌ، وأن نَزعم أنّ أحدَ النصّين أَخذ عن الآخرِ ونَقَله شيءٌ آخرُ تماماً. المعيارُ الذهبيُّ يُثبِت القرابةَ، أي أنّ اللفظين ابنا أصلٍ واحدٍ يَحمل صورةً واحدة. وهو لا يُثبِت التبعيّةَ النصّيّة، أي أنّ القرآنَ «نَقَل» من سِفرِ اللاويّينَ أو من المِشنا.

والمشروعُ في هذا الكتابِ لا يَدّعي التبعيّةَ النصّيّة؛ بل يَقرأ المشتركَ ميراثاً من لسانٍ واحدٍ وعالمٍ واحد، لا اقتراضاً متأخّراً من كتابٍ بعينِه. وهذا فرقٌ في الدعوى، وفرقٌ في الأمانة: التبعيّةُ النصّيّةُ تَحتاج إلى ما هو أكثرُ من تشابهِ الجذر، تَحتاج إلى مسارِ انتقالٍ موثَّقٍ كالذي رأيناه في «گازَرتا». وحيثُ لا مسارَ موثَّقٌ، نَقف عند القرابةِ ولا نَدّعي النقل.

حيثُ يُغادر المشروعُ إجماعَ العلم

ومن تمامِ الصدقِ أن نُسمّي المواضعَ التي يَتجاوز فيها هذا الكتابُ ما يَقبله البحثُ المُجمَعُ عليه، إلى قراءاتٍ هي للمشروعِ وحدَه لا يَتبعه فيها باحثٌ معروف. نَذكر منها ثلاثاً صريحةً.

الأولى، مطابقةُ عيسى القرآنيِّ بالملكِ البابليِّ نبونيد. الصلةُ بين نبونيدَ وتيماءَ وحرّانَ وعبادةِ القمرِ موثَّقةٌ قويّة، ونقشُ الحائطِ (٢٠٢١) أحدُ أمتنِ شواهدِها. لكنّ القفزةَ من ذلك إلى أنّ نبونيدَ هو عيسى قفزةٌ يَنفرد بها المشروع، نَطرحها خيطاً للتأمّلِ لا حُكماً، ولا يَسندها نصٌّ ولا عالِم.

الثانية، عكسُ اتّجاهِ السبي، أي أن تكونَ الجزيرةُ مَصدرَ خطِّ النبوّةِ لا محطّةً مرّ بها. أنّ الواحاتِ كانت فضاءً يهوديّاً توحيديّاً متّصلاً موثّقاً أمرٌ قويّ، لكنّ جعلَها مَنشأً للقصّةِ كلِّها قراءةُ المشروعِ نفسِه، لا تُثبِتها المصادر.

الثالثة، قراءةُ «اليهود» اسماً-فعلاً حيّاً كما مرّ. وهي، كما بيّنّا، بلاغةٌ لا صَرف.

هذه الثلاثُ نُعلِنها بوضوح، لا لنَتبرّأ منها، بل لنَضعها في درجتِها الصحيحة: تخميناتٌ من المشروعِ توضَع تحتَ ضوء، لا حقائقُ يُطالَب القارئُ بالتسليمِ بها.

درسٌ في الاستشهاد: لا تَستشهد بمصدرٍ على عكسِ ما يقول

وآخرُ ما يُمليه المعيارُ درسٌ في الاستشهادِ نفسِه: لا تَستشهد بمصدرٍ على عكسِ ما يقول. وقد صحّحنا في شبكةِ المشروعِ موضعين وقع فيهما هذا الخطأ، ونَذكرهما عِبرةً.

