العالَم الذي سبق
❦

العالَم الذي سبق

قراءةٌ في نشأة الإسلام من جهةِ الحيرة

٢٥ فصلاً · ٥ ملاحق · من حجرِ النَّمارة إلى بيتِ الحكمة

↓ للقراءة، أو افتح الفهرس

القسم ١

المسرح (نحو ٣٠٠–٥٠٠م)

الفصل الأوّل

تمهيد: لماذا نقرأ البداياتِ من جهةِ الحيرة؟

نعرف قصة بدايات الإسلام من الحجاز، من الوادي الذي وصفه القرآن بأنه «غيرَ ذي زرعٍ» (إبراهيم ٣٧). في هذه القصة مدينة تعيش على التجارة، وقبائل لها معبوداتها، ثم دعوة تغير حياة العرب وتخرج بهم إلى البلاد المجاورة. وقد استقرت هذه الصورة في الذاكرة حتى صار ما حول الحجاز بعيداً عن أصل الحكاية. غير أن للعرب، قبل ذلك بقرون، مدناً وملوكاً وكنائس في العراق والشام واليمن. ومن هذا العالم نعيد رواية البدايات.

كانت الحيرة على الفرات الأسفل، قريبة من الموضع الذي نشأت فيه الكوفة ومن المدائن عاصمة الفرس. تعاقب على ملكها المناذرة نحو ثلاثة قرون، وعاش فيها عرب مسيحيون، وأحاط بها نحو أربعين ديراً. كانت العربية تجري في أسواقها وبيوتها، والسريانية في صلواتها وكتبها. هذه المدينة، التي تقع على هامش القصة التقليدية أو تغيب عنها، هي في هذا الكتاب مركز الثقل. وما بقي من عالمها في النقوش وسجلات الكنائس وشعر البلاط يفسر كثيراً مما نقرؤه في أخبار الإسلام الأول.

ومن هنا مكان الحيرة في هذه القراءة. فالعالم العربي المسيحي، عالم المناذرة والغساسنة وكنيسة المشرق، لم يكن خلفية بعيدة للقصة، بل هو جزء من مادتها التأسيسية نفسها: منه تكونت الدعوة والدولة واللسان الديني، إلى جانب ما ترويه الأخبار عن الحجاز. وكثير مما نقرؤه حدثاً جديداً بلا سابقة له سابقة قريبة في ذلك العالم. وكلما اتصل خبر من الأخبار به ظهر وراءه تاريخ أطول، ورجال ومؤسسات سبق لهم أن عاشوا على الأرض نفسها.

الفترة من الرسل

يقول القرآن: «يا أهلَ الكتابِ قد جاءكم رسولُنا يُبيّن لكم على فترةٍ من الرسل» (المائدة ١٩). وتفهم القراءة المعتادة هذه الفترة على أنها نحو ستة قرون بين عيسى ومحمد. أما قراءتنا فتجعلها قوساً يقارب ألف سنة، له طرفان والحيرة في وسطه: نشأة أقدم للحركة في القرن السادس الميلادي، وعيسى القرآني في موجة التوحيد المحورية في القرن السادس قبل الميلاد، إلى جانب نبونيد وزرادشت وبوذا.

هذه أوسع فرضيات الكتاب وأجرؤها. فطرفها القريب يقدم زمن التشكّل الأول بنحو قرن على التأريخ الذي استقر في الرواية الإسلامية، وطرفها البعيد يصل عيسى القرآني بالعصر المحوري. ويغذي الطرفان أحدهما الآخر: العمق يفسر طول الفترة، والقرب يفسر كيف أعيد تأريخ طرفها الأدنى إلى الأمام. والذي يحمل التوحيد عبر القوس كله هو العالم العربي الموحد المتمحور حول الحيرة وممر الواحات. ومن هذا الامتداد جاء اسم «العالم الذي سبق»، عند طرفي القوس كليهما.

خمس فرضيات

تدخل مسألة الزمن في خمس فرضيات تتصل إحداها بالأخرى، خمس زوايا نظر إلى صورة واحدة. أولها الإزاحة الزمنية بطرفيها القريب والبعيد. زمن التشكّل الأول أقدم مما استقر عليه التأريخ التقليدي بنحو قرن، في عالم الحيرة في القرن السادس؛ ننتهي إليه بعد أن نجمع الشهادات التي جاءت من خارج الرواية الإسلامية، ونقارن ملامح النشأة ببيئة القرنين الخامس والسادس. أما عيسى القرآني في الموجة المحورية قبل الميلاد فهو أجرأ ما في الكتاب، نفتح حجته في فصل الإزاحة.

وثانيتها مركز الحيرة والعراق في الجغرافيا الأولى. وهي من أكبر فرضيات المشروع أثراً. للحيرة والكوفة والمدائن وكربلاء حضور متصل في الشواهد وفي الأخبار اللاحقة، وقسم مهم من الجغرافيا الأولى مرتبط بهذا الفضاء العراقي أكثر مما تفترضه الصورة الحجازية الخالصة التي استقرت لاحقاً. والتمركز العراقي في الشواهد أقوى بكثير مما تظهره الصورة المبسطة.

وثالثتها قراءة الأسماء المؤسِّسة بوصفها ألقاباً. فالمنذر نذير، وهو لقب تكرر في ملوك لخم، والمحمود صفة مدح، والعلي من ألفاظ الرفعة. ومنظومة من الألقاب الدينية والسياسية أخذت، مع انتقال الأخبار وتدوينها، صورة أعلام لأشخاص: صارت الصفات أشخاصاً والألقاب أعلاماً. ولكل اسم شواهده الخاصة، نعرضها في موضعها.

ورابعتها اللسان الواحد بمستويات كثيرة. السريانية والعربية ليستا لغتين أجنبيتين إحداهما عن الأخرى، بل مستويان من لسان واحد تفرع باختلاف البلاد والأزمنة. ففي السريانية صور سابقة لألفاظ الصلاة والصوم والزكاة والقرآن، وعربية القرآن أحدث صور هذا اللسان وأعلاها، الصورة التي ارتفع بها إلى تمامه. وكانت الحيرة إحدى البيئات التي عاش فيها اللسان الديني واللسان اليومي معاً.

وخامستها استمرار شبكات الحكم. وهي أنضج الفرضيات من ناحية الشبكة. الدولة الأموية امتداد للمجال الغساني الشامي البيزنطي، والدولة العباسية امتداد للمجال اللخمي العراقي الساساني. والمقصود استمرار الأرض والقبائل والكتبة والإدارة والمال والمؤسسات؛ فالدعوى تتعلق بما ورثته الدولتان من رجال وأعمال وصلات، لا بنسب بيولوجي مباشر بين البيوت الحاكمة. والصراع الأموي العباسي، على هذه القراءة، إعادة إنتاج متأخرة للاستقطاب القديم بين غسان ولخم.

ولكل فرضية من الخمس درجتها، نسميها صريحة في موضعها. أقواها شواهد مركز الحيرة والعراق، واستمرار المؤسسات، وحضور السريانية في المصطلحات والكوادر. وأجرؤها وأبعدها مدى الإزاحة الشاملة بطرفها المحوري العميق، ورد معظم الأسماء التأسيسية إلى ألقاب. وهذا التمييز نفسه من منهج الكتاب، وسيظهر مع كل حجة في موضعها.

الشواهد والذاكرة

تسجل النقوش والسجلات الكنسية وأخبار الجيران جانباً من التاريخ قبل أن تصوغه كتب المؤرخين المسلمين. لذلك نتخذ منها إطاراً لتأريخ الأحداث: سجلات كنيسة المشرق السريانية، وأخبار بروكوبيوس وغيره من اليونانيين والبيزنطيين، والنصوص الحبشية، ونقوش اليمن والشام، ومنها النمارة وCIH 541، ووثيقة «تعليم يعقوب». تأتي هذه الشهادات من تقاليد مختلفة عن التقليد الذي استقرت فيه قصة النشأة، ولا مصلحة لها في القصة التي ندرسها، فهي تؤطر المجال تأطيراً مستقلاً وتتيح مقابلة الأخبار المتأخرة بما عرفه المعاصرون.

وليست كل وصلة في هذا الكتاب في منزلة واحدة. فالنمارة ومجمع سنة ٤١٠ ونقوش الغساسنة موثقة توثيقاً قوياً. وبعض الوصلات قراءة تستند إلى قرائن تجتمع، وبعضها قرينة تنير الطريق، وبعضها قراءة منافسة نذكرها باسم أصحابها ونجيب عنها. وسنسمي هذه الدرجات بأسمائها كلما لزم، فلا نخلط القوي بالتخميني في سلة واحدة.

أما كتب الطبري والبلاذري وابن هشام وابن الأثير والأصفهاني صاحب «الأغاني» وياقوت، فهي خزانة معظم تفاصيل المناذرة والغساسنة والحيرة وأيام العرب. كتبت الرواية الإسلامية الكلاسيكية بعد الأحداث بقرن أو أكثر، وحفظت مع ذلك مادة غنية عن العالم الذي تصفه. فنقرأ أصحابها بإجلال بوصفهم شهوداً على عالمهم، ونزنهم مع الشاهد الخارجي، ونجمع بين الذاكرتين، ونقرأ كذلك ردود الباحثين المسلمين المحدثين الذين دافعوا عن التأريخ المبكر وناقشوا أطروحات المدرسة النقدية.

وتقوم قراءة الذاكرة هنا على آلية النقل والتكريم، وهي روح الكتاب كله. فالجماعة تحفظ رجلاً من رجال عالمها القديم ثم تمنحه، حين تعيد رواية تاريخها، دوراً شريفاً في القصة الجديدة. تتغير منزلته في السرد، وتبقى شخصيته محفوظة. فالملك المسيحي الذي حكم على الفرات تذكره الكتب اللاحقة في دور مكرَّم، وهذا بالضبط ما تتوقعه الفرضية. والذاكرة الجمعية نادراً ما تمحو، وإنما تعيد ترتيب ما تحفظ. وبهذه الآلية يتصل الإسلام المبكر بتاريخ عالم عربي موحد أقدم منه، فيكون تتويجاً لذلك العالم، لا انقطاعاً مفاجئاً في صحراء خالية.

البحث الحديث

منذ سبعينيات القرن العشرين توسع البحث النقدي في مصادر النشأة الإسلامية. حاولت باتريشيا كرون ومايكل كوك في «الهاجرية» (Hagarism) قراءة البدايات من المصادر غير الإسلامية وحدها، ودرس جون وانسبرو تكوّن النص. ثم جمع روبرت هويلاند شهادات الجيران في «رؤية الإسلام كما رآه الآخرون»، وبحثت كرون تجارة مكة، واقترح كريستوف لوكسنبرغ قراءة سريانية للقرآن. وجاءت أعمال مدرسة إينارا بإشراف كارل هاينتس أوليغ، وأبحاث دان غِبسون في اتجاهات القبلة المبكرة. وكان يوليوس فلهاوزن قد فتح قبل هؤلاء باب النقد التاريخي للمصادر العربية.

تختلف نتائج هؤلاء الباحثين فيما بينهم، ولكل أطروحة منهم ناقدوها. ويأخذ هذا الكتاب من ذلك البحث منهجه: تقديم الشاهد المعاصر ومقابلته بالخبر المتأخر. وما يميزه عنهم أنه لا يكتفي بالنقد، بل يقيم للحيرة مركزاً بديلاً للثقل، ويبني حوله شبكة من الروابط تجمع اللغة والجغرافيا والمؤسسات والأنساب. وتبقى المصادر العربية مادة هذه الشبكة الأولى.

من النمارة إلى بغداد

تبدأ الحكاية بحجر قبر مؤرخ بسنة ٣٢٨، يحمل لقب «ملكَ العربِ كلِّهم». ومنه نصل إلى الحيرة ولسانها وكنيستها، ثم إلى القرن السادس، حين تنازع ملكا العرب التابعان لفارس والروم، وجرت في اليمن والحبشة أحداث بقيت أصداؤها في القرآن. وفي سنة ٦٠٢ سقط ملك لخم، وأعادت الحرب الكبرى ترتيب البلاد بين الإمبراطوريتين، ثم ظهرت الحركة الجديدة في شهادات الجيران.

وعند هذه الأحداث تدخل مسائل الزمن والأسماء وعيسى القرآني في العصر المحوري. ثم تمتد المقارنة إلى الفتنة الأولى على أرض لخم، وكربلاء واليوم العاشر، وقبة الصخرة والسكة حين حملت الدولة ألفاظ القرآن على مبانيها ونقودها. وبعد دمشق الأموية في مجال غسان، وبغداد العباسية قرب المدائن، تتضح وجوه الميراث في الرجال والإدارة والشعائر. وفي الفصول الأخيرة نركّب الصورة كلها، ونرتب القوي والافتراضي كلاً في درجته.

وفي كل محطة نرى خيوطاً متفرقة، حين تتبع إلى منابعها، تلتقي عند موضع واحد هو الحيرة. وأول شاهد في هذا التاريخ خمسة أسطر حُفرت على حجر في بادية الشام.

الفصل الثاني

حجرُ النَّمارة: ميلادُ مُلكٍ عربيّ

عثر الباحثون سنة ١٩٠١، في النمارة جنوب شرق دمشق على أطراف بادية الشام، على شاهدة قبر من البازلت الأسود. انتقل الحجر إلى متحف اللوفر في باريس، وبقيت عليه خمسة أسطر تخبر عن ملك عربي مات سنة ٣٢٨ للميلاد. هذه الأسطر الخمسة أقدم نص عربي ذي بال نملكه، وهي تفتح كتابنا لأنها تفتح الزمن الذي ندرسه قبل بدايته المعروفة بثلاثة قرون.

ما يقوله الحجر

صاحب القبر امرؤ القيس بن عمرو. وقد سجل النقش وفاته في السنة الثالثة والعشرين بعد المئتين من تقويم بُصرى، وهي سنة ٣٢٨ للميلاد. فنحن على عتبة مؤرخة من داخل الشاهد نفسه، قبل الرجوع إلى الأنساب والأخبار التي دُوّنت بعده.

الكلمات عربية، والحروف من الخط النبطي الآرامي الذي نمت منه الكتابة العربية في القرنين أو الثلاثة التالية. فنحن أمام لسان عربي يلبس ثوب خط آرامي. وهذه الحقيقة وحدها، قبل أن نقرأ معنى النص، تدل على فكرة سنعود إليها كثيراً: العربية والآرامية السريانية متجاورتان، تتبادلان الخط والمفردة والصيغة، لا عالمان منفصلان.

وهذا تقريب لمعنى الأسطر على القراءات المشهورة:

«هذا قبرُ امرئِ القيسِ بنِ عمرٍو، ملكِ العربِ كلِّهم، الذي عَقد التاجَ، ومَلَك القبائلَ، وساس مَعَدّاً، وبلغ في غزوِه أطرافَ نجران، فلم يَبلغ مَلِكٌ مَبلغَه. هلك سنةَ ٢٢٣ [لتقويمِ بُصرى، أي ٣٢٨م]، في اليومِ السابعِ من كَسلول. فيا سعادةَ من والاه.»

تتصل صورة الملك هنا بالقبائل وبمَعَدّ، ويمتد خبر غزوه إلى أطراف نجران. فهذا سلطان عربي يصل مجال الفرات في الشمال بنجران في أقصى الجنوب، تحت لقب يجمع العرب تحت تاج واحد.

لقب الملك ومدى سلطانه

أعاد جيمس بِلامي سنة ١٩٨٥ قراءة بعض كلمات النقش، وناقش جان رِتسو وغيره دلالة اسم العرب واللقب الجامع لهم. فمنهم من يفهم العبارة دعوى سيادة عامة، ومنهم من يعدها مبالغة في رثاء الملك أو لقباً أضيق من ظاهرها. وما يثبت مهما اختلفت القراءة هو ما نبني عليه: رجل عربي، سنة ٣٢٨، دُفن تحت لقب ملكي جامع للعرب، في خط نبطي يلفظ عربية.

أما اللقب نفسه فمحفوظ على الحجر. كان رجل عربي في القرن الرابع يُدفن بوصفه ملكاً، وتُذكر له قبائل وأعمال وغزوات. فالقصة المألوفة تبدأ من عرب متفرقين في صحراء لا تجمعهم دولة حتى القرن السابع، والحجر يرينا قبل ذلك بثلاثة قرون حياة سياسية عربية لها ملك وكتابة ووعي بأنهم «العرب كلهم». ولم يقم هذا الملك في الحجاز، بل في المجال الذي يصل الفرات ببادية الشام، على ثغور فارس والروم. فمركز ثقل العرب المنظم في القرن الرابع شمالي، وهذه أولى لمسات فرضية الحيرة والعراق.

وللقب صلة بمسألة الأسماء التي سيأتي تفصيلها. فعبارة «ملكُ العربِ» ليست اسم رجل بعينه، بل وظيفة ومنزلة يعلنها النقش لصاحب القبر، وكانت بيوت الحكم تتوارث ألقاباً كهذه. وإذا كان لقب بهذا الثقل قائماً سنة ٣٢٨، فالألفاظ الدينية والسياسية التي تظهر أعلاماً في الرواية اللاحقة لها جذور في هذا العالم القديم. والنمارة تضع هذا السؤال في موضعه الصحيح، عند أول ملك عربي موثق.

امرؤ القيس وبيت لخم

تنسب الأخبار العربية ملوك الحيرة إلى بيت لخم، وتضع امرأ القيس بن عمرو في أوائل هذا البيت. وحجره أقدم مرسى عربي صلب للسلالة التي تشغل هذا الكتاب من أوله إلى آخره، بعد أن سمّى نقشان فارسيان عمراً ملكَ لخم، كما يأتي في الفصل الثالث: شاهد مؤرخ بالعربية على الرجل الذي حفظت له الأخبار مكاناً في نسب المناذرة، ويُقابل به ما ترويه تلك الأخبار عن تعاقب رجال البيت.

وامرؤ القيس هذا غير الشاعر صاحب المعلقة الذي عاش بعده بنحو قرنين. حمل ملكان من بيتين ملكيين اسماً واحداً، وتباعد زمانهما. وهذا درس مبكر في فرضية الأسماء: الاسم يتنقل بين البيوت والأجيال، ويتعين صاحبه بالتاريخ والنسب.

يجتمع في النمارة لقب ملكي لا اسم ميلاد، ومركز ثقل شمالي لا حجازي، ولسان عربي بخط آرامي، وبيت لخم الذي تتبعه حجة الاستمرار. هذه بذور فرضيات الكتاب كلها، كامنة في صورتها الأولى في هذا القبر، وستتكرر في كل شاهد بعده: الصلة بين العرب والإمبراطوريتين، ونمو الكتابة، وميراث البيوت الحاكمة.

والحجر يحفظ ذاكرة ملك عربي قديم. وحين تعاد رواية العالم في القرون اللاحقة لا تختفي هذه الذاكرة، بل تعاد صياغتها وتنقل إلى موضعها الجديد في القصة. ومهمة هذا الكتاب أن يتتبع، خطوة خطوة، كيف انتقلت تلك الذاكرة وكُرّمت. ومن شاهد النمارة تتجه الحكاية إلى الحيرة، المدينة التي حملت ملك لخم نحو ثلاثة قرون.

الفصل الثالث

الحيرة: معسكرُ العرب

قامت الحيرة على الفرات الأسفل، على بعد كيلومترات قليلة من الموضع الذي نشأت فيه الكوفة، وقريبة من المدائن عاصمة فارس الساسانية. وتسميها المصادر السريانية «حيرتا د-طَيّايَ»، أي «معسكرَ العرب»، وفي الاسم تلخيص لها: ثغر يلتقي فيه عرب البادية ورجال المدينة بإدارة الإمبراطورية وجيشها وأسواقها.

حكم المناذرة، أو اللخميون، هذا المجال من نحو سنة ٣٠٠ إلى سنة ٦٠٢. كانوا يحمون ثغر فارس الغربي، وفي الجهة المقابلة كان الغساسنة يحمون ثغر الروم في الشام. وكانت المسيحية حاضرة في المدينتين وفي عرب الإقليمين، وإن اختلفت مذاهبها وأحوال الملوك الذين تعاقبوا عليهما. فالحيرة أحد قطبي عالم عربي مسيحي يمتد من العراق إلى الشام، ومن هذا الجوار والتنافس نشأ جانب كبير من الحياة السياسية للعرب قبل الإسلام.

العربية والسريانية في حياة المدينة

كانت العربية لسان السوق والبيت والشعر، والسريانية لسان الكنيسة والكتاب المقدس. وعاش أهل الحيرة صلات يومية بين هذين الاستعمالين: يبيع الرجل بالعربية ويصلي بالسريانية، ويتصل شعر الكاتب بما يسمعه ويقرؤه في العبادة. فهذان مستويان من لسان واحد تفرع في البلاد والأزمنة، لا لغتان متجاورتان. وهذه هي الفرضية الرابعة في صورتها الحية، تنشأ من حياة الناس وأعمالهم، وستتضح أمثلتها في الفصل التالي.

وفي قلب المدينة جماعة العِباد، أي «عبادَ الله»، وهم نخبتها العربية المسيحية. جمعهم الدين والإقامة وخدمة البلاط، وهم من بطون عربية متعددة. خرج منهم كتبة وشعراء وسفراء وأطباء؛ فعملوا في الديوان بالفارسية والعربية، وحملوا ألفاظ العبادة السريانية إلى الحياة العربية، وتنقلوا بين الحيرة والمدائن والشام.

وحول المدينة نحو أربعين ديراً حفظ الجغرافيون العرب أسماءها. كانت فيها صلوات ونسخ للكتب وتعليم، وفي صوامعها وقلّاياتها خلوة النسّاك. وقد درس جان موريس فييه أبرشيات العراق وأديرته، وجمعت إيزابيل تورال-نيهوف في دراستها «الحيرة: حاضرة عربية ثقافية» أخبار النخبة والشعر والمدارس. ومن هذه الدراسات تخرج صورة لا لبس فيها: حاضرة ثقافية كبرى لها ثقافة مكتوبة ومؤسسات تعيش فيها أجيال، لا قرية بدو على أطراف الملك.

وتنسب روايات نشأة الخط العربي أوائله إلى الأنبار والحيرة، أي إلى هذه البيئة بعينها. فيد الكاتب العبادي هي التي خطت أوائل الحروف التي كُتب بها المصحف بعد أجيال، والحيرة مهد الكتابة العربية في هذه البيئة المسيحية. والشواهد الحجرية المؤرخة في زَبَد وأُسَيس وحَرّان تثبت مراحل هذه الكتابة نفسها، وستأتي في الفصل التالي.

أديان متجاورة وميراث باق

وجدت في الحيرة وما حولها كنيسة المشرق وأساقفتها وأديرتها، وجماعات يهودية ومانوية، وبقايا عبادات النجوم في العراق، وعرب على الوثنية. فكل جماعة يجادلها القرآن ويخاطبها كانت حاضرة في هذا الموضع الواحد: النصارى في قولهم عن المسيح، واليهود في كتابهم، والمشركون في معبوداتهم، والصابئة الذين تصلهم هذه القراءة بعبادة النجوم. والمكان الذي تجتمع فيه هذه الخصومات كلها متجاورة هو الحيرة وما حولها، لا واحة معزولة في عمق الجزيرة.

وبقي للإقليم وزن بعد زوال ملك المناذرة. نشأت الكوفة بجوار الحيرة، وصارت مركزاً للسياسة العلوية والشيعية الأولى وللدعوة العباسية. وفي هذا المجال النجف وكربلاء ومشاهدهما، فكأن ثقلاً روحياً وسياسياً يتجمع، جيلاً بعد جيل، في الأرض التي كانت عليها مملكة الحيرة. كما بقي الكتبة والإدارة واللسان الديني الذي كانت له في السريانية صور سابقة لألفاظ القرآن. فإذا جمعنا الجماعات المتجاورة، والاستمرار المؤسسي والجغرافي، واللسان الديني الحامل، وجدنا خيوط القرآن المتفرقة تلتقي عند هذه المدينة. وهذا معنى قولنا إن الحيرة مركز الثقل: المكان الذي تتقاطع عنده حجج المشروع المتفرقة.

زنادقة قريش والحيرة

يربط ابن قتيبة في «المعارف» زندقة قريش بالحيرة، ويقول من أين أخذوها: من الحيرة. ويورد ابن حبيب في «المحبر» قائمة بمن وصفوا بزنادقة قريش، منهم أبو سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط، وأُبَيّ بن خلف، والنضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج. فخبر الصلة بالحيرة وقائمة الأسماء محفوظان في مصدرين مختلفين، وتختلف القوائم في روايات أخرى لابن حبيب. والمعدودون رؤوس خصوم الدعوة في مكة، لا هامشيون؛ ومصنف سني من القرن الثالث، في كتاب مراجع لا كتاب جدل، يقرر خبراً عادياً أن تياراً دينياً في سادة مكة عشية الإسلام جاء من هذه المدينة. (ابن قتيبة، «المعارف»، أديان العرب في الجاهلية؛ ابن حبيب، «المحبر»، ص ١٦١.)

وابن قتيبة يستعمل لفظاً شاع في زمنه لوصف قوم عاشوا قبله بقرنين. وهذا لا يسقط الخبر بل يشحذه: فحين سئل التقليد عن دين سادة مكة غير الوثنية لم يسكت، ولم يقل يهودية ولا نصرانية، بل مد يده إلى أقرب اسم بدعة عنده، وأعطى عنواناً في الطريق. وأصل «زنديق» الفارسية الوسطى «زنديك»، المتصلة بـ«زَند»، أي تفسير الأبستاق. وتظهر الكلمة في نقوش كِردير في القرن الثالث بين الجماعات التي حاربها. ثم صارت في العصر العباسي تهمة لها ديوان وعقوبة، واتصل حدها الفقهي بكتمان الكفر، بينما كان للردة الصريحة اسمها وأحكامها.