الأوّل، اسمُ «عسي» (ʿsy) في النقوشِ الصفويّة. كان يُستشهَد ببحثِ الجلّادِ والمناصير عليه دعماً لقِدَمِ الاسمِ قبلَ الميلاد، والبحثُ نفسُه («الاسمُ الإلهيُّ ʿsy قبلَ الإسلام»، ٢٠٢٢) يُؤرّخه للقرنِ الرابعِ الميلاديِّ بوصفِه أثرَ وصولِ المسيحيّةِ إلى البادية. فالشاهدُ يَخدم نقطةَ «لا اقتراضَ متأخّر»، لا نقطةَ القِدَمِ المحوريّ، وهكذا صار في الشبكة.

الثاني، «صلاةُ نبونيد» من قُمران. كانت تُقرأ دعماً لتوحيدِ سينَ القمريّ، والنصُّ نفسُه يَجعل الشافيَ هو «العليَّ»، إلهَ اليهود، ويَجعل نبونيدَ يَنبذ أصنامَه. فالنصُّ يَعكس الدعوى لا يَسندها، وهو يَسبق إنجيلَ مرقسَ بنحوِ قرنٍ ونصف، لا بثلاثةِ قرونٍ كما قيل سابقاً. صحّحنا ذلك كلَّه.

والعِبرةُ واحدة: المصدرُ يُؤخَذ بما يقوله هو، لا بما نَتمنّى أن يقول. وهذا شرطٌ في المعيارِ لا يَقلّ عن شرطِ الجذرِ والصورة.

خلاصةُ المعيار

خلاصةُ المعيارِ أنّ هذا الكتابَ يَطلب من قارئِه شيئاً واحداً: أن يَزِنَ كلَّ دعوى بدرجتِها. فحيثُ اجتمع جذرٌ واحدٌ وصورةٌ واحدةٌ ومسارٌ موثَّق، كما في «الجزيرة»، فتلك قرابةٌ قويّة. وحيثُ شَهد مرجعٌ كلاسيكيٌّ مُسَمّىً، كما في موازنةِ الراغبِ بين اليهودِ والنصارى، فذلك سَندٌ متين. وحيثُ أَنار الشَّبَهُ دونَ أن يَكتمل شرطُه، كقراءةِ «اليهود» فعلاً، فذلك رنينٌ يُذكَر للتأمّلِ لا للبناء. وحيثُ انفرد المشروع، كعيسى-نبونيد وعكسِ السبي، فتلك قراءتُه وحدَه، مُعلَنةً بدرجتِها. هذا هو حدُّ الفصلِ بين الذهبيِّ والمتجاوِز، وبه يُوزَن الكتابُ كلُّه.

ملحق

مصطلحاتٌ وأعلام

دليلٌ موجزٌ بأهمِّ المصطلحاتِ والأعلامِ التي تَكرّرت في الكتاب، ليَعود إليه القارئُ متى التبس عليه اسمٌ أو لفظ.

مصطلحاتُ المشروع

  • الإزاحةُ الزمنيّة: احتمالُ أن يكون زمنُ التشكُّلِ الأوّلِ أبكرَ من التأريخِ التقليديِّ بنحوِ قرن.
  • الانتقالُ الجغرافيّ: أنّ مركزَ الثِّقَلِ الأوّلَ شماليٌّ عراقيٌّ لا حجازيٌّ خالص.
  • الأسماءُ ألقاباً: أنّ كثيراً من الأسماءِ المؤسِّسةِ صفاتٌ دينيّةٌ أو سياسيّةٌ قبلَ أن تَستقرّ أعلاماً.
  • اللسانُ الواحد: أنّ السريانيّةَ والعربيّةَ مستويانِ للسانٍ واحد، وعربيّةُ القرآنِ أحدثُ صُوَرِه وأعلاها.
  • الاستمرارُ البنيويّ: أنّ الأمويّةَ امتدادُ الشبكةِ الغسّانيّة، والعبّاسيّةَ امتدادُ الشبكةِ اللخميّة.
  • التفسيرُ بالآليّةِ لا بالنفي: أنّ السرديّةَ تُكرّم رجالَ العالمِ القديمِ وتَنقلهم إلى أدوارٍ جديدة، لا تَنفيهم.
  • درجاتُ الثقة: قويّة، محتمَلة، تخمينيّة، منافِسة.

مصطلحاتٌ سريانيّةٌ ودينيّة

  • حيرتا د-طَيّايَ: «معسكرُ العرب»، اسمُ الحيرةِ بالسريانيّة.
  • صلوتا / صوما / زكوتا / قريانا / مشلمانا: نظائرُ سريانيّةٌ للصلاةِ والصومِ والزكاةِ والقرآنِ والمسلم.
  • الرَّشامة: طقسُ التطهُّرِ بالماءِ في الشرقِ المسيحيِّ والمندائيّ، يُقارَن بالوضوء.
  • بَحِيرَى (bḥīrā): «المختارُ» أو «المُجاز»، لقبٌ رهبانيٌّ سريانيّ.
  • رحمنان: «الرحمن»، اسمُ الإلهِ الواحدِ في نقوشِ حِمْيَرَ التوحيديّة.
  • الجاثليق: رأسُ كنيسةِ المشرق (الكاثوليكوس).
  • كنيسةُ المشرق (تُسمّى النسطوريّةَ في المصادرِ الغربيّة): الكنيسةُ المسيحيّةُ في الإمبراطوريّةِ الفارسيّة، ثُنائيّةُ الطبيعةِ في مسيحِها.
  • الميافيزيّة: المذهبُ المسيحيُّ القائلُ بطبيعةٍ واحدةٍ للمسيح، مذهبُ الغساسنة.
  • الرَّسم: الهيكلُ الحرفيُّ المجرَّدُ من النقطِ والشكل.
  • القبلة: وجهةُ الصلاة.

أعلامُ الأماكن

  • الحيرة: عاصمةُ المناذرةِ على الفراتِ الأسفل، مركزُ ثِقَلِ المشروع.
  • الجابية: عاصمةُ الغساسنةِ في حوران.
  • المدائن (ساليق-قطيسفون): عاصمةُ فارسَ الساسانيّةِ ومركزُ كنيسةِ المشرق.
  • الكوفة: مدينةٌ بُنيت على أرضِ الحيرة، معقلُ التشيُّعِ والثقلِ العراقيّ.
  • الرُّصافة (سَرجيوبوليس): مدينةُ القدّيسِ سرجيوسَ، كاتدرائيّةُ الغساسنة.
  • البتراء: عاصمةُ الأنباط، تُطرَح مركزاً شماليّاً منافِساً.
  • جنديسابور: معقلُ الطبِّ النسطوريِّ في فارس.

أعلامُ الأشخاص

  • امرؤُ القيسِ بنُ عمرٍو: صاحبُ حجرِ النَّمارة، جدُّ بيتِ لخم.
  • المنذرُ الثالث: أعظمُ ملوكِ الحيرةِ في القرنِ السادس، قُتل يومَ حَليمة.
  • الحارثُ بنُ جبلة: أعظمُ ملوكِ غسّان، خادمُ الروم.
  • النعمانُ الثالث: آخرُ ملوكِ الحيرة، تَنصّر وقُتل سنةَ ٦٠٢.
  • هندُ بنتُ النعمان: ابنتُه الراهبةُ، جسرٌ بشريٌّ إلى العصرِ الجديد.
  • الحليمتان: حليمةُ بنتُ الحارثِ صاحبةُ يومِ حليمة، وحليمةُ السعديّةُ مُرضِعةُ النبيّ؛ اسمٌ واحدٌ عند مفصلَين، يقرؤه الكتابُ قرينةً على الأسماءِ ألقاباً (الجذرُ ح-ل-م: الحِلمُ والرؤيا).
  • أبرهة: ملكُ اليمنِ الحبشيّ، صاحبُ نقشِ مأربَ وحملةِ الفيل.
  • عديُّ بنُ زيدٍ والنابغة: شاعرا بلاطِ الحيرة.
  • عبدُ الملكِ بنُ مروان: الخليفةُ الأمويُّ، صاحبُ قبّةِ الصخرةِ وإصلاحِ السَّكّة.
  • ميسونُ الكلبيّة: أمُّ الخليفةِ يزيد، من المجالِ الغسّانيّ.
  • بختيشوعُ وحنينُ بنُ إسحاق: أطبّاءُ ومترجمو كنيسةِ المشرقِ في بغداد.
  • طيمثاوسُ الأوّل: جاثليقُ كنيسةِ المشرقِ ببغداد.