فالزنديك ليس وثنياً؛ هو رجل يمشي على التفسير، يقرأ النص فيخرج منه بجواب آخر. وحين يستعمل ابن قتيبة هذه الكلمة بعينها في سادة مكة، ثم يسمي الحيرة مصدراً لما أخذوه، فهو لا يتهمهم بالوثنية، بل بعكسها في معجم الكلمة: بأنهم كانوا داخل عالم الكتاب، يقرؤونه على غير وجهه. والذاكرة هنا تحفظ عنهم خلافاً يتجاوز عبادة الأصنام إلى قراءة النصوص والأخبار. ولا يحتاج شيء في هذا الكتاب إلى أن يكونوا مانويين بالاسم؛ يكفي أن التقليد نفسه، حين سمى مصدر البديل، سمى هذه المدينة.

وللنضر بن الحارث خبر آخر في السيرة: كان يتجر إلى الحيرة، وتعلم فيها أخبار رستم وإسفنديار، ثم رواها بمكة في مقابلة ما يتلى من القرآن. وهذا هو السياق الذي تصل فيه الرواية الرجل بتهمة ﴿أساطيرُ الأوّلين﴾. فالرجل نفسه في سجلين: في كتاب المعارف زنديقاً مكياً، وفي السيرة رجلاً ذهب إلى الحيرة فعاد بأدب منافس. ولم يؤلف أحد الخبرين لنصرة الآخر، واختلاف موضوعهما يزيد من قيمة هذه الصلة.

تدل الأخبار في صورتها المحفوظة على حركة دينية وأدبية بين مكة والحيرة. فالتقليد نفسه يعرف لسادة مكة مصادر معرفة وخصومة في الشمال، ويسمي المدينة التي جاء منها بعض ذلك. وبهذا يسقط الفرض القائل إن مكة لم يكن بينها وبين الشمال سير ديني، ولا عندها ما تجادل فيه، وتتصل مكة بالعالم الذي كانت الحيرة من مراكزه.

الحيرة وحِراء

يتقارب اسما الحيرة وحِراء في الجرس، وتجمع أديرة الحيرة بين العبادة والعزلة كما تصف السيرة التحنث في غار حِراء. وللقرينة ساقان غير متساويتين. الساق اللفظية أخفهما: يرد اللغويون الاسمين إلى جذرين مختلفين، فنضعها في أدنى درجات القرينة.

أما الساق الوظيفية فأثقل، وهي الخلوة. تصف السيرة اعتزال الرجل ليالي ذوات عدد للتعبد، وهذا بعينه نظام الخلوة الذي عاشته صوامع النسّاك وقلّايات الرهبان في عالم الحيرة وأديرتها الأربعين، ممارسة موثقة في أدب الديارات. فالممارسة التي يفتتح بها خبر الوحي ممارسة نسكية شرقية معروفة، لا طقس حجازي وثني. وتبقى هذه الساق قائمة في درجة الاحتمال بقطع النظر عن الصلة بين الاسمين.

ويقع قرب الحيرة كذلك خندق سابور، الذي يذكر الإخباريون أن الساسانيين حفروه لحماية الريف من غارات العرب. وفي السيرة خبر خندق المدينة ومشورة سلمان الفارسي به، لأنه من هندسة الفرس لا تعرفها العرب. فالسيرة تثبت بلسانها أن الخندق علامة فارسية عراقية الموطن، وأقرب خنادق ذلك العالم إلى العرب خندق الحيرة. نضع الرابط في درجة التخمين، وتحته حقيقتان صلبتان: خندق سابور موثق، وإسناد المشورة إلى فارسي محفوظ في الرواية نفسها.

لخم في النقوش

يسجل نقش شابور الأول على كعبة زرتشت بنقش رستم، نحو سنة ٢٦٠، قائمة من رجال بلاط أردشير الأول، وفيهم «عَمرو ملكُ لخم». والنقش مكتوب بثلاث لغات. وبعده بنحو ثلاثين سنة يدرج نقش بايكولي للملك نَرْسي «عَمرو ملكَ لخم» بين من أقروا بملكه. ثم يأتي حجر النمارة سنة ٣٢٨ وفيه امرؤ القيس بن عمرو.

فعمود الحيرة لم يعد قائماً على كتب القرن التاسع وحدها. التسلسل الذي كنا نقرؤه في الأخبار مثبت بالحجر، بخطين، من إمبراطوريتين: نقش ساساني في القرن الثالث، ثم بايكولي، ثم شاهدة عربية في المجال الروماني بعد بايكولي بخمس وثلاثين سنة. وذكر لخم في نقش شابور يسبق ذكرها في بايكولي. أما كون عمرو المذكور أولاً هو نفسه عمرو المذكور في بايكولي فسؤال مفتوح؛ وتاريخ الشهادة نفسه ثابت.

ومن هذه الشواهد تمتد أخبار البيت متصلة إلى سنة ٦٠٢، فهي أطول سلسلة ملك عربية موثقة عندنا، وتمنح دراسة الملك العربي سلسلة طويلة من الأسماء والتواريخ، يقابل فيها كل اتصال في نسب الأخبار بما يثبته النقش عند موضعه.

مجمع في معسكر العرب

اجتمعت كنيسة المشرق سنة ٤٢٤ في مجمع داديشوع، وقررت أن أهل المشرق لا يستأنفون الحكم على جاثليقهم إلى بطاركة الغرب، وأن الجاثليق لا يحكم عليه إلا المسيح. وقع ذلك قبل مجمع أفسس بسبع سنين؛ فالانفصال قضائي سابق للعقيدة، سابق للخلاف الذي اشتهر بعد إدانة نسطور. وكان مجمع ٤١٠ مرحلة في تنظيم الكنيسة، ثم جاء مجمع ٤٢٤ بالقطع الدستوري الحقيقي في مرجع الحكم.

ويحدد السجل موضع الاجتماع في مَركَبتا دطيّايا، أي «مَركَبِ الطيّايي»، في بيت أرمايي داخل مدار لخم. ويسميه معسكر العرب، حرفاً لا تأويلاً. ففي المجال الذي حكمه ملوك عرب أعلنت كنيسة المشرق استقلالها القضائي، واجتمعت في موضع يحمل في اسمه هوية أهله. والكنيسة التي ورثها المسلمون في العراق أعلنت استقلالها في معسكر عربي، وهذا عنوان الفصل في وثيقة كنسية من القرن الخامس.

الحيرة بعد سنة ٦٠٢

حين أنهى كسرى الثاني ملك المناذرة سنة ٦٠٢ بقيت الحيرة وإدارتها. وُلي عليها إياس بن قبيصة الطائي، وأقيم إلى جانبه مرزُبان فارسي يتولى الحامية والمال. تحولت المملكة التابعة إلى ولاية تجبى مباشرة لقطيسفون، واستمر هذا الترتيب نحو خمس عشرة سنة. فالجهاز لم ينج فحسب، بل أعيد توجيهه: تغير رأس الحكم وطريقة صلته بالإمبراطورية، واستمر عمل المدينة تحت السلطة الجديدة.

وكان إياس نفسه قائد الجانب الفارسي في ذي قار. فالمعركة جمعت قبائل في مواجهة إدارة الحيرة التابعة لفارس، وعلى رأس تلك الإدارة رجل من طيّئ. وفي سيرته يتمثل الجسر المؤسسي الذي يقوم عليه هذا الكتاب: المناصب نفسها، والمدينة نفسها، وبيت المال نفسه، وسيد مختلف، ووال عربي يدير ذلك كله.

يبقى من تاريخ الحيرة مجتمع عربي له شعر وكتابة، وكنيسة منظمة، وصلات دينية وإدارية عبر العراق والشام. فإذا وجدنا في القصة المعروفة مدينة تجمع الأديان، وكتبة يحملون لساناً مقدساً، ومشاهد تتجمع، وصراعاً يتكرر، فهذه كلها حاضرة موثقة في الحيرة قبل القصة المعروفة. والذاكرة حين تعيد رواية نفسها لا تخترع من العدم، بل تعيد ترتيب ما حفظت؛ فما حفظته الحيرة يظهر، منقولاً ومكرماً، في القصة اللاحقة. وأقرب تلك الأمور إلى الحياة اليومية لسان العبادة؛ ففي كلماته نتتبع ما عرفه أهل الحيرة وما عرفه من جاء بعدهم.

الفصل الرابع

لسانٌ واحدٌ بمستويين

كان أهل الحيرة يسمعون العربية في السوق والشعر، والسريانية في الصلاة وقراءة الكتاب المقدس. وتلتقي كلمات اللسانين في الجذور والصيغ والمعاني، كما تلتقي معهما العبرية وسائر الآرامية في الأسرة السامية. وقد اعتاد الباحثون أن يتصوروا السريانية لغة والعربية لغة أخرى، وأن يسموا ما ينتقل بينهما اقتراضاً تأخذه لغة من جارتها. وهذا التصور يفصل ما كان متصلاً: فهذه الألسنة صور لأصل واحد تفرع في الأقاليم والأزمنة.

اللسان ووجوه استعماله

تقوم فكرة اللسان الواحد على ما تتقاسمه هذه الألسنة من بنية صرفية وجذور ثلاثية وحقول دلالية. يعرف المتكلم بإحداها كثيراً من جذور الأخرى وصيغها دون تعلم جديد، وإن اختلف النطق والاستعمال. فإذا تقابل لفظ ديني عربي ولفظ سرياني فنحن أمام كلمة واحدة في لسان واحد تفرع في أقاليمه، لا عربية تستعير من سريانية. وفي الحيرة كان للسريانية مقام المستوى المكتوب المتعالي في الكنيسة والكتاب، وللعربية مقام المستوى المنطوق في الكلام اليومي والشعر.

ونقرأ عربية القرآن في هذا الإطار بوصفها أحدث صور اللسان الواحد وأعلاها. فقد انتهت فيها الكلمات إلى تمام من الفصاحة والتعبير، بعد أن عاشت صوراً أقدم في السريانية. فالطور السرياني سابق، والطور العربي القرآني لاحق وأعلى، وكلاهما من شجرة واحدة. وهذا يحفظ للقرآن مكانته، ويفهمه امتداداً وارتقاء، لا نقلاً ولا استعارة. وتاريخ كل كلمة وصلتها بأختها يتبين بالمقارنة بين شواهدها، كما سنفعل في مواضعها.

كنيسة المشرق

اجتمع مسيحيو الإمبراطورية الفارسية سنة ٤١٠ في ساليق-قطيسفون، برئاسة الجاثليق إسحاق، وبسند الملك يزدجرد الأول. وحضر الأسقف ماروثا مبعوثاً من الروم. أقر المجمع قانون نيقية، ونظم الكراسي الأسقفية تحت جاثليق العاصمة؛ ومن بينها كرسي الحيرة على الفرات، وكراسي العرب على ساحل الخليج في بيت قطرايي.

حفظ «المجمع المشرقي»، وهو سجل سرياني لأعمال المجامع، خبر هذا التنظيم. وهذا تعريب لروحه:

«اجتمع آباءُ الكنائسِ في مدينةِ ساليق-قطيسفونَ في عهدِ المَلِكِ يزدجرد، فأقرّوا إيمانَ آباءِ نِيقيةَ الثلاثمئةِ والثمانيةَ عشر، وجَعلوا جاثليقَ ساليق-قطيسفونَ رأساً على أساقفةِ المشرقِ كلِّهم، ورَتّبوا الكراسيَّ والمتروبوليتيّات، وفيها كرسيُّ الحيرةِ وكراسي العربِ على البحر.»

فهذا، قبل القرآن بقرنين، دستور كنيسة منظمة لها رأس وكراس عربية، مكتوب بالسريانية ومحفوظ. وبعد ذلك، في سنة ٤٢٤، أعلنت الكنيسة استقلال جاثليقها عن الحكم القضائي لبطاركة الغرب. واعترفت الدولة الساسانية بها جهة تمثل مسيحيي الإمبراطورية. وامتدت كراسيها من الحيرة وميسان في جنوب العراق إلى جنديسابور ومرو والخليج، وكان لها في نصيبين مدرسة تخرّج الأساقفة والكتبة والأطباء.

فلم تكن المسيحية العربية قبل الإسلام كنائس بدو متفرقة، بل مؤسسة ضخمة واثقة يرعاها الملوك، تحفظ السجلات وتنظم التعليم وتدير الأبرشيات بالعربية والسريانية. وهذه المؤسسة هي ما لم تخترعه الخلافة بل ورثته، كما تبين حجة الاستمرار في آخر الكتاب.

شواهد الكتابة العربية

على عتبة مزار للقديس سرجيوس في زَبَد، جنوب شرق حلب، نص مؤرخ بسنة ٥١٢، يجمع اليونانية والسريانية والعربية، ويسمي النص العربي باني المزار. وعلى بازلت جبل أُسَيس، جنوب شرق دمشق، سجل رجل سنة ٥٢٨ أن «الحارثُ الملكُ» أرسله إلى موضع حامية؛ والملك هو الحارث بن جبلة الغساني. وفي حَرّان باللجاة عتبة مزار بناه شَرَحيل سنة ٥٦٨، وعليها اليونانية والعربية.

هذه من أقدم الشواهد المؤرخة بالخط العربي. وفي زبد وحران كتبت العربية على بناء مسيحي إلى جانب لغة أخرى، وفي أُسَيس ظهرت في خدمة ملك عربي مسيحي وحامية. فالخط العربي نفسه يتبلور في هذه البيئة المسيحية، والعربية التي نزل بها القرآن كانت لها، قبل ذلك بأجيال، حياة مكتوبة على الثغر المسيحي. وهذه هي الفرضية الرابعة في الحجر: العربية مكتوبة مع السريانية واليونانية في بيوت العبادة.

دراسات الألفاظ القرآنية

نبّه تيودور نولدكه في «تاريخ القرآن» إلى أثر السريانية في ألفاظه، وجمع آرثر جِفري ما عده وافداً من السريانية والحبشية والفارسية وغيرها في «المفردات الأجنبية في القرآن». وكتب ألفونس مِنغانا عن «الأثر السرياني في أسلوب القرآن». ثم اقترح كريستوف لوكسنبرغ إعادة قراءة مواضع على أساس سرياني آرامي.

ولقراءة لوكسنبرغ ناقدوها الكثيرون، وتفاصيلها موضع خلاف بينه وبينهم. أما الإطار العام، أن المعجم الديني القرآني يلتقي بالطور السرياني، فأقدم من لوكسنبرغ وأرسخ من تفاصيله، وفي أعمال نولدكه ومِنغانا وجِفري مادته. والفرق بين قراءتنا وقراءة من يتحدث عن الاقتراض أننا لا نرى لغتين متباعدتين تستعير إحداهما من الأخرى، بل لساناً واحداً ذا أطوار، آخرها وأعلاها عربية القرآن.

توافق اللغات في التراث

بحث علماء العربية وعلوم القرآن هذه المسألة قبل الدرس الحديث. أفرد السيوطي في «الإتقان» نوعاً لما وقع في القرآن بغير لغة العرب، ونقل عن جمهور المتقدمين نفي المعرب عنه. وسمى الشافعي وأبا عُبيدة معمر بن المثنى وابن جرير الطبري والقاضي أبا بكر الباقلاني وابن فارس. احتجوا بعربية القرآن وبسعة لسان العرب، وقد وصفه الشافعي في «الرسالة» بأنه أوسع الألسنة. وفسروا ما تتشابه فيه العربية والفارسية والسريانية والحبشية بتوافق اللغات، أي وقوع لغتين على الكلمة نفسها.

وهذا الجمهور حليف لنا في النصف الأهم من الدعوى: نتفق معه على أن القرآن ليس مقترضاً، وأن ألفاظه عربية أصيلة، وذاك هو الجواب في وجه من يقول «استعار». ثم نفترق في تفسير الاشتراك: تفسيرهم توافق بين لسانين، وتفسيرنا أصل واحد ذو مستويات. فهما دعويان، والثانية دعوانا نحن، نقيمها على هذا الأساس المشترك.

وفي التراث رأي آخر لأبي عُبيد القاسم بن سلّام: الكلمة أعجمية الأصل ثم تصير عربية بالاستعمال والتعريب. وجمع الجواليقي في «المعرّب» ما عُدّ من هذا الباب. فالباب مفتوح في تراثنا كما هو مفتوح في الدرس الحديث، وندخله من بابه بالمقارنة اللغوية في كل حالة.

الرها وبنو أبجر

تكونت السريانية الفصحى في الرُّها، أورهاي. وحكمها بنو أبجر من نحو سنة ١٣٢ قبل الميلاد إلى منتصف القرن الثالث، وهم سلالة عربية الأصل نبطية، تتكلم الآرامية وتكتبها. تكرر في ملوكها اسما أبجر ومعنو نحو عشرة أجيال. وهذا ما نقوله عن لخم في الحيرة وجفنة في الجابية حرفاً: بيت عربي يحكم مدينة آرامية الكتابة بين الإمبراطوريتين، لكن قبلهما بثلاثة قرون، وعلى النقود والحجر. ومناوبة أبجر ومعنو هي مناوبة المنذر والنعمان بعينها.

تثبت النقود والنقوش جانباً من تاريخ هذا البيت. ومن الشواهد السريانية المبكرة المؤرخة نقش بيرَجِك سنة ٦ للميلاد، وتحفظ حولية الرها من أرشيف المدينة خبر فيضان سنة ٢٠١، وفيه ذكر «كنيسةِ النصارى» التي هدمها الماء، وهو أقدم ذكر مؤرخ لمبنى كنيسة. أما اسم معنو فبعين، من حقل م-ع-ن، فهو غير مَناة وغير ماني.

إنجيل في كتاب واحد

يذكر القرآن «الإنجيل» مفرداً، كتاباً أُوتيه عيسى. وعرفت الكنائس الناطقة بالسريانية إنجيلاً موحداً هو ذياطسّرون طاطيانوس، الذي نسج الأناجيل الأربعة في أواخر القرن الثاني. ظل نصه غالباً نحو قرنين ونصف، وشرحه أفرام السرياني. ثم استبدلت به الأناجيل المفصولة، ويخبر ثيودوريتُس أنه انتزع من أبرشيته وحدها أكثر من مئتي نسخة.

هذه قرينة في درجة الاحتمال. يذهب فان ريث إلى صلة بين هذا الإنجيل الموحد والاستعمال القرآني، ويرى غريفث في المقابل أن «الإنجيل» في القرآن كتاب اعتباري، لا نسخة معينة، ويستند إلى أن السريانية تستعمل «إوَنغِليون» مفرداً حتى حين تعني الأناجيل الأربعة، وتسميها «إنجيلُ المفصولين» بالإفراد أيضاً. ونص الذياطسّرون لا يسترجع كاملاً. والحقيقة الثابتة تحت القرينة أن هذه البيئة عرفت بالفعل إنجيلاً مجموعاً في كتاب واحد، كما يذكره القرآن كتاباً واحداً.

من نصيبين إلى بغداد

يجري خط النقل من اليونانية إلى السريانية إلى العربية في أعمال الرجال والمدارس. أما تصوير بيت الحكمة أكاديمية للنقل عن اليونانية، أو إثبات مدرسة ومشفى في جنديسابور قبل الإسلام، فأوسع مما تسنده المصادر: فغوتاس ينتقد الصورة الأولى، ورسالة حنين لا تذكر بيت الحكمة، ويرى دولز أن صورة مؤسسات جنديسابور السابقة للإسلام بناء متأخر يفتقر إلى شاهد معاصر. فالحجة تقوم على أرض أصلب: أخبار الرجال وأعمالهم.

أما مدرسة نصيبين فبقيت قوانينها في تحريرين، سنة ٤٩٦ وسنة ٥٩٠. تصف إقامة الطلاب والمنهج والامتحان والفصل، وهي أقدم دستور باق لمدرسة عالية في الشرق الأدنى. فالنقل كان منهجاً دراسياً بقائمة قراءة مسماة قبل أجيال من كونه حركة ترجمة برعاية الخلفاء.

ومن الرجال الذين يصلون هذا التعليم ببغداد طيمثاوس الأول، جاثليق كنيسة المشرق. يقول في رسائله إنه نقل «طوبيقا» أرسطو من السريانية إلى العربية بأمر المهدي. جاثليق ينفذ تكليفاً خليفياً بيده: هذا جسر مؤسسي له صاحب ومصدر.

هكذا دخل القرن السابع على بلاد تعرف كتاباً مقدساً بالسريانية، وكنيسة منظمة وأساقفة عرباً، وتعليماً ومعجماً دينياً ناضجاً وكتابة عربية ولدت في كنائس الشام. فالكلمات التي يصلي بها المسلمون كانت لها حياة سابقة في هذا العالم المسيحي العربي، والقرآن رفعها إلى صورتها الأتم. أما العالم الذي عاش فيه ذلك اللسان فكان له في القرن السادس ملوك وحروب، وكان أقوى ملكين عربيين فيه يتبعان فارس والروم.

القسم ٢

التاجان (نحو ٥٠٠–٦٠٠م)

الفصل الخامس

لخمٌ وغسّان: تاجانِ عربيّان

تنازعت الروم وفارس في القرن السادس بلاداً تمتد بين طوروس ودجلة، وكان ثغر البادية أوسع من أن تحرسه جيوشهما النظامية وحدها. اعتمدت فارس على المناذرة في الحيرة، واعتمد الروم على الغساسنة في الشام. يحمي كل بيت طرق الإمبراطورية التي يتبعها، ويقاتل خصمها وحلفاءه العرب. فقام للعرب ملك شرقي من الحيرة، وملك غربي من الجابية. وهذه الثنائية، تاجان عربيان يتقابلان على ثغر واحد خدمة لإمبراطوريتين متحاربتين، هي العمود الذي تقوم عليه الفرضية الخامسة، فرضية الاستمرار.

الغساسنة وحلف الروم

حكم بيت جفنة عرب الشام من الجابية في حوران. كانوا مسيحيين على المذهب الميافيزي، وحلفاء لبيزنطة في مواجهة فارس والمناذرة. وبلغ الحارث بن جبلة من القوة أن منحه يوستينيان لقب «بطريق»، ورفعه فوق سائر شيوخ العرب.

ومن آثار هذا العالم الرصافة في بادية الشام، التي عرفت باليونانية سَرجيوبوليس، مدينة القديس سرجيوس. يقوم فيها بناء كنسي ضخم من الحجر الشاحب، وتحفظ جدرانه نقوشاً ملكية باليونانية والسريانية. فهذه الكاتدرائية هي الغساسنة في صورة بناء: ملوك العرب المسيحيون يرفعون كنيسة ضخمة ويتركون أسماءهم عليها بلغتي عالمهم. وهي من نوع المؤسسة التي تتوقع فرضية الاستمرار أن تجدها قائمة خلف الشام الأموي اللاحق، في المجال نفسه.

المناذرة وحلف فارس

كان المناذرة يحرسون الثغر الغربي لفارس ويغيرون على أرض الروم والغساسنة. وتصلهم الأخبار بامرئ القيس صاحب النمارة. وتكرر في ملوكهم اسما المنذر والنعمان، يتناوبان اسمين سلاليين لخميين. وللفظ المنذر معنى النذارة والإنذار، وسيأتي بحث صلته بالألقاب في فصل الأسماء.

وكان المنذر الثالث بن النعمان من أقوى ملوكهم. استمرت غاراته على الشام عقوداً، وجعلت منه رمزاً لقوة العرب المتصلة بفارس. وبين هذا الملك والحارث الغساني دارت حرب التاجين التي انتهت إلى يوم حليمة.

اتصل الغساسنة بالميافيزية، واتصل مجتمع الحيرة بكنيسة المشرق التي اشتهرت باسم النسطورية، واعتنق آخر ملوك لخم المسيحية صراحة. فالصراع بينهما ليس صراع دين ودين، بل صراع تاجين عربيين مسيحيين على ثغر واحد، كل يخدم إمبراطوريته. وهذه الصورة، صورة عالم عربي مسيحي منقسم بين شرق وغرب، هي التي تعيد إنتاج نفسها في الدول اللاحقة.

الوفود عند سد مأرب

يسجل نقش CIH 541 ترميم أبرهة سد مأرب، ويؤرخه بسنة ٦٥٨ من التقويم الحميري، نحو سنة ٥٤٨ للميلاد. ويذكر وفود القوى التي حضرت إلى اليمن. وهذا تعريب للقسم المذكور:

«وفي ذلك الزمنِ وَفدت عليه وفودُ مَلِكِ الحبشةِ النَّجاشيّ، ومَلِكِ الروم، ومَلِكِ الفُرس، والمنذرِ مَلِكِ الحيرة، والحارثِ بنِ جبلةَ مَلِكِ غسّان، فاجتمعت عندَه رسلُ القوى كلِّها عند تمامِ السدّ.»

حضر وفدا الملكين العربيين في حدث واحد مع وفود الحبشة والروم والفرس. فالثنائية التي نبني عليها حقيقة سياسية قائمة، يثبتها نقش معاصر من خارج كل رواية لاحقة. والملكان العربيان يقفان جنباً إلى جنب بين مبعوثي الإمبراطوريات الكبرى كأنهما ندان لها: العرب هنا لاعبون في الساحة الكبرى، لهم تاجان وملكان ووفود ترسل.