ملحق

مراجعُ وقراءاتٌ أبعد

هذا الكتابُ مدخلٌ سرديّ، لا دراسةٌ بالحواشي. وهذه قائمةٌ موجزةٌ بأبرزِ ما استند إليه أو حاوره، ليَجد القارئُ الراغبُ في التحقيقِ طريقَه. ونُكرّر أنّ ذكرَ عملٍ هنا لا يَعني إقرارَه جملةً، فبعضُها حاورناه ونَقدناه، كما بَيّنّا في مواضعِه.

النصوصُ والنقوشُ الأولى

  • نقشُ النَّمارة: في مدوّناتِ النقوشِ الساميّة، وقراءةُ James A. Bellamy, "A New Reading of the Namārah Inscription", JAOS (1985).
  • نقشُ CIH 541: Walter W. Müller وغيرُه؛ ودراساتُ Christian Robin في نقوشِ اليمن.
  • «المجمَع المشرقيّ» (Synodicon Orientale): طبعةُ J.-B. Chabot (1902).
  • «تعليمُ يعقوبَ المعمَّدِ حديثاً» (Doctrina Jacobi): طبعةُ Déroche؛ وضمن Robert Hoyland, Seeing Islam As Others Saw It (1997).
  • نقوشُ قبّةِ الصخرة: Christel Kessler (1970)؛ ودراسةُ Oleg Grabar.
  • بروكوبيوس، تاريخُ الحروب؛ وثيوفانس؛ و«تاريخُ خوزستان»؛ وشمعونُ أسقفُ بيت أرشام و«كتابُ الحميريّين».
  • المصادرُ العربيّةُ الكلاسيكيّة: الطبريّ، والبلاذريّ، وابنُ هشام، والأصفهانيّ (الأغاني)، وياقوت.

الطرفُ المحوريُّ العميقُ ومعيارُ القرابة

  • نقشُ نبونيد عند الحائطِ (Padakku) شمالَ الجزيرة، المنشورُ سنةَ ٢٠٢١، في إصلاحِه الدينيِّ وإقامتِه بتيماء.
  • «صلاةُ نبونيد» (4Q242) من قُمران، ضمن طبعاتِ مخطوطاتِ البحرِ الميّت (García Martínez).
  • Paul-Alain Beaulieu, The Reign of Nabonidus, King of Babylon (1989).
  • Ahmad Al-Jallad & Ali al-Manaser، في الاسمِ الإلهيِّ «ʿsy» في النقوشِ الصفويّة (2022).
  • Karl Jaspers, The Origin and Goal of History (1953)، في «العصرِ المحوريّ».