ويصف بروكوبيوس الملكين في «تاريخ الحروب»، ويروي غاراتهما في خدمة فارس والروم. وهذا تعريب لوصفه ملك الحيرة:

«وكان المنذرُ، مَلِكُ العربِ التابعِ للفُرس، رجلاً بالغَ الحَزمِ والبأس، ظلّ نحوَ خمسين سنةً يَستنزف قوّةَ الرومِ ويُنهكها، يُغير على بلادِهم من أقصى مصرَ إلى أطرافِ الشام، فلم يَقدر الرومُ على ردِّه، حتّى أقاموا في وجهِه الحارثَ ملكَ غسّان.»

فهذان الملكان شخصيتان تذكرهما أقلام خصومهما في زمنهما، بالاسم والوصف. وقد تتبع عرفان شهيد تاريخ العرب على ثغر الروم في سلسلة «بيزنطة والعرب»، ودرسه غريغ فيشر وآخرون في «العرب والإمبراطوريات قبل الإسلام». ومن هذه الدراسات تخرج صورة نظام راسخ: ممالك تابعة منظمة لها جيوشها وبلاطها وكنائسها، تحرس الثغر بين الإمبراطوريتين.

تدمر وأسماء ملوكها

سبقت تدمر هذا العالم بنحو ثلاثة قرون: مدينة عربية الحكم، آرامية الكتابة، لها صلة بالصراع بين الإمبراطوريتين. وفيها أنظف شاهد نملكه على الآلة التي يشتغل عليها هذا الكتاب كله. كان ملكها أُذينة، ويكتب اسمه بالتدمرية ʾdynt، وباليونانية أودايناثوس: كلمة واحدة في ثلاثة أقلام. والدال الآرامية تقابل الذال العربية بقانون مطرد، كما في «إدنا» و«أُذُن»، وأُذينة تصغير أُذُن. فبيت حاكم في القرن الثالث بمدينة تكتب الآرامية كان يحمل أسماء عربية، وهذه دعوى اللسان الواحد حقيقة عن سلالة.

وعلى قاعدة في الشارع المعمّد بتدمر، أقامها قائدا الملكة في حياتها، نقش مؤرخ بآب من سنة ٢٧١. اسمها فيه بالتدمرية bt zby، «بنتُ زبّاي»، وباليونانية «زِنوبيا». وتعرفها الأخبار العربية باسم «الزَّبّاء». فالاسم العربي هو النسبة إلى زبّاي جُردت من «بنت»، ثم تصلبت اسماً للمرأة نفسها.

وفي الأخبار تفسير آخر للاسم: ينسب إلى كثرة الشعر من ز-ب-ب، وتروى قصة كشفت فيها شعرها لتصد جذيمة. ويمنحها التقليد اسم مولد وراء لقب الزباء، ويذكر أختاً اسمها زبيبة. فالتقليد يعرف أن الاسم لقب فيهب لها اسم مولد، ثم يعيد اشتقاق اللقب، ثم يولد من الاشتقاق مشهد الشعر، ويعيد الأب زبّاي أختاً اسمها زبيبة. وهذه هي التجربة الضابطة: الأصل باق على الحجر مؤرخاً بالشهر، والصورة المنقولة باقية في كتبنا بعده بنحو ستة قرون، فنقيس ما صنعه النقل قياساً.

وتختلف الحكايتان كذلك في سقوط تدمر. في التاريخ الإمبراطوري أسقطها أورليان؛ أما دورة الأخبار العربية التي نتناولها فلا يظهر فيها أورليان ولا الروم ولا مشروع زنوبيا الإمبراطوري، ويقوم عمرو بن عدي، أول ملوك لخم، مقام المنتقم من الزباء لخاله جذيمة. وتنتهي الحكاية إلى تأسيس الحيرة. حُذفت إمبراطورية ونُصّب مكانها مؤسس بيت الحيرة، لأن القصة مروية من الحيرة: نقل ذكر الصراع الإمبراطوري إلى تاريخ البيت الذي رويت منه.

ولجذيمة الأبرش شاهد مستقل في أم الجمال بحوران، بالنبطية واليونانية، نحو سنة ٢٥٠، يذكر «مربّي جَذيمةَ ملكِ تنوخ». وهو أقدم ذكر لتنوخ. يقع الشاهد غرب الموضع الذي تعينه له الأخبار العربية بنحو سبعمئة كيلومتر. فانتقال الجغرافيا في الذاكرة نراه هنا بالإصبع: الحجر في كفة والطبري في كفة. ولتنوخ إذن جناح شرقي حول الحيرة، وآخر غربي على ثغر الروم. وفي الجناح الغربي تظهر بعد قرن الملكة ماوية التي حاربت الروم سنة ٣٧٨.

الشام والعراق بعد التاجين

تقوم المقارنة اللاحقة على هذين المجالين: الحيرة والعراق في صلة بفارس، والجابية والشام في صلة بالروم. ثم تقوم الدولة الأموية بدمشق في مجال غسان، وتقوم الدولة العباسية بالعراق قرب المدائن، ويعود الصراع بين الشام والعراق. فهذه هي الثنائية القديمة نفسها، تاجا العرب، تعاد على مسرح جديد: وراء التشابه جغرافيا وقبائل وإدارة ورجال بقي لهم أثر مع تبدل الحكم.

أما في القرن السادس فكانت المنافسة تمتد جنوباً إلى اليمن، حيث تدخلت الحبشة والروم وفارس، وحضر وفدا الملكين العربيين عند أبرهة. ومن أحداث اليمن تتضح صلات هذا العالم بأخبار القرآن وتواريخها.

الفصل السادس

اليمنُ والحبشة: نجرانُ وأبرهة

في أواخر القرن الرابع أخذت نقوش حِمْيَر في اليمن تدعو إلهاً واحداً باسم «رحمنان»، أي الرحمن، بعد أن كانت تسمي معبودات البلاد القديمة. وكان كثير من حكامها ونخبتها على اليهودية، أو على توحيد قريب منها. وقد غيرت أعمال كريستيان روبان في النقوش اليمنية صورة اليمن قبل الإسلام من أساسها: اليمن في القرن السادس مملكة موحدة تعبد الرحمن، والتوحيد في جنوب الجزيرة، قبل الإسلام، دولة لها ملوك وكتابة وحضور في حياة الحكم. ومن هذا الجنوب ينفتح أول باب صريح للفرضية الأولى، الإزاحة الزمنية.

نجران سنة ٥٢٣

بلغ الصراع الديني ذروته في عهد الملك الحميري اليهودي المعروف بذي نواس. اضطهد نصارى نجران، ووقعت سنة ٥٢٣ مذبحة كبرى أُحرق فيها مؤمنون في الأخاديد، فهزت العالم المسيحي كله. وسجلتها شهادات من خارج التقليد الإسلامي: رسالة شمعون أسقف بيت أرشام، التي كتبت بالسريانية بعيد الواقعة، و«كتاب الحميريين» بأسماء الشهداء وأخبارهم، و«استشهاد الحارث» الذي حفظ ذكر زعيم نجران. فالمذبحة حدث مؤرخ موثق من زمنه.

وفي سورة البروج ذكر «أصحابِ الأخدودِ، النارِ ذاتِ الوقود». والقراءة التقليدية نفسها تصل هذا الخبر بنجران وذي نواس. فهنا حدث مؤرخ سنة ٥٢٣، من مصادر مستقلة عن الرواية الإسلامية، تتردد ذكراه في القرآن. وهو أول موضع تتقاطع فيه إشارة قرآنية مع حدث موثق في القرن السادس، وأول ما يوضع في حساب زمن النص.

جيش الحبشة وأبرهة

وجاء الرد على المذبحة من الحبشة. عبر ملكها كاليب البحر بجيشه، فأسقط ذا نواس وأقام في اليمن حكماً مسيحياً موالياً لأكسوم والروم. وتسمي المصادر العربية ملك الحبشة النجاشي. فصار اليمن ساحة تلتقي فيها القوى الكبرى: الحبشة المسيحية ومن خلفها الروم، في مواجهة النفوذ الفارسي من الشرق.

ومن قادة الحبشة في اليمن ظهر أبرهة، ثم استقل بالحكم وصار ملكاً. تذكره النقوش بألقابه وأعماله؛ وفي نقش سد مأرب CIH 541، نحو سنة ٥٤٨، خبر الترميم ووفود الحبشة والروم والفرس والمنذر والحارث. فأبرهة ملك موثق بنقوشه، له تاريخ وألقاب وأعمال بناء وصلات دبلوماسية وحملات عسكرية.

الحملة الشمالية وعام الفيل

تنسب الرواية إلى أبرهة حملة بالفيلة نحو مكة، وتربطها بسورة الفيل، وتجعل عام الفيل عام مولد النبي، نحو سنة ٥٧٠. أما حملات أبرهة الشمالية فموثقة في نقوشه، وأشهرها حملة نقش مُرَيغان، Ry 506، نحو سنة ٥٥٢، وهي غزوة إلى شمال الجزيرة في منتصف القرن السادس.

يفصل بين التاريخين نحو ثمانية عشر عاماً. فحدث الفيل، حين يقرأ على حملات أبرهة الموثقة، أقرب إلى منتصف القرن السادس منه إلى سنة ٥٧٠، وحملة مريغان هي المرشحة لعام الفيل. وهذا أول خيط في فرضية الإزاحة الزمنية: بعض المراسي التي بُني عليها تأريخ النشأة أقدم من الموضع الذي أعطته لها الأخبار المتأخرة. والتوتر بين تأريخ النقش المعاصر وتأريخ الرواية اللاحقة قرينة تدخل فصل الإزاحة الزمنية مع غيرها.

والإشارات القرآنية التي لها صدى موثق في أخبار الجنوب، أصحاب الأخدود والفيل، تسجل أحداثها نقوش أبرهة والسجلات الخاصة بنجران. ومصادر الجيران في هذه الحقبة تزخر بذكر حِمْيَر والحبشة والمناذرة والغساسنة، وتكاد تخلو من ذكر مكة. وهذا الغياب قرينة سلبية تنضم إلى قرائن الجغرافيا الأولى: حيث تكثر الشواهد المعاصرة نجد اليمن والعراق والشام، لا الحجاز.

اليمن بين الروم وفارس

وحين تُقرأ هذه الحوادث على الساعة المزاحة التي فتحها عام الفيل، تنتظم في رقعة واحدة مؤرخة في القرن السادس، لا حكايات متفرقة في السابع. والمحور واحد: الروم ومعهم أكسوم المسيحية من الجنوب، وفارس ومعها الحيرة بوابتها العربية، واليمن الجائزة بينهما. كان عيزانا قد اتجه بأكسوم إلى رب السماء، ثم ذبح ذو نواس نصارى نجران مقسماً بالرحمن، فعبر كالب البحر للثأر، وحكم أبرهة ملكاً رحمانياً، حتى طلب سيف بن ذي يزن العون من فارس عن طريق الحيرة نفسها. والاسم الذي يقسم به الجميع رحمنان، وهو نفسه الرحمن القرآني.

وعلى هذا المحور تُقرأ الهجرة إلى الحبشة قراءة جديدة. فالمملكة التي آوت المهاجرين هي أكسوم المسيحية نفسها، التي عبرت البحر لإنقاذ نصارى نجران، والهجرة إليها لجوء إلى القطب المتصل بالروم في وجه سلطة خصمة. ويروي خبر جعفر أنه تلا سورة مريم فبكى النجاشي ومن معه: سمع البلاط في السورة أخبار عيسى ومريم التي يعرفها، وعبادة الإله الواحد المعروفة في أكسوم وحِمْيَر. فإله المهاجرين هو إله مضيفيهم.

ووضع الهجرة في زمن مملكة كالب بعينها قراءة من درجة الاحتمال داخل فرضية الإزاحة، تقوم على رقعة موثقة في درجة القوة: جغرافيا أكسوم وصلتها بالروم واليمن. وفي هذا المشهد خاصة لها شأن في فصل الأسماء: السيرة حفظت لقب المضيف كما هو. ففي سائر مواضع الإزاحة تجتمع دعويان، أن الحدث أزيح وأن صاحبه عبر باسم غير اسمه، وههنا تسقط الثانية. فالنجاشي لقب ملكي، من الجعزية ngś، أي مَلَكَ، لفظة ملوك أكسوم على حجارتهم، حملتها العربية إلى الخبر بحروفها معرّفة ولم تترجمها. فالدعوى الزمنية تقوم هنا وحدها، بلا فقه لغة تحتها يهاجم بدلاً منها، وهذا يجعل الهجرة إلى الحبشة أنظف مواضع الإزاحة في الكتاب كله.

دخول ظفار وفتح مكة

وفي هذه الرقعة مشهد آخر يدخل باب إعادة المسرحة. دخل كالب ظفار، عاصمة حِمْيَر، سنة ٥٢٥: أسقط الملك المضطهِد، وأعاد الكنائس، وأقام حاكماً على دينه. وتصف الرواية المسيحية عمله استرداداً للمملكة وتطهيراً لها مما عدته عبادة زائفة. وهذه بنية فتح نعرفها: مدينة مقدسة تُدخل، وعبادتها تُطهَّر، وسلطة صالحة تُنصَّب مكان الطاغية. وهي بنية خبر فتح مكة.

وبين سنة ٥٢٥ وسنة ٦٣٠ مئة وخمس سنين، على مقربة من الفارق الذي يفصل يوم حليمة عن صفين. وهذه قراءة من درجة التخمين المعلن، والفرق بين الواقعتين يحدد موضع التطابق: كان فتح كالب اقتصاصاً دامياً، وتحفظ رواية فتح مكة عفواً عاماً، فالتطابق مع كالب في الاسترداد والتطهير. أما الدخول بلا دم فله نموذج معاصر غير مزاح: في السنة نفسها، ٦٣٠، دخل هرقل القدس حافياً بلا دم، وأعاد الصليب إلى الحرم.

فأخبار اليمن تصل العبادة بالملك والحرب: مملكة موحدة تعبد الرحمن، ومذبحة في الأخدود تتردد في القرآن، وتدخل حبشي مسيحي، وملك صاحب فيلة تقرن به الرواية سورة كاملة. والنقوش والسجلات تقابل تواريخها بما حفظته الرواية اللاحقة، فتظهر الفجوة بين النقش والرواية. وفي الشمال، خلال هذه العقود، بلغ الصراع بين ملكي الحيرة وغسان ذروته في المعركة التي عرفت بيوم حليمة، وهي معركة تقرأ مرتين: مرة في زمنها، ومرة في صداها اللاحق.

الفصل السابع

يومُ حَليمة: ذروةُ حربِ التاجين

التقى المنذر الثالث والحارث بن جبلة سنة ٥٥٤ عند قِنّسرين، خالكيس في المصادر اليونانية، شمالي الشام، في معركة فاصلة بين تاجي العرب. كان ملك الحيرة قد أغار على الشام عقوداً في خدمة فارس، وكان ملك غسان يقاتله في خدمة الروم. انتصر الحارث وقُتل المنذر، فسقط أعظم ملوك المناذرة في ذلك القرن على يد ملك الجابية، وحفظت أخبار العرب المعركة باسم «يومُ حَليمة».

المعركة وذكراها

تنسب الرواية الاسم إلى حليمة ابنة الحارث، وتقول إنها طيّبت المقاتلين وسلّحتهم قبل الحملة. وبلغ اليوم من الشهرة أن صار مثلاً: «ما يومُ حَليمةَ بسرّ»، فهو من أشهر أيام العرب قبل الإسلام، يعرفه كل راوٍ. وحمل الشعراء أخباره وأخبار حروب التاجين في المدح والفخر والرثاء، وتنقل شعراء، منهم النابغة، بين البلاطين، فبقي ذكر الصراع حياً في الشعر قروناً، مادة تروى وتُنشد ويضرب بها المثل جيلاً بعد جيل.

وصورة اليوم في جوهرها: تاجان عربيان، شرقي يتصل بالعراق وفارس، وغربي يتصل بالشام والروم، يتصارعان على ثغر الشام الشمالي، فيقتل في المعركة ملك كبير، ويبقى البيتان في ذاكرة العرب. وهذه الصورة كاملة ستعود بعد مئة سنة وثلاث. والذي حملها بين الجيلين حياة الخبر في الشعر والمثل: بقي القالب القديم حاضراً في وجدان من رووا ما بعده، وعلى هذا القالب الحي صيغت الحكاية اللاحقة.

وحرب الملكين محفوظة في سجلين. يصف المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس في «تاريخ الحروب» صراع المنذر والحارث وغاراتهما في خدمة الإمبراطوريتين، وتحفظ أيام العرب اسم اليوم الذي قُتل فيه المنذر وتفاصيله والمثل السائر فيه. فالمصدر المعاصر يثبت الحرب وخصميها، والذاكرة العربية تحفظ يومها الفاصل، وعلى التقاء السجلين نقف على أرض صلبة حين نجعل هذه الحرب نقطة ارتكاز.

حليمة وصفين

وقعت صفين سنة ٦٥٧، بين قوة عراقية مركزها الكوفة وقوة شامية مركزها دمشق، على الثغر نفسه تقريباً. يفصلها عن يوم حليمة مئة وثلاث سنين. فيوم حليمة يقرأ مرتين: مرة حدثاً وقع سنة ٥٥٤، ومرة نموذجاً أعادت القصة اللاحقة تشكيله. وصفين إعادة مسرحة لحرب التاجين: المحور نفسه، العراق في وجه الشام، والبيت الشرقي في وجه الغربي، والذاكرة صاغت الخبر اللاحق على ملامح الخبر القديم.

وهذه الصلة قرينة من درجة الاحتمال القوي، وحجتها كاملة في فصل الفتنة. والآلية فيها واضحة: صفين وقعت، والذاكرة الجمعية روت صراعها الكبير على النسق الذي كانت تعرفه، نسق حرب التاجين. فوجدت الحرب القديمة بين الملكين العربيين المسيحيين مكانها المكرم داخل القصة الجديدة، حرباً داخل الأمة. وهكذا يعمل التحول الذي يدور حوله هذا الكتاب: الذاكرة تحفظ النسق وتنقله، فتبقى بنية الصراع وتتغير أسماؤه وزمنه وموقعه من القصة.

أُحد وكالينيكوم

كان يوم حليمة يحمل أُحداً وحده، بصورة النصر المكلف، والفارق بينهما إحدى وسبعون سنة، وهو أقصر من مجال الفوارق الذي يختبره البحث. ثم وجد العمود الفقري لأُحد مانحه في قلب ذلك المجال: كالينيكوم على الفرات أسفل الرقة، في سبت الفصح سنة ٥٣١. يفصل هذا اليوم عن أُحد أربع وتسعون سنة.

يروي بروكوبيوس، الذي كان من طاقم بيليساريوس، خبر المعركة، وتتوالى نقاطها على ترتيب يوم السيرة نفسه: قائد يخرج إلى القتال على غير رأيه، تحت ضغط جنود أغراهم نصر قريب؛ وجناح يحميه مانع ومفرزة على مرتفع ترد التفاف الخيل؛ ثم انهيار ذلك الجناح آخر النهار، وبقاء جماعة متراصة حتى الليل؛ ونصر عقيم يجهض الحملة ويكلف الغالب منصبه. ثم يأتي تحقيق رسمي يبرئ القائد ويلوم تسرع جنوده، وهذا بعينه إطار آل عمران من الآية ١٥٢ إلى الآية ١٦٥.

وأدق من ذلك أن القطبية العقدية على وجهها، غير مقلوبة: كان المنذر الثالث في الجانب الغالب يوم كالينيكوم، وأخباره متصلة بالعُزّى، وصيحة أبي سفيان يوم أُحد باسم العُزّى. وتكمل المشهد لوحتان أخريان، كل منهما قرينة من درجة الاحتمال. الأولى أنغلون سنة ٥٤٣، وفيها يرد جشع الغنيمة سبباً معلناً لانكسار النظام، وضربة في الصدغ يتفرق الجيش على خبر موت صاحبها، فهي تمنح أُحداً محرك الانقلاب. والثانية ذبح المنذر ابناً أسيراً للحارث بن جبلة قرباناً للعزى نحو سنة ٥٤٥، وهي تمنح خبر حمزة: قريب القائد يُقتل ويُقدَّم، والربة مسماة.

فأُحد مركب من ثلاث لوحات مؤرخة، ويوم حليمة يبقى إلى جانبها وجهاً ثانياً بلا إجهاد، في نتيجة النصر المكلف. وهذا ما تتوقعه فرضية تركيب الذاكرة: يوم واحد يُبنى من صور عدة، فيوافق كل مانح في جانب بعينه ويخالفه في الباقي.

وصلة قوية ثانية تصل بئر معونة بنجران سنة ٥٢٣، بفارق مئة واثنتين من السنين، ونجران تمنحها تسلسلها كاملاً: أمان كاذب يُقبل خلاف رأي الزعيم، ثم قتل جماعة مكرسة للتلاوة، ثم خبر ناجين يمر بالحيرة نفسها في رسالة شمعون من بيت أرشام.

حفظ الشعر والمثل والسجل ذكر حرب التاجين، وأثرها يجري في الأخبار التالية. أما بيت لخم فاستمر بعد مقتل المنذر سنة ٥٥٤، وبقي له ملك أخير، حفيد هذا القتيل، هو النعمان الثالث، بلغ به البيت نهاية الحكم في سنة ٦٠٢، وفي سقوطه مفصل القصة كلها.

الفصل الثامن

النعمانُ الثالثُ وسقوطُ لخم

حكم النعمان الثالث بن المنذر الحيرة من نحو سنة ٥٨٠ إلى سنة ٦٠٢. كان بلاطه أزهى بلاط عربي في زمانه، قصده الشعراء من بلاد العرب، وأخذت أخباره مكاناً واسعاً في الأدب. ثم انتهى ملكه باستدعاء إلى المدائن وموت، وأزال كسرى الثاني بيت لخم من الحكم. ففي حياة هذا الملك ازدهار المدينة، وفي نهايته انتقالها من مملكة تابعة إلى ولاية. وهذا السقوط هو المفصل: عنده ينتهي عالم التاجين، ويبدأ العد نحو القصة الجديدة.

الشعراء والكتبة

من شعراء النعمان النابغة الذبياني، الذي اشتهرت قصائده في الاعتذار إلى الملك بعد سخطه عليه. ومنهم عدي بن زيد العبادي، الشاعر العربي المسيحي من طبقة العِباد، والكاتب في الديوان الساساني بالمدائن. اتصل عمل عدي بالعربية والفارسية والسريانية، وجاء في شعره معجم العبادة المسيحية: الروح والكلمة والحمد والرحمة والقُدس.

وهذه بعينها ألفاظ سيستعملها القرآن، قائمة هنا في شعر عربي مسيحي قبله بجيل. فعدي أنصع مثال مفرد على العالم الذي يبرز منه القرآن: عربي مسيحي من طبقة الكتبة ثنائية اللسان، يعمل في قلب الإمبراطورية الفارسية، ويجمع الكاتب والشاعر ورجل البلاط، وينظم شعراً عربياً مشبعاً بمعجم العبادة. وفيه يظهر معنى اللسان الواحد: معجم التعبد كان حاضراً في بلاط الحيرة، يكتب به شاعر عربي مسيحي قبل أن يتلى في القرآن.

وخدم النابغة البلاطين كليهما. فبعد سقوطه من حظوة النعمان انتقل إلى ملوك غسان بالشام، ومدحهم ووصف أعيادهم المسيحية وكنائسهم وصف العارف بها. شاعر واحد يحمل العربية بين الحيرة والجابية هو عالم التاجين مرسوماً في حياة واحدة: ما يعرفه من حياة البلاط مفهوم في الجهتين، وعربية البلاط الرفيعة لسان واحد يمتد على الإمبراطوريتين ويصل بين خصمين سياسيين.

تنصّر النعمان

اعتنق النعمان، في أواخر حكمه، المسيحية على مذهب كنيسة المشرق، ويحفظ «تاريخ سيِرت» الخبر. وترهبت ابنته هند، وأقامت ديراً حمل اسمها قروناً. فآخر ملوك الحيرة ملك مسيحي صريح، وابنته راهبة في دير، وبهذا يُختم تاريخ المملكة على صورته الحقيقية: مملكة عربية مسيحية في العراق، تلتقي في بيتها حياة الملك بالشعر والكنيسة.

الاستدعاء إلى المدائن

اختلف النعمان مع سيده كسرى الثاني پرويز، فاستدعاه إلى المدائن، وكان هذا الخلاف سبب سقوطه. وقبل أن يمضي صنع صنيع من يعرف أنه ذاهب إلى حتفه: أودع أهله وسلاحه أمانة عند هانئ بن مسعود، أحد سادة بكر. ثم مات نحو سنة ٦٠٢؛ ففي رواية داسته الفيلة، وفي أخرى مات جوعاً في السجن.

وسقوط النعمان من الأحداث التي تلتقي على روايتها مصادر متباعدة. يسجل «تاريخ سيِرت» تنصر الملك وخبره من جهة كنيسة المشرق، ويفصل الطبري وابن الأثير استدعاءه ومقتله، وتروي «الشاهنامة» للفردوسي الحادثة من جهة البلاط الفارسي. فثلاث ذاكرات، كنسية وعربية وفارسية، تختلف في تفاصيل الموت وتلتقي على نهاية الحكم. وقد جمع غوستاف روتشتاين أخبار السلالة في دراسته «دولة اللخميين»، فصارت مرجعاً في تاريخهم.

وولى كسرى الحيرة بعده إياس بن قبيصة الطائي، رجلاً من غير بيت لخم يحكمها باسمه. فانتهى التاج العربي الشرقي بعد ثلاثة قرون، وسقط البيت الذي رفع نسبه إلى امرئ القيس صاحب النمارة. وتحولت المدينة إلى إدارة تخدم فارس مباشرة، بعد أن كان بينها وبين الإمبراطورية تاج عربي موروث. وهذا التحول من تاج إلى ولاية، الذي وقع سنة ٦٠٢، أول خطوة في انحلال النظام القديم، قبل أن ينحل الفضاء كله في الحرب العظمى.

ما بقي بعد المناذرة

تقع نهاية الملك قبل التأريخ المعتاد لبدايات الإسلام بسنوات قليلة، وهي اللحظة التي ينحل فيها النظام العربي المسيحي القديم في العراق عشية القصة الجديدة، فيبقى فضاؤه شاغراً. زال البيت الحاكم، وبقيت الكنيسة وأساقفتها وأديرتها، والكتبة والديوان والمعجم والذاكرة. وكان إياس والمرزبان يديران المدينة، فاستمر العمل تحت سلطة جديدة.

كل هذا نجا من سقوط بيت لخم، وانتظر من يرثه. وعندما نشأت الكوفة بجوار الحيرة وقامت الدولة التالية في هذا الإقليم، وجدت البنية قائمة تنتظرها: مؤسسات ورجالاً ذوي خبرة. وهذا ما تعنيه فرضية الاستمرار: النظام العربي المسيحي في الفرات الأسفل عبر بكتبته وكراسيه سالماً نحو ما جاء بعده، وورث الحكم الجديد أعماله وصلاته، مؤسسة بعد مؤسسة وطبقة بعد طبقة من رجالها.

ولسقوط النعمان عاقبة مباشرة. طلب الفرس الأمانة التي أودعها عند هانئ بن مسعود، فأبى هانئ أن يسلمها، فكانت تلك شرارة المواجهة التي اجتمعت فيها بكر وأحلافها، وعرفت بذي قار، أول انتصار عربي كبير على فارس. ووقعت المعركة في زمن دخلت فيه فارس والروم حرباً كبرى، فخرج العالم الذي عرفه النعمان أشد اضطراباً وأضعف سلطاناً، وعند هذا المفصل تتداعى الإمبراطوريتان القديمتان وتبدأ القصة الجديدة بالظهور.

القسم ٣

المَفصل (نحو ٦٠٠–٦٦٠م)

الفصل التاسع

ذو قارٍ والحربُ العظمى

طلب الفرس من هانئ بن مسعود أن يسلم أمانة النعمان، فأبى وفاءً بالعهد. فأرسل كسرى حملة تأديبية على بكر وأحلافها، والتقى الجمعان عند ماء ذي قار قرب الحيرة، نحو سنة ٦٠٩. انتصرت القبائل العربية، وحفظت الأخبار اليوم بوصفه أول انتصار عربي كبير على فارس. ونُسب إلى النبي قول إنه أول يوم انتصف فيه العرب من العجم. فكان سقوط الحيرة شرارة: في ذي قار رأى العرب القوة الفارسية التي هابوها قروناً تُهزم.

ذكرى النصر الأول

كان جيش الجانب الفارسي يضم عرباً يتبعون إدارة الحيرة، وعلى رأسه إياس بن قبيصة، كما تقدم. ومع ذلك صار النصر في الذاكرة علامة على قدرة القبائل على مواجهة سلطان فارس. وموقعه في الذاكرة هو موقع بدر في الرواية اللاحقة، وتجمع اليومين أربعة ملامح: نصر مفاجئ لجماعة عربية قليلة العدد على قوة أكبر منها بكثير؛ يغير الموازين؛ يذكر بعده بوصفه نصر التأسيس؛ ويتصل في الخبر بقول نبوي يرفعه إلى مرتبة العلامة.

وهذا توازٍ من درجة التخمين، موضعه البنية لا التفاصيل: خصم ذي قار فارس في العراق، وخصم بدر قريش في الحجاز، والموضعان والسياقان متباعدان. وبدر تنتظر مانحها المؤرخ الصريح، وذو قار تمنحها صورة من صورها: النصر الأول كما تحفظه الجماعة، والقول الذي يرفعه إلى مرتبة العلامة. والسؤال الذي يفتحه هذا التوازي محدد: هل صيغت ذاكرة النصر المؤسس على قالب واحد يتكرر؟

حرب الروم وفارس

وكان يوم ذي قار صغيراً إلى جانب الحرب الأكبر. ففي السنوات نفسها اشتعلت بين فارس والروم آخر حروبهما وأطولها وأشدها تدميراً، وامتدت من نحو سنة ٦٠٢ إلى سنة ٦٢٨. بدأها كسرى الثاني پرويز بحملات واسعة على أرض الروم، فدخلت جيوشه الشام ومصر، وبلغت الحرب أبواب القسطنطينية. وسقطت القدس سنة ٦١٤، وأُحرقت كنائس وسُبي بطريرك المدينة، وحمل الفرس «الصليبُ الحقيقيّ» إلى المدائن. وكان ذلك صدمة في العالم المسيحي كله، حفظت الروايات المسيحية وقعها وسبي المدينة، ومنها رواية أنطيوخ ستراتيغيوس.

ثم انقلب الميزان. قاد هرقل حملات مضادة دخلت عمق الأرض الفارسية، وفي سنة ٦٢٨ سقط كسرى وقُتل، وانتهت الحرب إلى استرداد الروم ما فقدوه. وأعيد الصليب إلى القدس نحو سنة ٦٣٠. انتصر الروم في النهاية، وكان انتصار المنهك على المنهك: خرجت الإمبراطوريتان من الحرب خاويتين، وقد أُنهكت الخزائن والجيوش والأقاليم في الجانبين، وأثقلت الضرائب والسخرة الرعايا. وبعد سنوات قليلة دخلت الجيوش العربية بلاد الإمبراطوريتين وهما تحملان آثار هذا الإنهاك.

وهذا الإنهاك متصل بنهاية ملك لخم: تغير حكم الحيرة وسقط تاج العرب الشرقي، ثم استنزفت الحرب القوتين اللتين كانتا تديران المجال كله، فخلا فضاء واسع من القوة المنظمة. بقيت الدواوين والكنائس والقرى والسكان، وضعفت قدرة الإمبراطوريتين على حفظ سلطانهما. ففي هذا العالم المنهك ظهرت الحركة الجديدة وتوسعت: في قلب عالم تصدعت إمبراطورياته، لا في صحراء معزولة.

سورة الروم وزمن الحرب

وهنا يلتقي القرآن بهذه الحرب التقاءً صريحاً. يقول أول سورة الروم: «غُلبت الرومُ في أدنى الأرض، وهم من بعدِ غَلَبِهم سيَغلبون، في بِضعِ سنين». والقراءة المشهورة تربط الآيات بهزيمة الروم أمام فارس ثم وعد غلبتهم، أي بالحرب الكبرى نفسها. فالنص يتحدث عن هذه الحرب حاضراً يجري، حديث المعاصر الشاهد، ويتصل بما عرفه أهل عصرها من انقلاب الموازين.

واللفظ في القراءة المشهورة «سيَغلبون» بفتح الياء، فالروم هم الغالبون بعد هزيمتهم، وهو ما تحقق حين انتهت الحرب سنة ٦٢٨. وهذا التطابق بين نص السورة ومجرى الحرب من أقوى ما يربط القرآن بزمنها. و«بضع سنين» مدة بين هزيمة بعينها والمرحلة التي تحققت فيها الغلبة، والحرب كلها أطول منها: فبين سقوط القدس سنة ٦١٤ ونهاية الحرب سنة ٦٢٨ أربع عشرة سنة. وهذا التقاطع الزمني ينضم إلى ما تقرؤه الرواية في سورتي البروج والفيل من أخبار الجنوب: أصحاب الأخدود في أول القرن السادس، والفيل في منتصفه، والروم وفارس في حربهما الكبرى أول السابع. فكلما وجد للقرآن صدى موثق في حدث مؤرخ، وقف النص في هذا العالم، عالم الحيرة واليمن والشام وفارس والروم.

تفصل أخبار الحرب مصادر يونانية وسريانية من جهات مختلفة؛ يروي ثيوفانس حملات هرقل، ويأتي «تاريخ خوزستان» بأخبار من جهة العراق، وتحفظ شهادة أنطيوخ خبر القدس من زمن الواقعة نفسه. فالحرب من أوثق أحداث ذلك العصر: لكل سجل زمن تدوينه وجهته، والسجلات تتقاطع عليها، وبعضها كتبه معاصروها في زمنها.

رسائل الملوك

وفي هذا العالم المتحارب نفسه يجري مشهدان تعرفهما السيرة في ثوب آخر. أولهما رسائل النبي إلى الملوك: إلى هرقل وكسرى والنجاشي وملوك من عرب الشام والعراق. وكل مخاطب منهم عرش قائم في العالم الذي وصفته الحرب وأخبار اليمن: هرقل إمبراطور الحرب الكبرى، وكسرى الثاني خصمه، والنجاشي تاج أكسوم الذي مر في فصل اليمن. فحلقة الرسائل لوحة لدبلوماسية القرن الحقيقية، وتطابق المخاطبين مع أقطاب العصر قوي، وانتقال بعض مواد الدبلوماسية القديمة إلى خبر الرسائل النبوية قراءة من درجة التخمين. والقراءة المنافسة تفسر المخاطبين: قائد عربي في ذلك الزمن يخاطب القوى نفسها لأنها القوى التي تحكم البلاد المجاورة. وجوابها أن الرسائل تحمل مع المخاطبين مشاهد بعينها، أوضحها مشهد التمزيق.

وخبر تمزيق كسرى الكتاب له شاهد في زمنه: رفض كسرى سنة ٦١٥ رسالة صلح من هرقل باحتقار، واعتقل سفراءه ووصفه بـ«عبدي»، باللهجة نفسها التي تعطيها السيرة للكتاب الممزق. ووراء التمزيق طراز كتابي أقدم في إرميا ٣٦: ملك يقطع درج النبي، ثم يأتيه الوعيد بتبدد ملكه. فالخبر يجمع وثيقة من القرن السابع وطرازاً من الكتاب الأقدم، والرواية اللاحقة تحملهما معاً في مشهد واحد.

شروط الهدنة

والمشهد الثاني هدنة الحديبية. تصفها السيرة صلحاً بشروط ثقيلة عُدّت مذلة: مدة ثابتة، ورد الفارين إلى المدينة، وقصة أبي جندل الذي أعيد في قيوده، ومحو لقب «رسول الله» من الصحيفة. ثم تنهار الهدنة بسبب غارة حليف وينتهي الأمر إلى الفتح.

ولهذه الصحيفة هيكل محفوظ في القرن السادس: صلح الخمسين سنة بين الروم وفارس سنة ٥٦١، الذي حفظ ميناندر نصه من ملف السفير. ففيه إعادة الفارين زمن السلم ولو كرهاً، وهو بند أبي جندل بعينه؛ وإلزام العملاء العرب من لخم وغسان، مع ذكر ملك الحيرة في ملف التفاوض؛ وخلاف على الألقاب في الترويسة عند التصديق، أي لقب يبقى وأي لقب يشطب، وهو محو اللقب نفسه.

يفصل بين الصلح والحديبية نحو سبع وستين سنة، وهو أقل من قرن الإزاحة المعتاد، فالحجة هنا قالب وثائقي يجمع بنوداً متقاربة: نحو معاهدات محفوظ بنداً ببند تتكلمه رواية الهدنة. والقراءة المنافسة ترى في رد الفارين عرفاً معروفاً في معاهدات الروم وفارس، فيكون الاشتراك عرفاً دبلوماسياً. وجوابها في الكثافة: رد الفارين وإلزام العملاء العرب ونزاع اللقب في الترويسة مجتمعة في وثيقة واحدة، وهذا الاجتماع هو ما يجعل القالب خيطاً جاداً.

عند هذا المفصل تتجمع خيوط سؤال ظل يكبر منذ فصل اليمن. جمعت أخبار الجنوب والحرب والرسائل شواهد متصلة بالعالم الذي ظهرت فيه الدعوة: الفيل أقرب إلى منتصف القرن السادس منه إلى سنة ٥٧٠، والأحداث التي يتقاطع معها القرآن من بيئة القرنين الخامس والسادس وأوائل السابع، والمملكة العربية المسيحية سقطت سنة ٦٠٢ فتركت فضاءها شاغراً. ومن مقابلة هذه الشواهد بالتأريخ الذي استقر في الكتب ينشأ سؤال الإزاحة الزمنية صريحاً: متى بدأت القصة حقاً؟

الفصل العاشر

الإزاحةُ الزمنيّة: متى بدأت القصّةُ حقّاً؟

دُوّنت الرواية المفصلة لبدايات الإسلام، بأسمائها وأنسابها وتواريخها، في صورتها المكتملة بعد الأحداث بقرن أو أكثر. عاشت الأخبار قبل ذلك في الرواية والذاكرة، وبقيت من زمنها شهادات سريانية ويونانية وأرمنية ونقوش ووثائق. ترسم هذه الشهادات صورة لا تطابق دائماً القصة التي استقرت لاحقاً، ومن هذا الفرق تنشأ فرضية الإزاحة: بعض ملامح القصة ينتمي إلى زمن أبكر مما استقر عليه التأريخ المتأخر. وهي أجرأ فرضيات الكتاب، تعيد ترتيب زمن القصة ولا تنفيها.

خبر النبي عند العرب

أقدم نص مؤرخ من خارج التقليد يذكر الحركة الجديدة حوار يوناني يسمى «تعليم يعقوب المعمَّد حديثاً»، يؤرخ بنحو سنة ٦٣٤، وأرجح أن تأليفه كان في قرطاج بشمال إفريقيا. يجري الحوار مع يهودي اسمه يعقوب في سياق دخوله المسيحية، ويورد خبراً جاء من فلسطين. وهذا تعريب للموضع:

«وكتب إليّ أخي أنّه قد ظهر نبيٌّ مع العرب... فلمّا سمعتُ هذا قلتُ لشيخٍ من العارفين بالكتب: ما تقول في النبيِّ الذي ظهر مع العرب؟ فقال متنهّداً: إنّه مُضلٌّ، وهل يأتي الأنبياءُ بالسيفِ والمركبة؟ ... على أنّ هذا الذي ظهر يُبشّر بمجيءِ الممسوحِ المنتظَر.»

النبي في هذا الخبر حي وقت تداول الكلام عنه، فالنص معاصر لا لاحق. وتضع الشهادة ظهوره على ثغر فلسطين والشام، في عالم يتنازع فيه اليهود والنصارى على المسيح، وتصوغ بشارته بلسان مسيحاني. فأول ظهور مؤرخ للحركة يقع حيث ينظر هذا الكتاب بالضبط: على الثغر الشمالي المسيحي، لا في عزلة حجازية. وتفصيله لا يطابق في كل شيء الرواية المكتملة اللاحقة، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه سجل مبكر مستقل.

مكة في سجل النقوش

ناقشت باتريشيا كرون في دراستها عن تجارة مكة قلة ذكر المدينة في جغرافيا أواخر العصر القديم وأخبار التجارة والطرق. وأدق من ذلك، لأنه عدّ لا مجادلة: يقرر إلكّا لِندستِدت، في «محمد وأتباعه في سياقهم»، أن عشرات الألوف من نقوش الجزيرة السابقة للإسلام تسمي أماكن كثيرة، وفيها ثلاثة نقوش أو أربعة تذكر يثرب أو المدينة، وليس فيها نقش واحد يذكر مكة أو الكعبة. وقوة هذا من جهة قائله: فلِندستِدت ليس من المراجعين، يحمل قراءة تقليدية، ويقرر حال النقوش واقعةً من وقائع السجل.

تتجمع النقوش حيث نقش الناس وحيث بلغ المسح الأثري، والحجاز أقل مسحاً من الشمال. فالغياب قرينة سلبية، وصياغتها الدقيقة أن السجل أرق عند المركز القياسي منه عند أطرافه. وحين تضم إلى وفرة ذكر اليمن والعراق والشام في الفترة نفسها، تطرح سؤال مركز الثقل الأول. وهنا الجسر بين الإزاحة الزمنية والانتقال الجغرافي: حيث تكثر الشواهد المعاصرة نجد الشمال والجنوب، لا الحجاز.

الرق والكتابة

عثر سنة ١٩٧٢ في الجامع الكبير بصنعاء على رقوق، منها طرس كتب عليه نص ثم مُحي وكتب فوقه نص آخر. في طبقته السفلى ترتيب مختلف للسور وفروق لفظية عن النص الظاهر، ويؤرخ رقّه بالكربون المشع إلى منتصف القرن السابع أو قبيله. أما رقاق برمنغهام فنتيجة تأريخها بين سنة ٥٦٨ وسنة ٦٤٥.

كتبت هذه المصاحف بالرسم، أي الهيكل الحرفي، مع قليل من النقط والشكل أو بدونهما. كان تقليد القراءة الحي يمنح الكتابة صوتها، كما في الكتابة السريانية. ويرينا طرس صنعاء التقليد المكتوب قبل أن يستقر على صورته القياسية: تمسك المخطوطات بالكتاب في لحظة تثبّته، وهذا ما تتوقعه حجة الزمن. وهو وصف لتاريخ كتابة النص لا انتقاص له، فلكل نص منقول بالكتابة تاريخ تثبّت في الرسم والنقط والقراءة.

ويظهر التوتر في مثال مرسوم عند مقابلة مدى برمنغهام بالتأريخ التقليدي: مولد النبي نحو ٥٧٠، وابتداء الوحي نحو ٦١٠، والجمع العثماني نحو ٦٥٠. الطرف الأدنى لمدى الرق، ٥٦٨، أقدم من المولد التقليدي نفسه؛ فمادة مصحف قد تسبق، في تأريخها المخبري، الأحداث التي يرويها التقليد تأريخاً متأخراً. والكربون يؤرخ مادة الرق، والطرف الأعلى، ٦٤٥، يوافق الرواية؛ فالشاهد يجسد التوتر بين تأريخ المادة المعاصر وتأريخ الرواية المتأخر، وهما لا ينطبقان انطباقاً مريحاً.

الفترة وطرفها البعيد

تصف المائدة ١٩ مجيء الرسول بأنه «على فترةٍ من الرسل». تقرأ الرواية المعتادة نحو ستة قرون بين عيسى ومحمد. ونقرؤها هنا قوساً يقارب ألف سنة، له طرفان: قريب تتصل فيه النشأة بعالم الحيرة في القرن السادس الميلادي، وبعيد يقف فيه عيسى القرآني في الموجة المحورية من القرن السادس قبل الميلاد.

في تلك الموجة قام زرادشت في إيران، وبوذا في الهند، ولاوتزو في الصين، ونبونيد في بابل. ونبونيد أقربهم إلى جغرافيا الكتاب: اعتزل عشر سنين في تيماء شمال الجزيرة، في الممر نفسه الذي يضع فيه هذا الكتاب عالم عيسى، ورفع شأن سين إله القمر على حساب مردوخ. وكشف نقش الحائط المنشور سنة ٢٠٢١ عن برنامجه الديني، وحفظت «صلاة نبونيد» من قمران نمط المغفرة ثم الشفاء الذي يتردد في أخبار عيسى.

هذا الطرف أجرأ طرفي القوس، ودرجته التخمين المعلن، وتفصيل حجته في فصل تيماء ونبونيد. وهو يفسر لماذا سمى القرآن ما قبل محمد «فترة» طويلة: الرسول الذي سبق يقف عند الشاطئ الأبعد من القوس. والطرفان يغذي أحدهما الآخر: العمق يفسر طول الفترة، والقرب يفسر كيف أعيد تأريخ طرفها الأدنى إلى الأمام.

قبة الصخرة والوثائق المبكرة

في سنة ٧٢ للهجرة، نحو ٦٩١ للميلاد، حمل شريط قبة الصخرة في القدس ألفاظ القرآن واسم محمد في بناء علني للدولة. هو الحد الأعلى الصلب للإزاحة: اللحظة التي يقف فيها معجم القرآن ثابتاً مؤرخاً علنياً في عمارة الدولة، وستأتي تفاصيله في فصل النقوش والسكة. والاسم نفسه أقدم منه في السكة والوثائق، وهذه الوثائق تحدد الحد الأدنى.

منها بردية PERF 558، إيصال باليونانية والعربية من إهناسيا بمصر، محفوظ في فيينا، مؤرخ بجمادى الأولى سنة ٢٢. أخذ عبد الله بن جابر خمسة وستين رأساً من الغنم من يوحنا بن أبي قير لإطعام الجند؛ خمسة عشر لجند النهر والباقي لجند البر. وتحمل الوثيقة توقيعاً وختماً. وهي أقدم وثيقة مؤرخة باقية للإدارة العربية، وفيها تقويم جارٍ في العمل اليومي.

ومنها خبر توما القس، الذي كتب نحو سنة ٦٤٠ عن معركة يوم الجمعة ٤ شباط سنة ٦٣٤، على اثني عشر ميلاً شرق غزة، بين الروم و«عربِ محمّد». ذكر مقتل البطريق وردان ونحو أربعة آلاف من القرويين المسيحيين واليهود والسامريين. يفصل بين التدوين والواقعة نحو ست سنين، ويسجل الخبر اليوم والشهر.

وفي صدر مخطوط إنجيل سرياني بالمتحف البريطاني، Add. 14461، حاشية تؤرخ بنحو سنة ٦٣٧، تصف القتال قرب الجابية بصيغة «رأينا»، وتسمي المقاتلين «طيّايي دِمْحمد»، أي عرب محمد.

هذه الوثائق الثلاث تضع حركة مقترنة باسم محمد في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن السابع، وإدارة تعمل بتقويمها. وهي أقوى ما يواجه قراءة المئة سنة إذا طبقت على الأحداث كلها، لأن الوثيقة الإدارية لا تؤلف لغرض ولا تروى بإسناد. وموضعها في هذه الفرضية واضح: هي الحد الأدنى الذي تقف عنده الحركة باسمها، والإزاحة تعمل فيما قبله، في النشأة وطول الفترة وتكوّن القصة في عالم الحيرة. فالإزاحة محصورة بين حدين: شاهد من سنة ٦٣٤ يذكر نبياً حياً، وجدار من سنة ٦٩١ يجعل المعجم رسمياً، وبينهما يجري التثبت. بحث غروهمان البردية، ونشر بالمر وبروك وهويلاند أخبار توما والحاشية في «القرن السابع في الحوليات السريانية الغربية»، وجمع هويلاند الملف في «رؤية الإسلام كما رآه الآخرون».

حدود الإزاحة

اختلف الباحثون في زمن تثبيت النص والرواية. ذهب جون وانسبرو في «دراسات قرآنية» إلى تأخر تثبيت الصورة القياسية، وحاول كرون وكوك في «الهاجرية» إعادة بناء البدايات من الشواهد الخارجية. وبحث يهودا نيفو وجوديت كورين النقوش والآثار، وجمع هويلاند شهادات القرن الأول. وفي الجهة المقابلة يرى فريد دونر أن جانباً كبيراً من جوهر الرواية يصمد للنقد. ويأخذ هذا الكتاب من المدرسة النقدية منهجها لا نتائجها الجاهزة: أن يوضع الشاهد المعاصر في الميزان، وأن تُعرف الفجوة بين زمن الحدث وزمن تدوينه، وأن يسأل عما تملؤه تلك الفجوة. والجواب على دونر أن الجوهر الذي يصمد عنده هو نفسه ما تحفظه الإزاحة: أصحاب الأخبار وأحداثها، مع زمن أعيد ترتيبه.

فالرواية المكتملة جمعت في زمان واحد ومكان واحد أخباراً نشأت في أزمنة أطول وأماكن أوسع. هذا هو التوتر الحقيقي بين تأريخ الشواهد المعاصرة وتأريخ الرواية المكتملة، ومقدار الإزاحة على وجه التحديد ترجيح مفتوح. والذاكرة تحفظ الأحداث وتعيد تأريخها وترتيبها حين تدونها متأخرة، ولا تمحو أصحابها.

ولهذا التصور أثر مباشر في قراءة الأسماء. فحين يبشر عيسى في القرآن برسول من بعده اسمه أحمد، تستقيم الآية بعسر نبوءةً تعبر ستة قرون من جليلي القرن الأول إلى عربي القرن السابع. أما إذا وضع عيسى عند الطرف العميق للفترة وقرئت الإزاحة، فالآية إشارة درجة إلى قمة داخل خط واحد متصل: نبي يبشر بمن هو أعلى منه في الحمد. وكذلك حيرة المفسرين في عمرانين، أبي موسى وأبي مريم، تفصل بينهما قرون: هي ما تتوقعه الإزاحة حين ينطوي عمق الفترة فيُطوى لقب بيت واحد في شخصين متباعدين. فالإزاحة مفتاح يعيد للنصوص اتساقها، وتفصيل القراءتين في باب الأسماء.

ومن هذه الفرضية يصل البحث إلى طرفها العميق في تيماء: الواحة التي أقام فيها ملك بابل، والممر الذي يربطها بالعراق وواحات شمال الحجاز.