الدراساتُ الحديثة

  • Patricia Crone & Michael Cook, Hagarism (1977).
  • Patricia Crone, Meccan Trade and the Rise of Islam (1987).
  • John Wansbrough, Quranic Studies (1977).
  • Robert Hoyland, Seeing Islam As Others Saw It (1997)، وIn God's Path (2015).
  • Fred Donner, Muhammad and the Believers (2010).
  • Christoph Luxenberg, Die syro-aramäische Lesart des Koran (2000).
  • Karl-Heinz Ohlig (محرّر)، أعمالُ مدرسةِ إينارا.
  • Dan Gibson, Qurʾānic Geography (2011)، وEarly Islamic Qiblas (2017).
  • David A. King، في تاريخِ تحديدِ القبلةِ والفلكِ الشعبيّ.
  • Irfan Shahîd, Byzantium and the Arabs (سلسلة).
  • Greg Fisher, Arabs and Empires before Islam (2015).
  • Isabel Toral-Niehoff, Al-Ḥīra: Eine arabische Kulturmetropole (2014).
  • Theodor Nöldeke, Geschichte des Qorāns؛ Arthur Jeffery, The Foreign Vocabulary of the Qurʾān (1938)؛ Alphonse Mingana.
  • Gustav Rothstein, Die Dynastie der Laḫmiden (1899).
  • Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture (1998).
  • Behnam Sadeghi & Mohsen Goudarzi, "Ṣanʿāʾ 1 and the Origins of the Qurʾān", Der Islam (2012).
  • Barbara Roggema, The Legend of Sergius Baḥīrā (2009).
  • Jan Retsö, The Arabs in Antiquity (2003).

الوثائقُ المؤرَّخةُ والشهاداتُ المضادّة

هذه المراجعُ تخصُّ ما يَقطع على قراءتِنا لا ما يُؤيّدها، ونُفردها بعنوانٍ لأنّ القارئَ ينبغي أن يَجدها مجموعةً لا مبثوثة.

  • PERF 558، برديّةُ إهناسيا ثنائيّةُ اللغة، جُمادى الأولى سنةَ ٢٢: منشورةٌ عندَ Adolf Grohmann.
  • توما القسّ وحاشيةُ المخطوطِ BL Add. 14461: في A. Palmer, S. Brock, R. Hoyland, The Seventh Century in the West-Syrian Chronicles (Liverpool, 1993).
  • يعقوبُ الرهاويّ، رسائلُه إلى يوحنّا الأسطونيّ، ومنها فقرةُ القِبلة: بتحقيقِ Nau، ومترجَمةً في R. Hoyland, Seeing Islam As Others Saw It (Princeton, 1997)، وهو المرجعُ الجامعُ لشهاداتِ غيرِ المسلمينَ كلِّها.
  • James Howard-Johnston, Witnesses to a World Crisis (Oxford, 2010)، وR. W. Thomson & J. Howard-Johnston, The Armenian History Attributed to Sebeos (Liverpool, 1999)، وفيه التعليقُ التاريخيُّ الذي يَقرأ سِبيوسَ على غيرِ ما قرأناه.
  • Ilkka Lindstedt, Muhammad and His Followers in Context (Brill)، مفتوحُ الوصول، وفيه إحصاءُ النقوشِ وأرقامُ شواهدِ يثرب.
  • Kamal Salibi, The Bible Came from Arabia (1985)، مع ردودِ A. F. L. Beeston وTudor Parfitt، وهي السابقةُ التحذيريّةُ في المنهج.

مراجعُ التراثِ في المعرَّبِ وتوافُقِ اللغات

  • السيوطيّ، «الإتقان في علومِ القرآن»، النوعُ المفرَدُ لِما وقع فيه بغيرِ لغةِ العرب.
  • الشافعيّ، «الرسالة»، في سَعةِ لسانِ العرب.
  • السيوطيّ، «المهذَّب فيما وقع في القرآنِ من المعرَّب».
  • الجواليقيّ، «المعرَّب»، بتحقيقِ أحمد محمد شاكر، وهو المجموعُ القائمُ في الجهةِ المقابلة.

ملاحظة

من أرادَ التوسُّعَ في وصلةٍ بعينِها، فالنصوصُ الأولى مجموعةٌ بتراجمِها في ملحقِ النصوص، وشبكةُ المشروعِ المعرفيّةُ تُحيل كلَّ وصلةٍ إلى مصدرِها ودرجةِ ثقتِها.