الفصل الحادي عشر

تيماءُ ونبونيد: الطرفُ العميقُ من الفترة

أقام نبونيد، آخر ملوك بابل، عشر سنين في تيماء بعيداً عن عاصمته. وتصفه الرواية البابلية المعادية في «الحولية الشعرية» باضطراب العقل. والجواب أن الصحراء لم تكن خاوية، وأن نبونيد لم يبتدئ شيئاً: كانت الواحة جزءاً من مجال أدارته دول الرافدين قبله بقرنين، وله فيها حكم وطرق وصلات سياسية ودينية. يقرأ هذا الفصل إقامته ضمن ذلك التاريخ، ثم يبسط الطرف البعيد من الفترة الذي يقف عنده عيسى القرآني، وهو أجرأ ما في الكتاب، والأجرأ أحق ما يبسط.

ملكات العرب في السجل الآشوري

في حوليات تِغلَث فلاسر الثالث، نحو سنة ٧٣٨ قبل الميلاد، أدت زبيبة ملكة العرب الجزية لآشور. ثم تحالفت شمسي مع رصين الدمشقي وهُزمت سنة ٧٣٢، وبقيت على عرشها تحت مشرف آشوري، وكانت تؤدي الجزية أيضاً سنة ٧١٥. وتظهر يتيع ملكة العرب في خبر حملة سنّحاريب الأولى سنة ٧٠٣.

وأصرح من ذلك كله خبر أدومّاتو، دومة الجندل في الجوف، شمال تيماء على الممر نفسه. غزاها سنّحاريب وهزم الملكة الكاهنة تئلحونو وحليفها حزائيل، وسبى صور معبودات العرب. ثم صالح أسرحدّون حزائيل، ونقش اسمه على الصور نفسها وردها، وأرسل تبوعة، التي ربيت في القصر الآشوري، ونصبها ملكة. وتسمي النقوش المعبودات الستة بأسمائها، وأولها أترسمين، أي عثتر السماوات، وهو أقدم شاهد صلب على لقب رب السماء الذي يتتبعه هذا الكتاب نازلاً إلى رحمانان.

ومن أسماء هذا البلاط تبدأ المقارنة اللغوية، والاطرادات مقولة أولاً: تكتب الخاء الأكدية الحاء والخاء، وتقابل الشين السين أو الثاء، وحركات الإعراب نحو لا اسم. فشمسي هي شمس بالإضافة، إلهة الجزيرة الشمسية المؤنثة على عرش، قراءة من درجة المعايرة. ويتيع الملكة ويوثع بن حزائيل بعدها بجيل يحملان جذراً واحداً: ي-ث-ع الجنوبي، أنقذ، جذر يثعأمر ويثعكرب في نقوش سبأ، وهو التوأم الجنوبي لجذر يشوع ويسوع. اسمها «هي تنقذ» واسمه «هو ينقذ»: جذر الإنقاذ اسماً ملكياً عربياً على هذا الممر قبل العصر الذي أشهره بسبعة قرون.

وحزائيل هو «رأى الله»، والعربية تحفظ فعله في لقب العراف نفسه: الحازي. أما اسم تئلحونو فيستعصي على التقطيع، ولقبها لا يستعصي: «الأپكلّاتو»، الحكيمة، مؤنث «أپكلّو»، اسم حكماء الرافدين السبعة. وهذه اللفظة نفسها عبرت إلى الجزيرة وبقيت في نقوش الأنباط وشمال الجزيرة لقب كاهن عاملاً: أفكل. اسم الملكة ضاع، ومنصبها عبر الممر وعاش.

العاصمة والمعبد

يبدأ اسم سنّحاريب نفسه بالقمر: سين-أخّي-إريبا، «سين رأب فقد الإخوة». وأخّي هي أخ العربية بعينها، وإريبا من الجذر الذي تحفظه العربية في رأب الصدع. فخيط سين لا يبدأ بنبونيد؛ الملك الذي أدار هذا الممر قبله بقرن ونصف يحمل قمر حران أول اسمه.

ثم صنع سنّحاريب الأمر الذي يحرمه دستور الإقليم: دمر بابل، العاصمة الدينية، سنة ٦٨٩، ورفع إلهه آشور في دور مردوخ، ونقل أعمالاً دينية إلى الشمال. ودامت المحاولة ثماني سنين، ثم قُتل في معبد بأيدي بنيه، وقرأ أهل العصر المكان حكماً. وأنفق أسرحدّون ملكه في رد كل شيء: بنى بابل ورد مردوخ، وفي السياسة نفسها رد معبودات العرب إلى دومة. فما سباه الأب من العواصم الدينية رده الابن إليها.

وهنا قاعدة تحكم هذا الكتاب كله: للإمبراطوريات عاصمتان. إدارية يبنيها الملك وينقلها ويهجرها، وقد نقلتها آشور من آشور إلى كلخو ثم دور-شرّوكين ونينوى؛ ودينية لا يقدر على نقلها ملك، فملوك آشور توجوا في مدينة آشور ودفنوا فيها أياً كانت عاصمتهم، ومن أراد لقب ملك بابل أخذ يد بيل في بابل نفسها. ولما سقطت نينوى سنة ٦١٢ انسحب آخر ملوك آشور إلى حران، العاصمة الدينية الغربية، مدينة القمر، وقاوم فيها نحو ثلاث سنوات. الدولة تموت في عاصمتها الإدارية وتقف وقفتها الأخيرة في الدينية.

وتعد شاهدة أدّا-جوبّي سنيها من عهد آشوربانيبال؛ فبيت نبونيد بقية حران الآشورية نفسها، وبرنامجه نهوض العاصمة الدينية الأخيرة بيد البيت الذي لم يغادرها. والقاعدة تجري إلى آخر الكتاب: قطيسفون تدير ونيران فارس تتوج، والحيرة حاضرة العرب الدينية تحت يد إدارية فارسية، وعواصم الحكم الإسلامي تنقلت من المدينة والكوفة إلى دمشق وبغداد وسامرّاء، والمقدس الذي يستقبله الناس في الصلاة لم يتحرك. الملوك يملكون الإدارة، والمقدس يملك الملوك.

أما كتابة اسم آشور بعلامتي AN.ŠÁR، أنشار، بمعنى «كل السماء»، فقد سبقت سنّحاريب بألف سنة، وكانت كتابة المدينة AN.ŠÁR.KI معروفة في العصر الآشوري القديم؛ فهي ليست ابتكاراً من كتبة سنّحاريب. استعمل علماء القرن السابع قراءة موروثة في برنامجهم، وأعادوا صياغة «إينوما إيليش» بآشور في دور مردوخ. وهذا التصحيح في صالح الكتاب: قراءة اسم معبود على حروفه لتقرير مرتبته عادة كتابية رافدية عمرها ألف سنة، والكتاب يصنع بالعربية ما صنعته آشور بالأكدية.

وآشور الإله بلا صورة: لم يعثر على تمثال عبادة له في نتائج الحفر. الذي يخرج مع الجيش راية، والذي يقوم في إيشارّا، «بيت الكلية»، حضور لا جسد. فإله أشد دول القديم تعسكراً بلا أيقونة، واسمه الواحد يحمل مدينة وأرضاً وقوماً وكل السماء معاً. وهذا قريب جداً من عقدة الكتاب: إله أعلى لا يصور، واسمه لقب وظيفة لا اسم فرد. وهو غياب في تقرير الحفر، لا قراءة في نص.

بنات الملوك والسلطة

تذكر صفقة أسرحدّون مع حزائيل رد صور المعبودات وبنات ملوك سابقين سباهن سنّحاريب، في معاملة واحدة ومن مخزن واحد. فبنت الملك في ذلك العالم قطعة من شعار الحرم، تحفظ مع الصور وترد معها. وهي المؤسسة نفسها التي يشغلها نبونيد بعد قرن ونصف حين ينصب ابنته كاهنة كبرى لإله القمر بأور، ويقول في نقشه إنه يحيي منصباً قديماً مهجوراً. فالملكة الكاهنة العربية والكاهنة البابلية منصب واحد، والأرشيف الآشوري ممسك بطرفيه.

وبعد موت حزائيل نصب أسرحدّون ابنه يوثع وأرسل جنداً يثبتونه على المتمردين: سلطة من خارج القبيلة تعين ملكها وتحرسه. وهي المؤسسة نفسها التي تظهر في خبر التاج الذي كان يهيأ لعبد الله بن أُبَيّ بيثرب، فتغير الراعي وبقيت المؤسسة. وفي حملة أسرحدّون على مصر سنة ٦٧١ ذكر لإبل وماء جاءت من قبائل عربية تابعة، ومنها مِبسام؛ والاسم رابع بني إسماعيل في التكوين، وله موضع آخر في فصل الأسماء.

في هذا المجال نزل نبونيد تيماء سنة ٥٥٣: نطاق تديره بلاد الرافدين منذ قرنين، فيه ملكات معترف بهن، وكاهنات لهن ألقاب رسمية، ومعبودات تسبى وتنقش وترد في صفقات دول. فإقامته الفصل الأخير من سياسة رافدية متصلة في شمال الجزيرة، وصاحبها كان يتم ما بدأه أسلافه، لا ملكاً اختل عقله وهرب إلى قفر.

واحات في شاهدة حران

في شاهدة حران يسمي نبونيد، بلسانه، الأماكن التي حكمها خلال السنين العشر: تيما، ودَدانو، وپَداكّو، وخِبْرا، ويَديخو، وحتى يثربو. وتقرأ بالعربية فيظهر المعنى في الحال: تيماء، ودَدان وهي العلا، وفَدَك، وخيبر، ويثرب. ففي جملة واحدة من نقش ملكي من القرن السادس قبل الميلاد تقف سلسلة واحات شمال الحجاز كاملة، وهي بعينها عالم الواحات الموحد واليهودي في أخبار السيرة، قائمة واحدة أمسكها ملك رافدي قبل ذلك باثني عشر قرناً.

واستخرجت من تيماء نفسها نقوش مسمارية فيها مادة ملكية لنبونيد، فالإقامة مشهودة من الطرفين: في أثر العاصمة وفي تربة الواحة. وكان حكام هذا الممر قد اتصلوا بدومة الجندل أيضاً، ويصف ملكها نفسه بأنه عبد لنبونيد.

فمسألة البيئة تحسم وثائقياً: من كان بتيماء في ذلك العقد كان على رأس سلسلة تنحدر إلى يثرب، وتيماء وعالم واحات السيرة نظام واحد مسمى في نص واحد. ومن جهة بابل تسجل ألواح آل ياهودو جماعة يهودية منذ سنة ٥٧٢ قبل الميلاد. فالسؤال الذي طال، من أين جاء سكان خيبر وفدك ويثرب الموحدون الناطقون بالآرامية، يجد هنا جوابه الوثائقي: الطرفان مشهودان، والطريق بينهما مشهود أيضاً. وهذا هو الثقل الرافدي مرئياً بالعين: بابل تمد يدها بالاسم إلى قلب الحجاز، والحجاز طرف ممر لا جزيرة معزولة.

أدّا-جوبّي ونذر المعبد

اكتشف رايس سنة ١٩٥٦ مسلتي أدّا-جوبّي، أم نبونيد، في أرضية الجامع الكبير بحران عند موضع المعبد القديم. تتكلم الشاهدة بصيغة المتكلم عنها، فهي من أندر ما بقي من كلام امرأة في العالم القديم. وتذكر أنها عاشت مئة وأربع سنين في خدمة سين، تنذر له وتبتهل، ثم تنسب ملك ابنها إلى استجابة الإله لخدمتها.

وفي القرآن تنذر امرأة عمران ما في بطنها: «رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي». ثم تتقبل مريم قبولاً حسناً، ويكفلها زكريا، خادم المحراب، ويجد عندها رزقاً كلما دخل عليها. البنية واحدة في الموضعين: امرأة من أهل الهيكل، ونذر، وولد يوهب للمعبد ويصير إلى ما صار إليه بسبب ذلك النذر. والنصان كلاهما من غير روايات الإخباريين: أحدهما منقوش في الحجر بلسان صاحبته، والآخر منزل متلو.

وهذا خيط يفتح ولا يقيم اتحاداً بين المرأتين. لكن أدّا-جوبّي أوثق امرأة هيكل موثقة في ذلك القرن وذلك الممر، ومن قرأ عيسى في تيماء لزمه أن يسأل أين تقف مريم.

صلاة نبونيد ودانيال

تحفظ شذرة آرامية من كهف قمران الرابع، 4Q242، خبر نبونيد بصيغة المتكلم: مرض سبع سنين في تيماء، ثم غفرت ذنوبه فبرئ. وهذا نمط الغفران ثم الشفاء الذي يتردد في خبر عيسى: «مغفورةٌ لك خطاياك، قُمْ وامشِ».

الإله الغافر الشافي في الشذرة هو العلي إله اليهود، وينبذ الملك أصنام الفضة والذهب والخشب؛ فهي شهادة على شفاء عبر قناة يهودية. وتؤرخ المخطوطة بالقرنين الثاني والأول قبل الميلاد، فالنمط موروث مشترك في زمن الهيكل الثاني: الذنب يمرض والغفران يشفي. ويبقى بعد ذلك ملك بعينه، في واحة بعينها، تروى سيرته بالمرض والغفران والشفاء قبل الأناجيل بقرون.

وفي الشذرة نفسها ما هو أنفع للكتاب. يروي دانيال ٤ ملك بابل ضُرب سبعة أزمنة، فطرد من الناس إلى الوحوش، وصار شعره كريش النسور، ثم بارك العلي فعاد إليه عقله، والملك في دانيال نبوخذنصّر. وتروي 4Q242 ملك بابل ابتلي سبع سنين بتيمان حتى غفر له، والملك فيها نبونيد. خبر واحد وملكان. والتفاصيل التي لا تلائم إلا أحدهما، السنون السبع والغياب عن بابل، لنبونيد: غيابه موثق في نقوشه وفي حولي بابل، ولا يقول مصدر بغياب مماثل لنبوخذنصّر. فالصيغة القانونية فيها الملك الخطأ، والصيغة الصحيحة بقيت في كهف.

وتلك آلية هذا الكتاب المركزية مبرهنة ومؤرخة: خبر يعلق برجل مؤسس، ثم ينتقل إلى الاسم الأشهر من السلالة نفسها والمدينة نفسها، ولا يرى الانتقال من داخل المدونة الباقية. ورئي سنة ١٩٥٢ لأن مخطوطاً ظهر لم يصححه أحد. والمثال لا يجعل كل نسبة مشهورة نقلاً؛ يبرهن على ما هو أنفع: أن النقل يقع، وأنه يقع سريعاً، وأنه يقع بين شخصيات تاريخية حقيقية، وأن السبيل إلى معرفته صدفة بقاء.

الشهادات المختلفة عن الملك

جاءت صورة نبونيد في المرثية الهجائية البابلية بعد سقوطه، وأسطوانة قورش، الذي حل محله، والنبوءة السلالية المكتوبة بعد الوقائع. ولا يعرف هيرودوت اسمه، ويرد خبره في دانيال باسم ملك آخر. وفي الجهة الأخرى نقوشه بحران، التي وجدت مقلوبة الوجه في أرضية المسجد سنة ١٩٥٦، وبينهما حولي بابلي مكسور. فألفين وخمس مئة سنة كانت صورته مرسومة بأقلام من خلعوه، وجاء التصحيح لأن مسجداً أعيد رصفه.

أتاحت النقوش مقابلة ما قاله الملك عما صنعه بما رواه خصومه، فأرتنا كم أضافت الرواية المعادية. بقي العقد في تيماء والابن والخصومة مع الكهنة، وكلها صحيح، وأضيف الإله المبتدع والجنون واحتقار مردوخ، وكلها مبالغ فيه. وإطار صحيح بإضافات معادية في مواضع الحمل هو ما يتوقع كلما قرئ مؤسس عبر خلفائه، وهو هنا مقيس لا مفترض.

عيد لم يقم

يتكرر في الحولي أربع مرات أن الملك في تيما، وأنه لم يأت إلى بابل في نيسانو، ولم يخرج بيل، ولم يقع عيد الأكيتو. وكان العيد الفعل الذي يصير به الرجل ملكاً سنة أخرى: يدخل الملك إيساجيلا، وينزع الكاهن الأكبر شاراته ويصفعه على خده ويجثيه ليعلن براءته من الإساءة إلى المدينة، ثم يعيد إليه الشارات ويأخذ الملك بيد الإله.

فملك يبعد عقداً كاملاً، مع بقاء عرشه وجيشه تحت ابنه وإدارته عاملة، يمتنع سنوياً وعلانية عن الشعيرة التي تخضعه للكهنوت. والسجل الذي بين أيدينا عنه كتبه الرجال الذين أبى أن يأخذ بأيديهم. واللفظة التي كتب بها الكاتب أن العيد لم يقع هي baṭil، جذر الباطل والبطلان: لفظ مد إليه كاتب بابلي يده في القرن السادس قبل الميلاد ليقول إن فعلاً واجباً لم يقع، وهو اللفظ الذي يقول به فقيه ببغداد بعد اثني عشر قرناً إن فعلاً وقع لا أثر له.

الحفر وحساب الزمن

كان نبونيد يبحث، عند ترميم المعابد، عن ودائع الأساس القديمة، ويأمر بقراءة النقوش ونسخها وباتباع مخطط البناء الأول. وبهذه الأعمال اشتهر وصفه بأول آثاري. وفي سِبّار ذكر أنه وجد وديعة نَرام-سين، وجعل المسافة بينهما ثلاثة آلاف ومئتي سنة؛ والمدة على التسلسل المعتمد نحو ألف وسبعمئة سنة، فرقمه زائد بنحو خمسة عشر قرناً.

والتفسير المرجح للزيادة جمع سنين الملوك من قائمة، ثم عد المجموع زمناً منقضياً، مع أن بعض السلالات متزامن؛ ولا سبيل إلى كشف ذلك من داخل القائمة. وأشهر اعتراض على هذا الكتاب أن ناقلي التسلسل الزمني كانوا أقرب إلى الوقائع وعندهم سجلات ليست عندنا. ونبونيد كان أقرب، وعنده سجلات، ويشتغل على أثر مادي حفره بنفسه، وأدق ممن قبله، وأخطأ بخمسة عشر قرناً، ثم حفر رقمه في الحجر. فالقرب من الدليل والتدقيق والحفر في الحجر لا تصنع الصواب إذا كانت طريقة الحساب لا تميز التزامن من التعاقب.

ولماذا كان يحفر أصلاً؟ الجواب في نقوشه. يستحضر «لعنة أَكَّد»، المتن الرافدي الذي يفسر سقوط الإمبراطورية الأكدية عقاباً إلهياً، ويذكر أن نرام-سين أساء طقوس الأساس فحلت اللعنة، ثم يقول إنه كشف نقوش نرام-سين ورممها إجلالاً ليدفع عن نفسه الغضب نفسه. فأول حفر في التاريخ طقس اتقاء. وبهذا ينتظم البرنامج كله: الحفر والتأريخ والنسخ وإحياء منصب ابنته بأور، إجراءات رجل يحاول أن يقيم الأساس على الصواب. وذلك يزيد الخطأ دلالة: رجل يحفر خائفاً من لعنة أدق من رجل يحفر متسلياً، ومع ذلك أخطأ بخمسة عشر قرناً. الخطأ في الآلة لا في العناية، والذي يكشفه تسلسل زمني مستقل؛ وحيث لا يوجد، يبقى الخطأ ولا يرى.

نبو-نائد وعيسى

نبو في اسم نبو-نائد معبود الكلمة المكتوبة والمنطوقة، واسمه جذر ن-ب-أ، حقل النبأ والنبي. ونائد صفة من فعل أكدي بمعنى الحمد والتمجيد. فالاسم يعني: النبي محمود. ومحمد اسم مفعول من جذر الحمد، وأحمد أفعل تفضيل منه، والنبي المنبئ؛ فآخر ملوك بابل يحمل اسماً عنصراه بالأكدية هما العنصران نفسهما: حمد ونبوة. والاسم المتأخر لم يستعر من الملك الذي حكم منذ سنة ٥٥٦ قبل الميلاد؛ المخزون الاسمي واحد، وهذه ألقاب لا أعلام شخصية، وهذا اسم بالمسماري مبني من حمد ونبوة في الإقليم والأسرة اللغوية اللذين تجري فيهما حجة الكتاب كلها.

وكان نصارى العرب يسمون المسيح يسوع، قبل الإسلام وبعده، وتقابلها السريانية إيشوع والعبرية والآرامية يشوع، من حقل الخلاص. أما القرآن فيستعمل عيسى خمساً وعشرين مرة، ولا يستعمل يسوع قط. وقوة هذا في الامتناع نفسه قبل أي اشتقاق يقترح لعيسى: نص يخاطب جمهوراً فيه نصارى عرب، واسمهم للشخصية جارٍ على الألسنة كل يوم، ولم يستعمله مرة واحدة. ثم الأسماء المحيطة بالقصة: مريم أخت هارون، وامرأة عمران، وزكريا في المحراب.

ويطابق ذلك فراغ مطرد: لا روم، ولا والٍ، ولا تعداد، ولا هيرودس، ولا فريسيون، ولا جليل، ولا ناصرة في عرض القصة القرآنية. فرواية رجالها من قبل العصر الروماني وسكوتها هو العصر الروماني بعينه تسلك سلوك رواية عن شيء أقدم. وبهذه القراءة يصير ما أحصاه الشراح «أخطاء القرآن التاريخية» معطياته الزمنية، قيست إلى الآن بالقرن الخطأ؛ والعالم الذي تشير إليه هو القرن السادس قبل الميلاد.

الممر والجنوب

تتبع هذا الفصل سين من حران إلى تيماء، وسين هو الإله القومي لحضرموت في جنوب الجزيرة بالاسم نفسه. فالممر لا يقف عند يثرب؛ له طرف جنوبي يحمل اسم الإله ذاته. وفي الجنوب كانت المعبودات تخاطب بألفاظ القرابة: عَمّ، معبود قتبان، هو لفظ العم أخي الأب، وسمى أهل تلك المملكة أنفسهم بني عَمّ، ووَدّ في معين يخاطب أباً في صيغة «ودّ أب» على التمائم والأبنية.

وعمران هو عَمرام في الكتاب الأقدم، وأعلام الساميات تحلله إلى عَمّ ورام: القريب رفيع. فاسم البيت الذي يفرد له القرآن سورة اسم قرابة إلهية من الطراز الجنوبي بعينه، وآل عمران مصوغة كما تصاغ بنو عم. وهذه قراءة على ع-م-م، وقراءة العِمارة في فصل الأسماء على ع-م-ر: اسم واحد في طبقتين، ولا تحتاج إحداهما الأخرى.

وفي سورة نوح، أعمق نقطة في تأريخ القرآن: «وَدّاً ولا سُواعاً ولا يَغوثَ ويَعوقَ ونَسراً». يعرف سجل الجزيرة هذه الأسماء كلها، ويقول ابن الكلبي إن ودّاً كان لبني كلب، وإن بيته وصنمه في دومة الجندل، ويصف التمثال. ودومة هي أدومّاتو التي تذكر النقوش الآشورية سبي مقدساتها وردها، على مبعدة واحة من تيماء. فثلاث مجموعات من الأدلة لا يحاج بعضها لبعض تلتقي على واحة واحدة: القرآن يسمي الصنم، والإخباريون يضعون بيته، والنقوش الآشورية توثق حرمه. وما يؤخذ من ذلك جغرافيا: الجغرافيا الدينية الأقدم في القرآن واضحة، وتقع على الممر الذي يقرؤه هذا الكتاب.

وزن المقارنات

الأرض تحت هذا الفصل موثقة: ملك مسمى، وعقد مؤرخ، وواحات مسماة في نقشه، ونقوش مسمارية من تربة تيماء، وشاهدة أمه بلسانها، وشذرة قمران باسمه، وقرنان من السجل الآشوري قبله في النطاق نفسه. وثلاثة مما في الفصل أدوات لقياس دعوى الكتاب، وهي أثمن ما فيه: جوقة الخصوم التي تقاس زيادتها بالسطر حين يظهر نصف الملك المفقود، ونقل دانيال الذي يلتقط فيه انتقال الخبر من ملك إلى ملك أشهر منه، ورقم نرام-سين الذي يخطئ فيه أدق آثاري في القديم بخمسة عشر قرناً. وكل واحدة منها تجيب اعتراضاً بعينه على هذا الكتاب، بمادة لا صلة لها بالقرن السابع.

أما وصل عيسى القرآني بالموجة المحورية فهو الخيط الذي ينفرد به المشروع، قراءة من درجة التخمين المعلن، ومعياره مبسوط في ملحق القرابة. ودرجته تحديد لما يحمله: يفسر طول الفترة التي يذكرها القرآن نصاً، ويفسر بشارة عيسى بأحمد في خط واحد متصل، ويفسر حيرة المفسرين في عمرانين. والقصة تبقى قصة، ولها قاع أبعد مما ظُن. وبهذا يكتمل طرفا سؤال الزمن، ويبقى سؤال المكان: أين كان قلب القصة؟ وإليه يعود البحث في مكان العبادة واتجاه الصلاة.

الفصل الثاني عشر

القبلة: إلى أين صلّى الأوّلون؟

يحفظ القرآن خبر تحويل القبلة. ففي البقرة سؤال «ما ولّاهم عن قبلتِهم التي كانوا عليها»، ثم أمر «فوَلِّ وجهَك شطرَ المسجدِ الحرام». فالنص يثبت قبلة أولى صلى إليها الأولون مدة ثم حُوّلوا عنها، والرواية التقليدية تعينها ببيت المقدس، أي جهة الشمال. فالقصة المقدسة نفسها تحفظ في صلبها ذكرى اتجاه أول شمالي قبل الاتجاه الذي استقر. وتقرأ الرواية التحويل نسخاً وتشريعاً، ويضيف هذا الكتاب سؤال الجغرافيا: القبلة سهم مرسوم على الأرض يشير إلى مركز المقدس، وبقاء ذكرى القبلة الشمالية الأولى يوافق مركزاً أول شمالياً قبل أن يستقر.

اتجاه المساجد

ومن الذاكرة النصية ينتقل البحث إلى الحجر. درس دان غِبسون اتجاهات عدد كبير من المساجد المبكرة، ورأى أن أقدمها في القرن الأول للهجرة لا يصوّب إلى مكة بالدقة التي تظهر في المساجد التالية. وقرأ انحرافها إشارة إلى شمال الجزيرة، ولا سيما البتراء، ثم رأى الاتجاه إلى مكة يترسخ تدريجاً. وتدخل في دراسته مساجد من مصر والعراق والبادية والنقب، وتذكر بعض الروايات نفسها تصحيح قبلة مسجد مبكر بعد بنائه، وهو اعتراف من داخل التقليد بأن الاتجاه الأول لم يكن مستقراً.

ويقف في الجهة المقابلة ديفيد كِنغ، المختص بتاريخ تحديد القبلة. فالأوائل عنده استعملوا وسائل تقريبية، منها مشرق الشمس أو مغربها في موسم معين، وجهات الرياح، والاتجاه المنقول عن الصحابة؛ فالفروق تدل على طريقة تعيين جهة مكة، لا على مقدس بديل عنها.

والرأيان، على اختلافهما، يتفقان على الأمر الذي تحتاجه هذه القراءة: قبلة الأوائل لم تكن مصوبة إلى مكة بالدقة التي استقرت عليها لاحقاً. فعدم الاستقرار الأول قدر متفق عليه، والخلاف في تفسيره. وهذا الكتاب لا يحتاج أقوى ما ذهب إليه غِبسون؛ يكفيه هذا القدر الراسخ، مضموماً إلى ذاكرة القبلة الأولى في النص.

شهادة يعقوب الرهاوي

كتب يعقوب الرهاوي، المتوفى سنة ٧٠٨، أسقف سرياني وأعلم أهل كنيسته في جيله، في جواب يوحنا الأسطوني عن وجهة المسلمين واليهود في الصلاة. صحح القول إنهم جميعاً يتجهون جنوباً: فاليهود يتجهون إلى بيت المقدس، والمسلمون إلى الكعبة. ثم وصف مسلمي العراق بأنهم يتجهون غرباً، ومن كان جنوب مكة بأنه يتجه شمالاً.

تلتقي هذه الجهات في الحجاز، وهي أقوى شاهد أدبي مفرد يواجهه نقل المقدس الأول شمالاً. وموضعها من هذه القراءة يحدده تاريخها: كتب يعقوب نحو سنة ٧٠٥، بعد نحو سبعين سنة من البدايات، فهو يصف قبلة المسلمين في حياته هو، أي القبلة التي استقرت، وهي القبلة التي يقول هذا الكتاب إنها ترسخت مع الزمن. فشهادته شهادة على نهاية الانتقال، لا على أوله.

والعبارة في رسائله إلى يوحنا الأسطوني، بتحقيق نو وترجمة هويلاند في «رؤية الإسلام كما رآه الآخرون»، وألفاظها المحققة هي التي تحمل ثقل الاستدلال.

ما يبقى من الفرضية

ثلاثة أمور تجتمع: القرآن يحفظ ذكرى قبلة أولى شمالية، وأقدم المحاريب تفتقر إلى الاستقرار وتميل شمالاً، والاتجاه إلى مكة يترسخ مع الزمن. وهذه الثلاثة مجتمعة توافق فرضية الانتقال الجغرافي: مركز الثقل الأول كان شمالياً، والاتجاه إلى الحجاز ترسخ لاحقاً.

وقصة التحويل تقرأ آلية لا نفياً. فالذاكرة المقدسة لم تمح القبلة الأولى، بل حفظتها وجعلتها جزءاً من القصة، لحظة تحول مكرمة. وهذا ما تتوقعه الفرضية: الانتقال من مركز إلى مركز يحفظ في الذاكرة تحولاً، لا محواً. فالسهم الذي كان يشير شمالاً ما زالت ذكراه في النص وفي الحجر.

ويبقى تعيين الشمال. يختار غِبسون البتراء من قياس القبلة والحرم، ويقرأ هذا الكتاب مركز الثقل في فضاء الحيرة والعراق من دراسة اللسان والكنيسة والمؤسسات. وهما قولان في «أين الشمال»، يجمعهما أنهما يبعدان المركز الأول عن الحجاز نحو الشمال، وبينهما يفصل الفصل التالي.

الفصل الثالث عشر

البتراءُ أم الحيرة؟ مركزانِ شماليّان

البتراء مدينة الأنباط، منحوتة في الصخر الوردي جنوب الأردن، وكانت قبل الإسلام مركزاً عظيماً للتجارة والعبادة، لها حرم ومقدسات وحجر معبود. منها يبدأ دان غِبسون اقتراحه لمركز أول خارج مكة، ومن الحيرة تبدأ قراءة هذا الكتاب: من كتبتها وكنيسة المشرق والعِباد وميراث الحكم العراقي. قراءتان تتفقان في الاتجاه وتختلفان في الوجهة.

حجة البتراء

يبني غِبسون على ركيزتين: اتجاهات المساجد المبكرة، التي يراها تصوب إلى البتراء لا مكة، وأوصاف في القرآن يقرؤها على بيئة شمالية أخصب من وادي مكة: الزرع والزيتون والتين والنخيل، ورحلتا الشتاء والصيف، والوادي والمدينة. فالحرم والقبلة عنده كانا في البتراء أولاً، ثم انتقلا إلى مكة في الحجاز.

وهي قراءة جريئة، ونقادها اعترضوا خاصة على تفسير اتجاهات المساجد. ويلتقي هذا الكتاب معها في الأهم: المركز الأول شمالي أوسع من الحجاز وحده، والشواهد المبكرة، النصية والمادية، تدفع نحو الشمال. وحين تتفق قراءتان مستقلتان، إحداهما تبدأ من القبلة والأخرى من اللسان والمؤسسات، على أن الاتجاه شمالي، فهذا الاتفاق نفسه قرينة.

الحرم والمؤسسات

والفرق بين القراءتين فرق زاوية نظر أكثر منه فرق تضاد. ينظر غِبسون من زاوية الطقس والقبلة والحرم، فيقع نظره على البتراء ذات المقدس النبطي. وينظر هذا الكتاب من زاوية اللسان والكتابة والكنيسة والجماعات والرجال الذين عملوا في الدول التالية، فيقع نظره على الحيرة ذات اللسان المزدوج وكنيسة المشرق والعِباد. فالقراءتان تلتقطان طبقتين من إعادة التوجه الشمالية نفسها: البتراء طبقة الحرم والاتجاه، والحيرة طبقة اللغة والعقيدة والكوادر.

ولا يلزم أن تكون الطبقتان في مكان واحد. فالشمال قوس واسع من شمال الجزيرة والشام إلى أرض الرافدين: فيه البتراء في الجنوب الغربي، والجابية والرصافة في المجال الغساني بالشمال الغربي، والحيرة في المجال اللخمي شرقاً. وهذا القوس كله عالم عربي واحد متصل، تتوزع فيه وظائف المركز في العبادة والإدارة والتعليم.

صلة الخط

وبين البتراء والحيرة خيط مادي يصلهما، هو الخط الذي نكتب به. فالكتابة العربية نشأت من الخط النبطي، خط أهل البتراء. وحجر النمارة، الذي فتح به الكتاب، نص عربي كتب بالحروف النبطية في المجال الذي يصل عالم الأنباط بالشمال العربي وبيت لخم. وتنسب روايات نشأة الخط طوراً من تطوره إلى كتبة الأنبار والحيرة، ثم صار هذا الخط خط المصحف. فالخط الذي ولد في فضاء البتراء النبطي نضج في الحيرة على يد كتبة العِباد، والعالمان حلقتان في سلسلة واحدة: سلسلة الشمال العربي الذي حمل اللسان والخط والمقدس.

ولذلك فقراءة البتراء رفيق لقراءة الحيرة في الاتجاه، لا خصم لها. هي تضيف إلى القدر المشترك شاهد القبلة والحرم، ويضيف هذا الكتاب شاهد اللسان والكنيسة والاستمرار المؤسسي، وحين تجمع الشهادتان يقوى القوس الشمالي كله مهداً للقصة.

في الميزان

القدر المشترك، أن المركز الأول شمالي أوسع من الحجاز الخالص، هو الأقوى، وعليه تلتقي القراءتان. وتعيين البتراء بالذات قبلة أولى قراءة أجرأ، درجتها التخمين. وتعيين الحيرة مركز ثقل يستند إلى أدلة اللسان والمؤسسات والاستمرار التي بني عليها الكتاب كله، وهي أرسخ من دليل القبلة وحده. فالاتجاه شمالي بأكثر من دليل، والحيرة أثقل نقاطه شاهداً.

وبعد الزمن والمكان يبقى سؤال الأشخاص: الأسماء والألقاب التي حملت القصة وحفظتها الذاكرة.

الفصل الرابع عشر

الأسماءُ بوصفها ألقاباً

المنصور والمأمون والرشيد ألفاظ تصف أصحابها، ثم جرت في الأخبار مجرى الأسماء. وفي بيوت الملك تتكرر الألقاب جيلاً بعد جيل، فيتبدل حاملوها ويبقى اللقب. ومن هذا الاستعمال تبدأ فرضية الأسماء: كثير من الأسماء التي استقرت لها سير وأنساب عاش قبل ذلك صفات دينية أو سياسية، ألقاباً لمناصب ومنازل، ثم جمعت الذاكرة الخبر حولها في صورة شخص له سيرة ونسب وتاريخ ميلاد ووفاة. والذاكرة في ذلك تنقل وتكرّم: تحفظ الوصف الشريف وتجعله شخصاً مكرّماً.

المنذر وتكرر الأسماء

المنذر لقب ملكي لخمي متكرر، تناوب عليه ملوك الحيرة مع النعمان. وهو في الوقت نفسه لفظ ديني ثقيل في القرآن: المنذر والنذير، من جذر النذارة والإنذار، ومنه النذر والعهد. فملوك الحيرة حملوا لقباً معناه النذارة، والمنذر ملك ونذير في آن. هذا أوضح الأمثلة، ولا خلاف عليه: فيه يلتقي اللقب الملكي بالمعنى الديني في لفظ واحد. وإذا كان أوضح ألقاب الحيرة يجمع المُلك والنذارة، فالألقاب الأخرى تقرأ على مثاله.

ومن قرائن هذه الفرضية ازدواج الأسماء. امرؤ القيس صاحب النمارة سنة ٣٢٨، وامرؤ القيس الشاعر، صاحب المعلقة، بعده بنحو قرنين، وكلاهما من بيئة ملكية: اسم واحد لرجلين يفصل بينهما زمن طويل. والمنذرون يتكرر لقبهم جيلاً بعد جيل حتى يصعب تمييز منذر من منذر. هذا التكرار سمة بنيوية في عالم الألقاب: اللقب يتناسخ في حامليه، فيعسر على المؤرخ المتأخر أن يفرز الأشخاص من اللقب. وحين تدون القصة بعد زمنها ينقسم اللقب الواحد أشخاصاً، أو يجتمع أشخاص في لقب واحد.

محمد ومعنى الحمد

محمد من جذر الحمد: المحمود، الممدوح، الذي كثرت فيه الخصال الحميدة. فالكلمة في بنيتها صفة مدح عالية، من أرفع ما يوصف به إنسان. وقد قرأها لوكسنبرغ وباحثو مدرسة إينارا بإشراف أوليغ اسم مفعول بمعنى «المحمود» أو «المبارك»، عمل في بعض الشواهد المبكرة لقب مدح قبل أن يستقر علماً. ومن حجتهم شريط قبة الصخرة سنة ٦٩١، وفيه «محمّدٌ عبدُ اللهِ ورسولُه» في خطاب يحاجّ أهل الكتاب في المسيح. والتقليد نفسه يصل الجذر بأحمد، ويقرأ في بشارة «الفارقليط» في إنجيل يوحنا بشارة بأحمد؛ فحقل الحمد حاضر في هذا الموضع حضوراً كثيفاً، يجمع المعنى الديني بالاسم العلم.

وأقدم من القبة ورود الاسم على النقود وفي الوثائق التي مرت في فصل الإزاحة وفصل السكة. وتذكر كتب الأنساب رجالاً تسموا بمحمد قبل الإسلام، فالكلمة اسم شخصي معروف، وهذا أقوى ما يعترض به على قراءتها لقباً. والقراءتان تجتمعان: الكلمة الواحدة تعيش حياتين معاً، علماً يسمى به الناس، ومعنى وصفياً يبقى حياً تحته، كما في محمود وحامد وحميد، أسماء رجال وأوصاف مدح في آن. فكون محمد اسماً جارياً يثبت حياته الأولى، والثانية باقية معه. وفي السياقات المبكرة المخصوصة، كشريط القبة الذي يحاجّ أهل الكتاب في المسيح، تعمل الكلمة عمل الوصف التكريمي إلى جانب العلم: المحمود، عبد الله ورسوله. وهذه قراءة من درجة التخمين المعلن، وهي تكرم مقام النبي: تكشف كيف يلتقي أرفع المدح بأعز الأسماء.

الأسماء الخمسة

وجواب الاعتراض محفوظ في أصح كتابين عند المسلمين. يروي البخاري في المناقب ومسلم في الفضائل عن جبير بن مطعم قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«لي خمسةُ أسماء: أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ بي الكفر، وأنا الحاشرُ الذي يُحشَر الناسُ على قدمي، وأنا العاقب»

وفي رواية مسلم زيادة: «ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمة».

محمد اسم مفعول مكثف من الحمد، وأحمد أفعل تفضيل من الجذر نفسه، والماحي والحاشر اسما فاعل يشرح الحديث عملهما في الجملة نفسها، والعاقب الذي يجيء في العقب، أي الآخر. خمسة أسماء، كلها في هذه القائمة صفات عمل ومنزلة. والحديث يقول: الأسماء خمسة، ثم يعد خمسة مناصب، ولا يقول: اسمي فلان ولي ألقاب أربعة. فقراءة الأسماء ألقاباً هي ما يقوله التقليد عن نفسه، وقد قرئ الحديث طويلاً في باب الفضائل، وهو في باب الأسماء جواب صريح. وحول الخمسة تقرأ اللوحة نفسها: كان قبل البعثة الأمين، وهي صفة الأمانة، وأبوه عبد الله، وأمه آمنة، من جذر الأمن الذي منه الأمين. فالنسب القريب كله يقرأ كما تقرأ الأسماء الخمسة.

الماحي والعاقب والحاشر

وتقابل الأسماء الثلاثة الأخيرة بالكتب الأقدم فتخرج مطابقتان وصمت واحد، والصمت أثمن مما يبدو. فالماحي من م-ح-و، ومَحا العبرية هي اللفظة نفسها، وهي فعل المحو الإلهي في التوراة بعينه: في أخبار الطوفان «أمحو الإنسانَ عن وجهِ الأرض»، وفي قول موسى «امحُني من كتابِك»، ومحو ذكر عماليق، ومحو المعاصي في المزمور. في كل موضع الفاعل الله، والمفعول إنسان أو ذكر أو ذنب. وجملة الحديث هي التركيب نفسه، بزيادة الواسطة: «يمحو اللهُ بي الكفر».

والعاقب أثقل الثلاثة في المقارنة. العقب مؤخر القدم، والعبرية عاقيب هي اللفظة نفسها، والتكوين يشتق منها اسماً في موضعين: يشرح اسم يعقوب بأنه ولد ممسكاً بعقب عيسو، ثم يقول عيسو: «أفليس قد دُعي اسمُه يعقوبَ فَعَقَبني مرّتَين؟». فالعاقب ويعقوب من لفظة واحدة، ومعناهما واحد: الذي يجيء بعد. والقرآن يستعمل جمع اللفظة بعينها في الآية التي تفترض موت النبي: ﴿أفإنْ ماتَ أو قُتِلَ انقلبتُم على أعقابِكم﴾، فالمنصب والسؤال عمن يجيء بعده في جذر واحد. والمقارنة في اللفظة: اسم معناه «الذي يجيء بعد» كان اسماً في هذه الأسرة اللغوية قبل الحديث، وشرح النص الذي يحمله معناه بنفسه، وخامس الأسماء الخمسة هو اللفظة نفسها تعمل العمل نفسه.

والحاشر بلا نظير. ح-ش-ر عربية جيدة للحشد والجمع، وهي لفظة القرآن للآخرة، والجمع الأخير في السريانية كناش، وفي العبرية أساف أو قابَص، ولا يقوم مقام حشر نظير في أي منهما. وهذا الصمت نتيجة: لو كانت الأسماء الخمسة جدول مناصب مترجماً عن السريانية أو العبرية لكان الحاشر أسهلها ترجمة، فللتقليدين لفظ ثابت مشهور للحشر الأخير، وهو وحده الذي بلا نظير. فالقائمة نبتت في هذا اللسان: اسمان منها على جذرين تستعملهما الكتب الأقدم لهذين الفعلين بعينهما، والثالث أصيل. وهذا أقوى للقراءة من ثلاث مطابقات.

أسماء المولد والبيت

ويمتد النسق من اسم النبي إلى المولد كله. أمه آمنة، من الأمن والإيمان. وأبوه عبد الله، يموت قبل أن يعرفه الطفل، فينشأ يتيماً يتولاه ربه: «ألم يَجدك يتيماً فآوى» (الضحى ٦). ومرضعته حليمة السعدية، وفي جذرها الحِلم، والحليم من أسماء الله، والحُلم، أي الرؤيا التي تقول السيرة إن الوحي انفتح بها؛ وهي من بني سعد، من السعد والبركة، وقد فاضت بركة غنمها يوم أرضعته. وتقرأ الأسماء معاً فإذا المولد عقيدة نشأة مرسومة بالأسماء: نبي من الإيمان (آمنة)، من عبد الله، يتيم لا أب له إلا ربه، ترضعه الحلم والرؤيا (حليمة) في السعد والبركة (بنو سعد)، فيسمى المحمود (محمد). وقد احتفظ التقليد بهذه الأسماء بعينها حيث ضاع أكثر تفاصيل الطفولة، وهذا البقاء نفسه شاهد على أنها أسماء تحمل المعنى، وأصحابها باقون في مواضع التكريم. وهي قراءة للمجموعة كلها، من درجة التخمين المعلن.

وعلى المنوال نفسه تجري أسماء مركزية كثيرة في القصة المبكرة: صفات مدح أو رفعة. أوضحها سنداً علي، من العلو والرفعة، ولفظه اسم الله العلي نفسه، فالتقاء الاسم بالصفة الإلهية قائم في اللفظ. وإلى جانبه الحسن والحسين من الحسن والجمال، والصديق والفاروق وذو النورين، أوصاف صدق وتمييز ونور. وهذه قرينة نسق من درجة الاحتمال، يسندها ما ثبت في المنذر وبَحيرى من عمل اللقب في موضع الاسم.

أحمد وعمران

وفي هذا الباب اسمان مركزيان يصعدان بالفكرة درجة. الأول أحمد، أفعل تفضيل من الحمد، معناه الأعلى حمداً، ومحمد إلى جانبه اسم مفعول مكثف، المحمود كثيراً. والقرآن يضع هذه الصيغة في فم عيسى نفسه: يبشر عيسى في الصف ٦ برسول من بعده اسمه أحمد. وإذا قرئ الاسم صفة، كسائر ألقاب هذا الفصل، صار الأنبياء سلم حمد صاعداً: عيسى في درجة يبشر بمن هو أعلى منه حمداً، حتى يبلغ السلم ذروته عند صاحب المقام المحمود ولواء الحمد. وهذا ما ترسمه كتب الحديث صراحة في خبر الشفاعة، حين يعتذر آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ويقوم صاحب المقام وحده. فالقراءة تضع القمة حيث أشار إليها عيسى نفسه، والنحو وسلم الشفاعة سندان متينان لها. أما موضع عيسى عند الطرف العميق للفترة فأجرأ أطراف الفرضية الزمنية، وحجته في فصل تيماء ونبونيد.

والثاني عمران. يسمي القرآن آل عمران مع آل إبراهيم بيتاً مصطفى (آل عمران ٣٣)، ويذكر مريم بنت عمران وأخت هارون. وعمران لقب رب البيت الكهنوتي الذي منه هارون وموسى ومريم. وتفصل الرواية المعتادة بين عمران أبي موسى وعمران أبي مريم بقرون، ويحار القدماء في العمرانين؛ والحيرة تنحل حين يقرأ عمران لقب بيت يتكرر في رؤوسه، كما تتكرر الألقاب في بيوت الملك. وتسمي رواية ضعيفة عم النبي عمران، فيتصل البيتان: بيت النبي وآل عمران بيت نبوي كهنوتي واحد يمتد على طول الفترة، وهو ما يقرأ في أهل البيت أنفسهم. وسند هذا الوصل الأمتن في المنصب، كما يأتي.

عمران وعمارة الحرم

وجذر ع-م-ر أن تعمر المكان وتبقيه آهلاً وفي الخدمة، والقرآن ينزله على مؤسسة بعينها. تقول التوبة: «إنّما يَعمُر مساجدَ اللهِ من آمن باللهِ واليومِ الآخر»، ثم تضع الآية التي تليها المنصب في قائمة وتنازع في رتبته: «أجعلتم سِقايةَ الحاجِّ وعِمارةَ المسجدِ الحرامِ كمن آمن باللهِ واليومِ الآخرِ وجاهد في سبيلِ الله». فالسقاية والعمارة منصبان سدنيان متوارثان في خدمة الحرم، تسميهما الآية منصبين، وتحاج فيمن يستحق أن يليهما.

فإذا رد ذلك على الاسم صار عمران لقب العمارة: رأس البيت الذي يعمر الحرم، وآل عمران بيت سدانة حرم. وهذا ما يسلكه القرآن معهم: تنذر امرأة عمران ما في بطنها محرراً، أي مخلصاً للمعبد، وتتقبل مريم قبولاً حسناً، ويكفلها زكريا خادم المحراب، ويجد عندها رزقاً كلما دخل عليها هناك. كل عنصر في المشهد خدمة حرم، والمشهد كله يصدر باسم الأب. ويسلك الكتاب الأقدم المسلك نفسه: عمرام رأس الخط اللاوي، ووظيفة الخط كلها الخيمة ثم الهيكل، وأب بيت اسمه العمارة يولد منه الكهنوت هو صورة اسم الوظيفة حين يتوارث. وهذه قراءة على ع-م-ر، وتحليل عَمرام إلى عَمّ ورام في فصل تيماء قراءة على ع-م-م: اسم واحد في طبقتين.

وهنا يصير خيط الجد أمتن من رواية التسمية. ففي السيرة ولي جد النبي السقاية والرفادة، وتروي الأخبار حفره البئر التي بها تكون السقاية، وتلك هي المناصب التي تسميها آية التوبة في نفس واحد مع العمارة. فالرجل الذي يقرأ هنا عمران صاحب عنقود المناصب الذي تنتمي إليه الكلمة، والخيط معلق بالمنصب قبل الرواية. وتعيينه بعمران قراءة من درجة التخمين، تخمين في تعيين شخص، والآلية تحته، منصب يصير اسماً، مشهودة في الآية وفي مناصب مكة.

حضر وهجر

كانت قراءة حضرموت من «هجر-موت» تجمع ح-ض-ر وه-ج-ر في أصل واحد، وقد سحبناها، والتصحيح يفتح أكثر مما يغلق. فالجذران ضدان: حضر أن تقيم وتستوطن، ومنه الحاضر المقيم والحاضرة والحضارة، وهجر أن تترك وتفارق، ومنه الهجرة والمهاجر والمهجور. إقامة في مقابل مفارقة، وعلى هذا الزوج بعينه تجري القسمة الاجتماعية الكبرى في الجزيرة. والقرآن يستعمل القطبين مصطلحين في الحرم وفي باب الأحكام: تجعل البقرة أهل الحرم صنفاً حكمياً، «ذلك لمن لم يكن أهلُه حاضِري المسجدِ الحرام»، حالة يقوم عليها حكم، وفي الجهة المقابلة المهاجرون، الجماعة التي عرفت بالمفارقة وتأسست بها.

وجذر عمران في جهة الإقامة. فالتوبة تسمي عمارة المسجد الحرام منصباً، ونعت البيت الذي يقسم به الطور «البيتُ المعمور»، البيت الذي يبقى آهلاً، وفي جهة الترك أقسى ما قيل في التنزيل: «اتّخذوا هذا القرآنَ مهجوراً». فتضاد واحد يجري في معجم الحرم وأعمال أهله: عَمَرَ وحَضَرَ في جهة، وهَجَرَ في الجهة الأخرى. وحركة الحرم كلها هذا التضاد وهو يعمل: المشركون ما كان لهم أن يعمروا مساجد الله، والجماعة التي تليه تعرف بهجرتها، والمنصب الذي يحفظ البيت هو العمارة، ويليه البيت الذي اسمه عمران. فحافظ الحرم ومفارقه مسميان من جذرين متضادين، والقرآن يشرع للاثنين بهذين الاسمين. وبهذا تقف قراءة عمران داخل تضاد عامل يستعمله القرآن حكماً، وسندها الأول آية التوبة وعنقود مناصب مكة.

بنو إسماعيل في الأرشيف

وأقدم نسب عربي مكتوب يصير خريطة إذا وضع بإزاء أرشيف الدولة التي كانت تدير تلك البادية. يعُد التكوين بني إسماعيل اثني عشر على الترتيب: نبايوت وقيدار وأدبئيل ومِبسام ومِشماع ودومة ومسّا وحدد وتيماء ويطور ونافيش وقدمة. والنص يقدمهم بنين لرجل، وحوليات آشور تقدم أكثر هذه الكلمات كيانات سياسية تحت الجزية، في البادية التي مر خبرها في فصل تيماء:

في التكوينفي الأرشيفما هو
قيدارقِدْريأكبرُ الأحلاف، له مُلوكٌ ومَلِكاتٌ مُسمَّون
دُومةأَدُمّاتودومةُ الجندل: حرَمٌ وواحةٌ وسَبيُ آلهة
تَيماءتَيماءتُؤدّي الجزيةَ من تِغلَث فلاسر، وتَستقبل نبونيدَ بعدَ قرنَين
نَبايُوتنَبايَتييُغِير مع قيدارَ في حوليّاتِ آشوربانيبال
مسّامَسْأيُقرَن بتيماءَ في أخبارِ الجزية
أدبئيلإيديبَئيلويُنَصِّب تِغلَث فلاسرَ شيخَها حارساً على طريقِ مصر
مِبساممِبساممن القبائلِ التابعةِ المُمِدَّةِ بالإبلِ لحملةِ مصرَ سنةَ ٦٧١

سبعة من اثني عشر جماعات وواحات وأحلاف عاملة في نثر إدارة لا شأن لها بالتوراة. والباقي يقال كما هو: مِشماع محتمل لم يدخل العد، وحدد اسم معبود، ويطور ونافيش وقدمة في مجال آخر شرق الأردن. وهذا التوزيع علامة سجل قديم حفظ عبر أدبين: سبعة راسخة وواحد محتمل وأربعة عالقة، والأربعة العالقة هي التي تجعل القائمة موروثة لا مؤلفة على المقاس. فالنسب هنا خريطة سياسية بلغة القرابة. لم يكن للشرق الأدنى القديم تدوين للعلاقة السياسية الدائمة غير القرابة: الإخوة كتلة، وبنو الأب الواحد حلف برأس متفق عليه، والصورة نسب والمضمون إدارة. ولذلك تختم القائمة بحد جغرافي: «من حَوِيلةَ إلى شُور التي أمامَ مصرَ حينَ تجيءُ نحوَ أشُّور». الخاتمة وصف إقليم، وفي آخرها اسم الإمبراطورية التي في أرشيفها هذه الأسماء.

وأنظف برهان على أن الإخوة كتلة يأتي من الأرشيف نفسه. فقيدار ونبايوت يجتمعان في السجل الآشوري كياناً واحداً ضمن «حِلفَ عَتَرسَمَين»، أي عثتر السماوات، والتكوين يجعلهما ابنين متجاورين، نبايوت أولاً وقيدار ثانياً: الاسمان نفسهما، في البادية نفسها، مرة أخوين ومرة حلفاً سياسياً باسم إله راع. ثم إن أواني تل المسخوطة المصرية من القرن الخامس تحمل اسم قيدار، فالحلف قائم بعد سقوط آشور وخارج ديوانها. وواحات هذه الجماعات أدومّاتو وتيماء ودَدان، منظومة اقتصادية واحدة عاملة، كلامها عربي قديم وإدارتها آرامية: الممر نفسه بلسانه الواحد ومستوييه في أقدم تاريخ مقروء له. ونصب آشوربانيبال أبيتع ملكاً على قيدار بعد هزيمة يوثع، ويوثع نفسه منصوب من آشور قبله، فالتنصيب من خارج القبيلة سياسة ملكين متعاقبين، لا حادثة.

ويعترض بعض الباحثين بأن إسماعيليي أسفار القصص يتكلمون الكنعانية، ويتبادلون الموضع مع المديانيين، ويغيبون بحلول القرن العاشر قبل الميلاد، ثم يظهر العرب بعد قرنين شيئاً منفصلاً، فمطابقتهم بالعرب جاءت متأخرة. والاعتراض صحيح في نصفه، ونأخذ بذلك النصف: المطابقة الشاملة متأخرة، والدعوى لا تتوقف عليها. ونصفه الآخر يرده الأرشيف نفسه: قيدار ابن إسماعيل الثاني في التكوين، وقيدار في نقوش آشور جماعة عربية لها ملوك وملكات ولسان وحلف. والدعوى لا تحتاج أكثر من ذلك: الأسماء أسماء كيانات في السجل، والقائمة مكتوبة نسباً لأنه التدوين الذي كان. فالنصان يصفان عالماً واحداً، أحدهما في النسب والآخر في الإدارة، ويتفقان على ذلك كتابة من الطرفين. وإذا صح هذا في أقدم نسب عربي مكتوب، فعلى من ينكره في الأنساب اللاحقة أن يبين متى كفت عن ذلك، ولماذا.

مناصب في النقوش

ومن يسأل هل كان العرب يسمون مناصبهم الدينية أصلاً يجد الجواب في الحجر، ومن خارج العربية الفصحى. فأعلى منصب كهنوتي في شمال الجزيرة الأفكل، من أبكلّو الأكدية، الحكيم. يظهر في ددان ولحيان عند العلا، وعند الأنباط والتدمريين. وفي لحيان يتقدم الأفكل الكهنوت تحت الملك، وفي حرم رَمّ يعرف بانوه أنفسهم بـ«عبيدَ الأفكل»، بلفظ عبودية يستعمل عادة للرب أو للملك.

وأقدم ظهور لهذا اللقب في الجزيرة في أدومّاتو، دومة الجندل، على مبعدة واحة من تيماء: حملت ملكتها تئلحونو في السجل الآشوري لقب أبكلّاتو، مؤنث اللفظ نفسه، كما ترد كُمِرتو، الكاهنة. والثانية أثمن، فهي تقابل كُمرو وكُومِر العبرية وكُومْرا السريانية، أي الكاهن. وتستعمل العبرية كُومِر لكهنة الدين الآخر في الملوك الثاني ٢٣:٥ وهوشع ١٠:٥ وصفنيا ١:٤، وتسمي كهنتها باسم آخر. فحين أراد الكاتب الآشوري أن يقول ما هي ملكة العرب، كتب الكلمة التي يقولها قومها: لقب سدني محلي، بلفظه المحلي، في ديوان أجنبي، في القرن السابع قبل الميلاد. اسمها يستعصي على القراءة، ومنصبها مقروء.

تمتد شواهد الأفكل في الممر من دومة إلى ددان والبتراء وتدمر عبر نحو ألف سنة: لقب منصب سدني واحد، رافدي الأصل، يحمله أناس مسمون في مواضع مسماة. وفي الجنوب يسمى الملك الكاهن المُكرِّب، من ك-ر-ب، ومن أعمال صاحبه المسجلة بناء أسوار العاصمة وأبوابها، فالبناء جزء من المنصب السدني في الجنوب، كما العمارة في الآية. والقرآن لا يستعمل اللقبين، والأفكل لا أثر له في العربية، والذي تثبته النقوش أثمن من لفظ: النحو الذي تقوم عليه قراءة عمران. فالدين العربي جرى على ألقاب مناصب موروثة يحملها بشر، وقراءة عمران منصباً تجري على المقولة نفسها التي يجري عليها السجل العربي.

العبد والغلام

ولفظان آخران يتمان الصورة. العبد صيغة الاسم الديني القياسية في نقوش الجزيرة كلها، النبطية والصفوية والدادانية والحسمائية والثمودية: عبد اللات وعبد العزى وعبد ذي الشرى. وبإزاء تلك القائمة يقف عمود نسب النبي: عبد مناف، ومناف معروف في النقوش نفسها، وعبد شمس، وشمس ربة جنوبية، وعبد العزى، ثم الاسم الذي لا معبود فيه: عبد الدار، خادم البيت. ولبني عبد الدار مفتاح الكعبة. فاسم جدهم منصب كتب شخصاً: وظيفة خدمة البيت صارت اسماً في النسب.

والغلام ألطف. ففي حرم رَمّ يسمي خدم المعبد أنفسهم «غليمو»، وهو لفظ غلام نفسه. وبشارات أولاد الحرم في القرآن تستعمل هذا اللفظ بعينه: زكريا، وهو يخدم في المحراب، يبشر بغلام فيسأل «أنّى يكون لي غلام»، ومريم المنذورة للمعبد يقال لها إن الروح أرسل ليهب لها «غلاماً زكيّاً»، وإبراهيم يبشر بـ«غلامٍ عليم». فالغلام هنا الصبي المنتمي إلى بيت في الخدمة، إلى جانب معناه العربي المألوف، ومشاهده مشاهد حرم يقف فيها خادم معبد. وإذا كان العبد في ذلك العالم رتبة في حرم، والغلام صبي خدمة، فقراءة الأسماء ألقاباً تقرأ ذلك العالم بمعجمه.

بَحيرى والنجاشي

وبَحيرى يرينا الآلية في حالة لم تكتمل فيها الشخصنة. تروي السيرة خبر الراهب الذي عرف علامة النبوة على الفتى ببصرى، وتسميه بَحيرى. واللفظ السرياني bḥīrā، المختار أو المجاز، لقب يعطى للرهبان، وأصله لا خلاف عليه. فاللقب بقي لقباً ووقف في الموضع الذي تقرأ فيه الكتب اسماً: راهب يسمى بصفته الرهبانية، وتلك المرحلة الوسطى من الآلية مكشوفة وهي تجري. وقد درست باربرا روجيما «أسطورة سرجيس بَحيرى» في نصوصها السريانية والعربية.

والنجاشي أبعد أثراً، لأنه يرينا موضعاً لم تعمل فيه الآلة أصلاً. ففي أكثر المزاوجات يتغير الزمن والاسم معاً: عمرو بن هند يبلغ المتن عثمان، ومار آبا يبلغه سلمان، والمنذر يبلغه الحسن. وتغيير الاسم أول حركات الآلة، وأول موضع يثبت فيه المعترض قدمه. أما الهجرة الأولى فتمضي إلى ملك نصراني تسميه السيرة بمنصبه: النجاشي من الجعزية ngś، مَلَكَ، لقب على آثار ملوك أكسوم، حملته العربية بحروفه معرّفاً وحفظته للمضيف المسيحي في خبر الهجرة. أبقت اللفظة الغريبة للعرش الغريب، فشطر التسمية غائب هنا، والمسألة الزمنية تختبر وحدها، بلا فقه لغة يهاجم بدلاً منها.

فالآلة هنا على أدنى درجاتها: منصب سليم لم يترجم، ومشهد محفوظ بتفاصيله، ملك نصراني يملك من وراء البحر، تسأله سفارة تسليم لاجئين فيأبى، ويسمع ما يتلى في مريم فيقره. يعين التقليد الهجرة بنحو سنة ٦١٥، والنجاشي الذي يشهد لملكه سجل خارج التقليد العربي كله، المسيحي الذي عبر جيشه إلى حِمْيَر، هو كالب، ومملكته بين ٥٢٠ و٥٤٠، وبين التاريخين نحو قرن، مقدار الإزاحة نفسه. والسيرة لا تسمي كالب، ولأكسوم ملوك في أوائل القرن السابع؛ فمطابقة المضيف بكالب قرينة من درجة الاحتمال، وتحتها ما هو أمتن: اللقب عبر بلا ترجمة، وعالم المشهد الديني عالم تصفه النقوش وسير الشهداء، حفظته السيرة كما هو.

والعلم نفسه قريب من اسم العرش. فالسيرة تسمي النجاشي أصحمة، واسم عرش كالب إلا أصبحة، الذي تصوغه اليونانية Elesboas. والحروف: أ ص ح م، وأ ص ب ح. الألف والصاد والحاء مشتركة، والحاء تأخرت موضعاً، والميم والباء شفويتان من مخرج واحد: قراءة على قلب وإبدال، من الجنس الذي يوثقه هذا الكتاب عند مفاصل أخرى. وحجة اللقب قائمة على لفظ المنصب وحده، وهذه قرينة تضاف إليها.

وبإزاء هذه الحالة خبر الزباء. هناك تعمل الآلة بأقصى قوتها، ويبقى الطرفان بين أيدينا: في تدمر صيغة «بنت زبّاي» على الحجر، وفي الأخبار العربية صورة أخرى للاسم والحكاية، فيقاس التغير قياساً. وهنا لا تكاد الآلة تعمل، وخبر النجاشي يحفظ اللقب الأصلي. وبين الحالتين يصير مدى ما تصنعه الذاكرة بالأسماء موثقاً من أرضه إلى سقفه، بضابطين عند الطرفين.

قراءة التوراة بأصوات العربية

ويفتح على هذا الفصل باب آخر من جهة العبرية. تقوم المدرسة الممتدة من كمال الصليبي إلى محمد مصطفى منصور على مصادرة واحدة: أن اثنين وعشرين رمزاً في الرسم العبري تحمل ثمانية وعشرين صوتاً، فستة أصوات عربية، ث ذ خ غ ض ظ، مختبئة فيه بلا رمز مستقل لكل منها، والقراءة تعيدها إلى مواضعها. وقدم منصور على هذا الأساس مئتين وسبعة وأربعين إصحاحاً تاريخياً، في الرسم ثم القراءة ثم المعنى، ثمرة ثمان وثلاثين سنة، ومعياره في قوله: «من الغلافِ إلى الغلاف، ولا ننتقي خمسةَ أسماءٍ تكون قريبةً فنبنيَ عليها».

ويأخذ الكتاب الأداة ويرد الخريطة، والحكم هنا رقم لا ذوق. ففي نقل الصوامت عند منصور نفسه ظهرت واحدة من واحات نبونيد الست، وغاب شكل يثرب الصامتي من نحو عشرة آلاف آية. وفي قائمة من عشرين موضعاً حجازياً ظهرت اثنتان، مقابل سبعة عشر من القائمة الشامية وأحد عشر من الرافدية، وصفر في الضابط العشوائي. والسبب أطرف من الرقم: القراءة تحل الخريطة إلى معان بدل أن تنقلها جنوباً، فأورشليم عرى السلام، وأور ضياء، وصور صخر، والذي يبقى أعلاماً معجم رافدي في أكثره: بابل وأثور وأرم ونينوى وحران.

والثقة بالأداة بعد رد الخريطة تقوم على قياسين. الأول قياس الانضباط بمعيار منصور نفسه: من مئة وسبعة وسبعين اسماً متكرراً بقيت قراءة واحدة لنحو ٨٤٪ في المتن كله، وذلك انضباط لا ارتجال. والثاني قياس الصواب، وهو الأثمن، والعهد القديم يقدمه بنفسه، فالنص إذا سمى وقف كثيراً ففسر: «على الشانِ دُعي اسمُه كذا، لأنّ كذا». وفي تلك الآيات الجواب مطبوع، وقراءة منصور تسترده في أشد المواضع فحصاً: بابل وبلبلة اللسان، ونفتالي والفتل، ويعقوب والعقب، وموسى والسحب من الماء، وإسماعيل والسماع، وبئر سبع والقسم، وجلعاد والشهادة. في عشرة مواضع يسترد البحث جناس النص نفسه بألفاظ عربية مألوفة، ومنهج يفعل ذلك يقرأ ولا يخمن.

قيس وعَدّان

وتعطي هذه المادة الفصل ثلاثة أسماء، أولها قيس، ومعه درس في الطبقات. يقرأ منصور عيسو، الذي يرد في الرسم مئة وثماني وعشرين مرة، قيساً إحدى وثمانين مرة في طبقة القراءة، ويقرأ سَعير، بلاد عيسو، شهراً في الطبقة نفسها. وفي التكوين ٣٦:١: «وأولاءِ مواليدُ قيسٍ هو عَدّان». وقد نقلناها أولاً «قيسٌ هو عدنان»، وجاء الخطأ من العد في المتن كله دون فصل الطبقات، والرجل يكتب كل آية في ثلاث طبقات: رسم هو المعطى، وقراءة هي الدعوى، وتفسير يشرح بعربية مألوفة. والعد طبقة طبقة يخرج انقساماً مرآتياً:

رسمقراءةتفسير
ءدوم٤٢٠٠
عَدّان٠٤١١
عدنان٠١٤١
العَدّانيّ٠٥٠
العدنانيّ٠٠٥

فالرجل يقرأ عَدّان ويشرحها عدنان: تزيد طبقة التفسير نوناً على «عَدّان» فتصلها بعدنان، وطبقة القراءة، التي تحمل الدعوى، تحفظ الصورة الأقصر. فمن حاجّه بعدنان حاجّه بشرحه لا بقراءته، ولذلك سحبنا شطر عدنان وأبقينا بحث قيس. والصرف هنا يشهد لقراءته ويحرم الكتاب الشطر المريح: الانتقال من ءدوم إلى عَدّان مطرد، ألف تحمل عيناً، وميم تخرج نوناً بتعاقب الميمة والنونة، كما في شُمُم الأكدية واسم العربية. فقراءته منضبطة داخل الأداة، وتفسيره هو الذي يخطو الخطوة الزائدة. ومن أراد إحياء صلتها بجد النسب الشمالي فعليه عقبتان: تأخر شهادة الجد، ومشكلة الفصل بين الطبقات.

بن يمان وكليب بن جفنة

والثاني بن يمان، وبه يتم الزوج. يسمي التكوين ٣٥:١٨ المولود مرتين في آية واحدة: بن أوني الذي سمته الأم وهي تموت، وبن يمين الذي سماه الأب؛ ويقرأ منصور الاثنين بن أواني وبن يمان. وتظهر اليَماني عنده ثلاث مرات في ثلاثة أسفار. فقيس واليمن، الاسمان اللذان انقسم عليهما القرن الأموي، مقروءان كلاهما في سفر واحد. وجذر ي-م-ن هو اليمين والجنوب معاً، لأن من يستقبل مشرق الشمس يكون الجنوب عن يمينه. ومنه تيماء وتيمان التي جاء الله منها عند حبقوق، واليمن جنوباً، والنقب الذي يقرؤه منصور الجنوب، وبنو يمين، والحزب الأموي. لفظة واحدة تحمل مكاناً وجهة وقوماً وحزباً عبر ألف سنة، والمخزون الاسمي واحد.

والثالث كليب بن جفنة. تتكرر كالِب بن يَفُنّه خمس عشرة مرة في العدد ويشوع والقضاة، ويقرأها منصور كليب بن جفنة. وجفنة اسم البيت الغساني، آل جفنة، ملوك العرب على الثغر الرومي، وكليب اسم ابن ربيعة التغلبي الذي فتح مقتله حرب البسوس. اسمان من ثغر القرن السادس الذي عليه مدار هذا الكتاب، معاً، أباً وابناً، في صيغة ثابتة. فالمخزون الاسمي واحد، ونراه هنا من الطرف الآخر. ويقرأ منصور يفُنّه جفنة في ثلثي المواضع ويفنة في الثلث، والثلثان أكثرية يقوم عليها الاقتران.

الأجداد والأسماء

وشاهد آخر لا يحتاج إلى أداة، لأن السيرة تنطق به بنفسها: سلسلة أجداد النبي ألقاب معترف بها، جيلاً بعد جيل، تشرح السيرة كلاً منها باللقب وسبب التسمية، بصيغة «اسمُه فلانٌ وإنّما قيل له كذا لأنّ كذا»:

اللقبالاسمُ الغارقعلّةُ التقليدِ نفسِه
قُصَيّزيد«قَصا» أي بَعُد: حُمل صغيراً إلى الشامِ وعاد غريباً
عبدُ مَنافالمُغيرةأمُّه أخدمته صنمَ مَناف
هاشمعَمرو (عَمرُو العُلا)هَشَم الثريدَ لقومِه عامَ المجاعة
عبدُ المُطَّلِبشَيبة (شَيبةُ الحَمد)غلطُ الناس: «اشترى المُطَّلِبُ عبداً»
أبو طالبعبدُ مَنافكُنية: أبو الطالِب

خمس حلقات متتالية، في كل واحدة منها يأتي التقليد بالاسم الغارق واللقب والعلة. وفي الأسماء الغارقة نفسها الحمد في اسم الجد، والعلا في نعت الجد الأعلى: شيبة الحمد وعمرو العلا. فجذرا محمد وعلي، الحمد والعلو، قائمان داخل السلسلة أسماء أجداد قبل أن يكونا اسمي الرجلين. وحيث تشرح السيرة اسماً فالشرح هو الاعتراف: الاسم الذي يحتاج قصة لقب صار اسماً.

ومعه شاهد ثان من الجهة الأخرى. يحفظ ياقوت تحت كوثى قول علي: «مَن كان سائلاً عن نسبِنا فإنّا نَبَطٌ من كوثى»، ومعه نظير عن ابن عباس في قريش. وكوثى بلدة قرب بابل، تلها اليوم تل إبراهيم، وقد جعلها التقليد نفسه موضع مولد إبراهيم وأتون نمرود. والتفسير المشهور أن القول كسر للعصبية برد الناس إلى إبراهيم، وهذا التفسير نفسه يسلم بالخريطة: فالكسر لا يقع إلا إذا كان الناس يعلمون أن جد البيت من سواد العراق. فرأس البيت العلوي، حين يسأل عن نسبه، يشير شرقاً.

وأقوى اعتراض على عَدّان أن التكوين ٢٥:٣٠ يشرح أدوم بالطبيخ الأحمر، «على الشانِ دُعي اسمُه أدوم»، والقراءة تعطي عَدّان والحمرة ذاهبة. ففي الموضع الذي يقف فيه النص ليقول ما يعنيه هذا الاسم لا تسترد الأداة الجناس، وهي تسترده في بابل ونفتالي ويعقوب وسبعة غيرها، والسؤال باق كما هو بعد تصحيح الطبقات. وجوابه من آلية يوثقها هذا الكتاب: التعليل يولد بعد الاسم ليشرح اسماً يحمله التقليد سلفاً، كما في قصة شعر الزباء، والطبيخ الأحمر من هذا الصنف. والموضع مع ذلك أشد ما تختبر عليه هذه القراءة.

ولهذه المادة ثلاث قراءات منافسة قائمة في البحث، أثقلها أن اللغات المقارنة متقاربة أصلاً فتشابهها متوقع، وأن عدنان وقحطان بناءان متأخران من العصر الإسلامي. ولها موضعها في فصل الميزان، وهناك يجيبها الكتاب. وما يكسبه هذا الفصل من مادة منصور متن ثان: قراءة الأسماء ألقاباً صنعت هنا على مادة عربية، وهي تأتي هناك من العبرية، بمنهج رجل آخر لم يسمع بهذا الكتاب، مقيسة بقياسين. والتقاء طريقين لم يتماسا أثمن من موافقة تلميذ لأستاذه.

خاتم النبيين

وأثقل ألقاب الباب خاتم النبيين، وهو لقب ماني قبل أن يكون آية. تنسبه إليه الأخبار، وهو في مذهبه آخر المرسلين، يختم سلسلة عدها بنفسه: آدم وشيث وأنوش وأخنوخ ونوح، ثم بوذا للهند وزرادشت لفارس وعيسى للغرب وماني لبابل، ولا نبي بعده. وذلك في القرن الثالث، في بلاد الرافدين، في تقليد آرامي مكتوب، في كنيسة لها متن وبرنامج تبشير.

وفي القرآن بعد نحو ثلاثة قرون ونصف، بالعربية، في الرقعة اللغوية نفسها: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. فاللقب مصطلح فني في دين سلسلة الأنبياء، مستعمل في هذا الإقليم قبل ظهوره بالعربية. واشتراك المصطلح يثبت اشتراك العالم، والتقليد نفسه يسمي الطريق: زندقة قريش أخذت من الحيرة، كما مر في فصلها. والفرق بين الاستعمالين يقوي الملاحظة: السلسلة المانوية تضم بوذا وزرادشت وتجمع وحياً سابقاً ناقصاً، والسلسلة القرآنية إبراهيمية. فالمصطلح سافر واللاهوت بقي في موضعه، وهذا سلوك المصطلحات الفنية حين تعبر حداً: العقيدة المقتبسة تصل تامة، والكلمة تصل وحدها فيعاد الاحتجاج فيها.

وعسر المفسرين بالكلمة هو بعينه ما تنتجه كلمة تصل وحدها. «خاتَم» و«خاتِم» كلتاهما مروية في الآية، والشراح منقسمون: أهو الأخير أم المصدق، أهو الخاتم الذي يختم به أم فعل الختم نفسه، ثم يستنجدون بحديث اللبنة. والكلمة التي تصل ومعناها الفني معها تصل مستقرة، والكلمة التي تصل وحدها تولد هذا الخلاف، وهذه بصمة لقب موروث تعيد اللغة المتلقية شرحه.

ولأمثلة الباب درجاتها. المنذر لقب موثق، وبَحيرى لقب سرياني واضح، والنجاشي لقب عرش جعزي عبر إلى العربية بلا ترجمة: هذه قرائن من الدرجة الأولى، ومعها الأسماء الملكية المتكررة. وقيس قراءة مقيسة بقياسين ولها ثمنها المذكور، وعدنان سحبناه لما تبين أنه في طبقة الشرح. والقول بأن الأسماء المركزية كلها ألقاب شخصنتها الذاكرة أجرأ ما في الفرضية، ودرجته التخمين المعلن، وهو يقوى بكل مثال يثبت. وبهذا يغلق القسم الثالث، قسم المفصل، وقد فتح أداتي الزمن والأسماء، وفي القسم التالي تعمل الأداتان معاً في أحداث القصة الكبرى: الفتنة الأولى، وكربلاء، وقبة الصخرة.

القسم ٤

إعادة المسرحة (نحو ٦٥٦–٧٠٠م)

الفصل الخامس عشر

الفتنةُ الأولى على أرضِ لخم

وقعت معركة الجمل سنة ٦٥٦ قرب البصرة، بين علي بن أبي طالب وتحالف عائشة وطلحة والزبير. وفي السنة التالية التقى علي ومعاوية في صفين على الفرات قرب الرقة؛ طال القتال بلا حسم ثم انتهى إلى التحكيم. كانت عاصمة علي الكوفة، التي نشأت نحو سنة ٦٣٨ قريباً من الحيرة فورثت محيطها العربي المسيحي ونخبتها، وكانت قوة معاوية في دمشق. فالحرب التي شقت الأمة المبكرة دارت على أرض لخم وثغرها القديم، وبها يبدأ قسم إعادة المسرحة.

العراق والشام

تجمع جغرافيا الفتنة البصرة والكوفة والفرات؛ فمعاركها كلها في العراق وعلى الفرات، والحجاز خارج ميدانها. وفي الإقليم الذي كانت فيه مملكة لخم جرى الانقسام الإسلامي الأول، وهذه حجة الانتقال الجغرافي في صورة مصغرة: حيث تقع الأحداث المؤسسة نجد العراق. ثم يظهر في صفين محور عراقي شامي، من الكوفة إلى دمشق، وهو المحور نفسه الذي تنازع عليه المناذرة والغساسنة: العراق في وجه الشام، والبيت العربي الشرقي في وجه الغربي.

كانت حرب التاجين قد بلغت ذروتها في يوم حليمة عند قنسرين سنة ٥٥٤. يفصلها عن صفين سنة ٦٥٧ مئة وثلاث سنين، وتصل الجغرافيا بين الرقة، قالينيقوس، والرصافة، مدينة الغساسنة، وقنسرين، في مجال الثغر القديم. فالمعركتان موضعان على ثغر واحد، في الإقليم الذي كان يلتقي فيه تاجا العرب: أرض الصراع القديمة نفسها، يعاد عليها المشهد بممثلين جدد.

وصفين إعادة مسرحة لحرب التاجين. صاغت ذاكرة العرب صراعها الكبير على النسق الذي كانت تعرفه: بيت شرقي في العراق، وبيت غربي في الشام، يتنازعان الحكم. تقوم الكوفة إلى جانب الحيرة اللخمية، قوة العرب في فارس والعراق، وتحمل دمشق ميراث غسان، فتخاض مبارزة العراق والشام مرة ثانية، وتحفظ هذه المرة حرباً داخل الأمة. وتطابق بنية الأدوار في حدثين، تاج شرقي وتاج غربي يلتقيان على الثغر نفسه بفارق زمني منتظم، علامة على حدث صيغ على نموذج حدث أقدم. فتوازي حليمة وصفين قرينة من درجة الاحتمال القوي، تقوم على تطابق البنية والموقع والفارق معاً.

معنى المدرستين

علي، وعاصمته الكوفة في قلب لخم القديم، يمثل المدرسة الشرقية العراقية الفارسية، مدرسة كنيسة المشرق. ومعاوية، وعاصمته دمشق في ميراث غسان، يمثل المدرسة الغربية الشامية البيزنطية، مدرسة كنيسة الغساسنة. فالخلاف بينهما أعمق من نزاع على السلطة: فيه استقطاب العالمين القديمين، الشرقي والغربي، اللخمي والغساني. والتشيع الذي نشأ في الكوفة، والأموية التي قامت في دمشق، امتدادان لقطبين قديمين بمؤسساتهما ورجالهما.

وفي عمق الخلاف المسألة التي فرقت الكنيستين اللتين كونتا عرب الإمبراطوريتين قرناً ونصفاً: العلاقة بين الإلهي والإنساني في المسيح. شددت كنيسة المشرق، كنيسة عرب العراق، في مدارس نصيبين على تمايز الطبيعتين، وقال السريان الأرثوذكس، كنيسة الغساسنة، بوحدة الطبيعة في الصيغة الميافيزية: قطب يوحد وقطب يميز. وعلى المسألة نفسها يقف فريقا الفتنة. فالجانب الشامي يجمع المنصبين: الخليفة الأموي يسمى «خليفةَ الله»، بهذا اللفظ على النقود وفي شعر البلاط، فالحكم والقداسة في بدن واحد، كما كان الملك الغساني راعي الكنيسة وسيفها. والجانب الكوفي يفصل بينهما: الإمام بشر مهدي، ومنصبه منصب الصلاة لا التاج.

وحين ألّه غلاة الكوفة علياً جعل التقليد علياً نفسه يحرقهم على ذلك: القطب الشرقي يضبط الحد بين الإنسان والمقدس داخل الإسلام. ثم يؤدي الحسن مهادنة الجاثليق، الحركة التي أدتها كنيسة المشرق تحت ملوك ساسان: يسلم الحكم للسلطة الدنيوية ويحفظ الجماعة، فيسمي التقليد ذلك العام «عام الجماعة». فالحرب في قاعها حرب على سؤال لم تحسمه المنطقة قط: أيندمج المقدس في التاج أم يقف دونه؟ أجابت دمشق جواب كنيستها، وأجابت الكوفة جواب مدرستها، وعمّر الجوابان بعد الحرب، فصار أحدهما نظرية الخلافة في نفسها، والآخر نظرية الإمامة. والتوافق بين القطبين والكنيستين قراءة على مستوى البنية، وانتقال الخلاف في المسيح نفسه إلى الفريقين قرينة من الدرجة الثانية.

وفي أكثر روايات التحكيم يرد موضع دومة الجندل. وهي أدومّاتو في النقوش الآشورية: منها سبى سنّحاريب صور معبودات العرب، وإليها ردها أسرحدّون بعد أن نقش اسمه عليها، وفيها تضع الأخبار بيت ودّ. فالمكان أقدم من الخصومة بأكثر من ثلاثة عشر قرناً: إليه حمل فريقان عربيان خصومتهما في سلطان مقدس، إلى الأرض القديمة التي تعاملت فيها الدول في شؤون الآلهة. حفظ التقليد المكان، ونسي لم كان المكان هو المكان.

مقتل عثمان وعمرو بن هند

قُتل عثمان سنة ٦٥٦ في داره بالمدينة، محاصراً بين أهله، فكان مقتله فاتحة الفتنة كلها. ولهذا المشهد نظير قديم محفوظ في ذاكرة العرب: مقتل عمرو بن هند ملك الحيرة سنة ٥٦٩، في مجلس ضيافته، على يد عمرو بن كلثوم التغلبي غضباً للكرامة. حفظت أخبار الحيرة والشعر ذكر الواقعة.

البنية واحدة: صاحب الحكم يُقتل في حرمة داره، بعيداً عن الميدان، ثم يصير دمه الشرارة التي تشعل ما بعده. والفارق بين المشهدين سبع وثمانون سنة، من جنس الفارق الذي بين حليمة وصفين. وهذا التوازي قرينة من درجة التخمين المعلن: بنية المشهد متطابقة، ومقتل عمرو موثق في أخبار الحيرة وشعرها.

الحسن والمنذر الجفني

تروي الأخبار مبايعة الحسن ثم صلحه وتنازله، وموته مسموماً في رواية التقليد سنة ٦٧٠. ولهذا الخبر نظير قديم على الجبهة الأخرى: المنذر الجفني، وارث البيت الغساني، توّجته القسطنطينية سنة ٥٨٠ بتاج ملكي لم يُعط لعربي قبله، ثم قبضت عليه غدراً عند تدشين كنيسة سنة ٥٨١ ونفته إلى صقلية، وأخذ ملك بيته يضعف من بعده.

البنية واحدة مرة أخرى: وارث شرعي يُرفع إلى الحكم ثم يُحيّد دون معركة فاصلة، بالصلح في إحداهما وبالغدر في الأخرى. وبين القبض سنة ٥٨١ وموت الحسن سنة ٦٧٠ تسع وثمانون سنة. وهذا التوازي أيضاً قرينة من درجة التخمين المعلن، ويكتسب وزنه من موقعه في مجموعة تضم حليمة وصفين، وعمرو بن هند وعثمان، والجفني والحسن، والنعمان والحسين، وذي قار والمختار، بفوارق متقاربة بين نحو سبع وسبعين ومئة وعشر سنين.

فحين تصطف المشاهد على هذا النحو يصير السؤال عن النسق كله أثقل من السؤال عن كل زوج على حدة. والقراءة المنافسة ترد التشابه إلى بقاء جغرافيا الصراع وتقارب أحوال الحكم. والجواب أن الجغرافيا الباقية تفسر المحور، أما انتظام الفارق فأثر ذاكرة تنقل القوالب: معركة، ومقتل في مجلس، وصلح، وإعدام، وثأر، وقائع من أنواع مختلفة تدور فواصلها كلها حول قرن. وتظل وقائع الفتنة وأصحابها محفوظة في هذه القراءة؛ فالذاكرة صاغت صراعها الكبير على بنية قديمة تعرفها، بنية العراق في وجه الشام، وهذا يعمق الحدث: الانقسام الإسلامي الأول امتداد لاستقطاب عربي قديم بين شرق وغرب، يعود إلى تاجي العرب في القرن السادس.

وتمضي إعادة المسرحة بعد صفين. فبعدها بثلاث وعشرين سنة، على الأرض نفسها قرب الكوفة، وقع مقتل الحسين، أعمق حزن في هذا التقليد كله، فصار لكربلاء مكان في الأرض والذاكرة وموعد الحداد السنوي.

الفصل السادس عشر

كربلاءُ واليومُ العاشر

في العاشر من محرم سنة ٦١ للهجرة، في تشرين الأول سنة ٦٨٠ للميلاد، أحاط الجند بالحسين بن علي وأهل بيته وأصحابه في كربلاء، شمال الكوفة. كان عبيد الله بن زياد والي الكوفة الأموي قد أرسلهم. قُتل الحسين، وصارت ذكراه أعمق أحزان المتمسكين ببيت علي، وحُفظ موعدها في عاشوراء عاماً بعد عام. ولموقع الحدث ثلاثة وجوه: الأرض التي وقع عليها، واليوم الذي وقع فيه، ونسق الحداد الذي تشكلت عليه ذكراه.

الأرض والحداد

تقع كربلاء والنجف والكوفة قريباً من الحيرة، في قلب المجال اللخمي القديم. وفي هذه الأرض اجتمعت مراكز السياسة والمشاهد العلوية، وتجمع فيها الثقل الروحي جيلاً بعد جيل: الكوفة إلى جانب الحيرة، والنجف وكربلاء في الإقليم نفسه. فأقدس مشاهد هذا التقليد على الأرض التي حكمتها المملكة العربية المسيحية، وهذا ما تتوقعه حجة الانتقال الجغرافي: المقدس المؤسس لهذا التقليد قائم في قلب لخم، لا في الحجاز. وعلى هذه الأرض نفسها عرفت البلاد قبل ذلك بقرون أشكالاً من الحداد تشكلت عليها الذكرى الجديدة.

لليوم العاشر شأن قديم في تقاليد المنطقة: فالعاشر من الشهر السابع في التقليد العبري يوم الكفارة والذبيحة والتطهير، وتثبيت الحداد الأكبر على العاشر يضعه في نسق قديم كانت الأرض تعرفه. وعرفت بلاد الرافدين حداداً موسمياً على سيد قتيل؛ وفي حزقيال، في القرن السادس قبل الميلاد، نساء عند باب هيكل القدس «يَبكين على تمّوز».

وطقس كربلاء في جوهره حداد: بكاء على سيد قتيل يعاد كل عام في موعده، فالبكاء السنوي على الحسين في موعد محفوظ يقف في تقليد عريق في هذه الأرض نفسها. والصلة في القالب والتقويم: تختلف الشهور والشعائر والمعاني وأصحاب الذكرى، ويبقى القالب واحداً. فالأرض التي عرفت البكاء على القتيل المقدس في يوم مثبت صاغت حزنها الأكبر الجديد في القالب الذي تعرفه، ومنحته معنى جديداً وأشرف مكان في وجدانها. والموقع والتاريخ ثابتان، والقالب قراءة على مستوى البنية.

النعمان والحسين

استُدعي النعمان الثالث، آخر ملوك الحيرة، إلى عاصمة سيده كسرى فقُتل ظلماً نحو سنة ٦٠٢، وحفظت أرضه ذكره ملكاً مظلوماً. وسار الحسين نحو الكوفة فأُحيط به وقُتل ظلماً على أرض العراق سنة ٦٨٠، وصار القتيل المظلوم الأعظم في الذاكرة العلوية. بين التاريخين ثمان وسبعون سنة.

يجمع الخبرين ثلاثة أمور: منزلة القتيل المظلوم في ذاكرة أرض لخم بعينها، والغدر بسيد أُخذ إلى مصرعه، والفارق الزمني المنتظم بينهما. ويفترقان في الفاعل والدين: النعمان ملك مسيحي قتله سلطان فارسي، والحسين سبط النبي قتله جند أموي، كما تختلف طرق الموت ومواضعه. فالتوازي في موضع القتيل من الأرض والذاكرة: أرض بعينها تحتفظ بقالب القتيل المظلوم، وتعيد ملأه جيلاً بعد جيل. وهذه قرينة من درجة التخمين المعلن.

الغري والنجف

النجف في كلام أهل اللغة موضع مرتفع يابس لا يعلوه السيل، والمدينة على مثل هذا الظهر فوق مجرى الفرات القديم. والاسم الأقدم لتلك الأرض هو الغري. وتذكر الأخبار الغريين، عمودي الحيرة، وتنسبهما إلى النعمان ويوم بؤسه، وتفسر الاسم من غ-ر-ي، الطلاء واللطخ، لأنهما كانا يطليان بدم من يقتل أمامهما.

وذاك بعينه الاسم الذي يسمي به التقليد الشيعي قبر علي، عنواناً لا لقباً شعرياً: تقول نصوص الزيارة «بالغَرِيّ»، وسمى ابن طاووس كتابه المعتمد في تعيين القبر «فَرحةَ الغَرِيّ». فحين يسمي التقليد أقدس أرض علوية في العراق يسمي موضع العمودين اللخميين. وبقية الجغرافيا توافق: الكوفة خُطت سنة ٦٣٨ في السهل قرب الحيرة، على نحو عشرة كيلومترات من ذلك الظهر، وأهل العِباد في الإقليم. فالمشهد العلوي المقدس هو المشهد اللخمي المقدس بسكان جدد: العاصمة، والعمودان، والمقبرة، متجاورة في رقعة واحدة. وهي القاعدة التي مرت في فصل تيماء ونبونيد: الملوك ينقلون الإدارة، والمقدس يبقى في موضعه.

الاسم جاهلي لخمي، والتقليد الشيعي يستعمله عنواناً للقبر، وهذا موثق. ومن فوقه قراءة من درجة التخمين المعلن: أن العمودين كانا موضع ذبح عاملاً، وأن المشهد ورث الوظيفة الدينية مع الموقع، والفصل كله يستدعيها لأنه عن سيد قتيل يُبكى. وخبر يوم البؤس نفسه يقرأ بميزان التعليل: القصة تفسر الاسم، والاسم أقدم من القصة، فالذي حفظته الحكاية هو الطقس لا الحادثة.

ظهور موضع القبر

تروي الأخبار أن القبر بقي بلا علامة، وأن جعفر الصادق أفصح عن موضعه نحو سنة ١٣٥ للهجرة، بعد الوفاة بنحو خمس وتسعين سنة. وتنسب قبة بسيطة ذات أربعة أبواب إلى هارون الرشيد نحو سنة ١٧٠، ثم توسعة المشهد إلى عضد الدولة سنة ٣٦٦. هذه تواريخ الرواية، ولا تحقق أثرياً من موضع الدفن، إذ لا يحفر في مثل هذه المواضع. وهذا التسلسل نفسه يشهد لهذه القراءة أكثر مما يشهد لها قبر معلوم.

فقبر لا يذكر موضعه بل يفصح عنه، بسلطة، بعد أجيال، شاهد على قداسة الأرض قبل ذلك أقوى منه شاهداً على موضع الدفن: فلا أحد يفصح عن قبر مخفي فينزله أرضاً عادية. والموضع الذي وقع عليه الإفصاح هو الظهر اليابس خارج عاصمة لخم القديمة، واسمه يومئذ الغري. فاختيار هذا الظهر ثمرة قداسة أقدم للإقليم، واستمرار قداسة المكان قراءة من الدرجة الأولى.

الثأر في الكوفة

بعد مقتل الحسين بسنوات قليلة نهض المختار الثقفي في الكوفة يطلب بدمه، وقامت حركته على الثأر للقتيل المقدس، كما قامت بكر من قبل في ذي قار دون أمانة ملكها المقتول. فالمشهد كله، القتل والحداد والثأر، يدور في مجال الكوفة والحيرة وكربلاء، في الإقليم اللخمي القديم نفسه: الأرض تحتفظ بأدوارها وتعيد توزيعها على الممثلين الجدد.

ومن اجتماع الأرض والموعد وصورة الحداد تتضح آلية انتقال الذاكرة: أعمق حزن في النظام الجديد يقام على أرض العالم الذي سبقه بعينها، وعلى نسق تقويمه، وفي قالب حداده الموسمي القديم. تحفظ الجماعة قتيلها، وتكرم ذكراه وتمنحها أعمق مكان في وجدانها، وتصوغها في النسق الأعرق الذي حفظته الأرض. ويبقى الحسين وصحبته ومعنى شهادته خاصاً بهذه الذكرى، والقالب الذي حملها أقدم منها.

وبعد نحو عقد من الواقعة حمل بناء أموي في القدس، ثم نقود الدولة، ألفاظ القرآن إلى الحجر والمعدن، فثبّتا اللحظة الفاصلة التي صار فيها معجم القرآن لسان الدولة الرسمي العلني.

الفصل السابع عشر

قبّةُ الصخرةِ والسَّكّة: حين صار القرآنُ رسميّاً

تجتمع في حكم عبد الملك بن مروان نقوش الطريق، وشريط قبة الصخرة، ونقود تغيرت صورها وألفاظها. تثبت هذه الآثار الحاكم في حياته، وتبين كيف حملت الدولة لغة الدين على أبنيتها وأموالها. جاء ذلك بعد جيل من الفتنة ومقتل الحسين، في عهد تثبيت الحكم المرواني. والقبة والسكة لحظة واحدة، وبهما نبلغ الجدار الخارجي الصلب لزمن القصة.

الشريط في القدس

أتم عبد الملك قبة الصخرة سنة ٧٢ للهجرة، نحو سنة ٦٩١ للميلاد. يدور في مثمنها الداخلي شريط فسيفسائي طوله نحو مئتين وأربعين متراً. ومن أبرز ما ينقله هذا الفصل من ألفاظه:

«محمّدٌ عبدُ اللهِ ورسولُه... يا أهلَ الكتابِ لا تَغلوا في دينِكم ولا تَقولوا على اللهِ إلّا الحقّ، إنّما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسولُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه... فآمِنوا باللهِ ورسلِه ولا تَقولوا ثلاثة... سبحانَه أن يكون له ولد.»

يخاطب النص أهل الكتاب في المسيح عيسى ومريم، وينفي الولد ويقول برسالة المسيح وكلمة الله وروح منه. هذه هي المسألة التي شغلت كنائس المشرق قروناً: طبيعة المسيح. فالنظام الجديد، في أول صوت أثري كبير له، ينطق بلغة المسيحية الشرقية التي نشأ منها، ويحاجّها من داخل حقلها الدلالي. قبة الصخرة حوار مع العالم المسيحي الشرقي، لا إعلان منقطع عنه، وهذا بالضبط ما تتوقعه قراءة الكتاب: قصة جديدة تخرج من عالم المسيحية العربية الشرقية وتحاوره في مسائله.

حقق كريستِل كِسلر الشريط وتاريخه، ودرس أوليغ غرابار البناء وموقعه في نشأة الفن الإسلامي، وقرأ في رسالته حواراً مع المسيحية المشرقية على مسألة المسيح. وعندما محا المأمون اسم الباني لاحقاً بقي تاريخ سنة ٧٢، فالأثر يؤرخ نفسه. هذا أقدم شاهد ضخم مؤرخ على الاستعمال العلني للمعجم القرآني: سنة ٦٩١ هي اللحظة التي يقف فيها هذا المعجم أول مرة ثابتاً منقوشاً على مرأى من الناس. أما الاسم والصيغة نفساهما فأقدم من القبة على النقود، كما سيأتي.

ما حملته النقود

استمر النقد القديم بعد تغير الحكم. في المشرق ضربت الدراهم العربية الساسانية بصورة كسرى الثاني، وفي ظهرها مذبح النار وحارسان، وأضافت كلمات عربية في الحاشية مثل «بسم الله»، ثم ظهرت صيغ أخرى. وفي الشام بقي على النحاس نمط الإمبراطور والصليب على الدرج، والصليب يختزل رويداً.

ثم ظهر نقد «الخليفةِ القائم»، رجل بثوب وسيف، في السنوات ٧٤ إلى ٧٧ للهجرة. وفي سنة ٧٧ جاء الدينار الكتابي الخالص، يحمل الشهادة وكلاماً قرآنياً، وتغيب عنه الصورة. تتبع ستيفان هايدِمان وغيره مراحل هذه السكة في القطع نفسها، من الأنماط الساسانية والبيزنطية إلى صورة الخليفة ثم إلى الكتابة.

النظام الجديد لم يفد من خارج حاملاً عملته الخاصة. ورث النقد الفارسي والرومي، وأبقى وجه الملك ومذبح النار جيلاً كاملاً، ولم يكتب نفسه فوقهما إلا في الآخر. هذا هو الاستمرار في المعدن: ميراث يتسلم ويكتب فوقه ببطء، لا قطيعة مفاجئة. والدولة الجديدة تتسلم بنية الإمبراطوريتين المالية كما تتسلم بنيتهما الإدارية في الدواوين ولغتها، ثم تصبغها بصبغتها على مهل. وهذا ليس استنتاجاً: إنه قطع نقدية مؤرخة يمسكها الباحث بيده.

الخليفة المنازع

كان عبد الله بن الزبير خليفة منازعاً يحكم الحجاز والعراق سبعاً من ثماني سنين قبل تثبيت عبد الملك، وله نقود من دارابجرد، ونقود بأسماء أخيه مصعب وولاته. ومن بيشابور درهم سنة ٦٦ للهجرة يحمل «بسمِ اللهِ محمّدٌ رسولُ الله»، قبل بناء القبة وقبل الدينار المرواني.

فالصيغة وقعت على معدن الدولة تحت الإدارة الزبيرية، وليست ابتكاراً بدأ عند عبد الملك. وهذا يغير معنى الفصل كله: البرنامج الذي نقرؤه في العقد المرواني برنامج الطرف الذي كسب حرباً متنازعة على المنصب. والمؤسسات التي تبنى لحسم نزاع خلافة هي بالضبط حيث يتثبت شكل التقليد ويصير رسمياً.

وتحفظ أميال الطريق بين دمشق والقدس «عبدُ اللهِ عبدُ الملكِ أميرُ المؤمنين». حاكم موثق في الحجر والفسيفساء والمعدن في حياته، في عصر ينقل كل ما سواه تقريباً في كتب كتبت بعده بقرن وأكثر. والدولة المروانية صاغت الدين القائم وميزت إعلانها عنه: صياغة ودولة وإعلان، لا اختراع.

نقش معاوية الأقدم

في حمّة جادر بجدارا نقش ترميم للحمامات الرومانية، من كانون الأول سنة ٦٦٢، مكتوب باليونانية ويعلوه صليب. يذكر العمل «في أيّامِ عبدِ اللهِ معاويةَ أميرِ المؤمنين»، ويجمع دورة الخراج وسنة المستعمرة و«سنةِ اثنتَينِ وأربعينَ بحسبِ العرب». وإلى جانبه في تاريخ الحكم نقش سد الطائف بالعربية سنة ٥٨ للهجرة.

يحفظ نقش الحمام بناء رومانياً وكلاماً إدارياً يونانياً وصليباً وموظفاً مسيحياً وأمير مؤمنين عربياً وثلاثة تقاويم. هذه حجة الاستمرار في الحجر، قبل قبة الصخرة بنحو ثلاثين سنة، وهي أقوى من حولية مارونية باقية في مخطوط واحد مبتور. وبها تمتد سلسلة النقوش التي تتبعها الكتاب في فصوله الأولى، والتي كانت تقف عند حرّان سنة ٥٦٨، إلى ما بعد الدرز بثلاثة أجيال.

لغة الدولة

في السنوات نفسها، نحو نهاية القرن السابع، فعل عبد الملك أمرين متلازمين: نقش معجم القرآن في أضخم بناء للدولة، وضرب أول نقد يحمل ذلك المعجم خالصاً. فجعل لغة القرآن، في الحجر والذهب معاً، لسان الدولة الرسمي العلني. هذه هي لحظة الترسيم: كانت للمعجم قبل ذلك شواهد وطرق تداول، وهنا صار معجم الدولة المعلن.

وهذه اللحظة هي التتويج المرئي لكل ما سبق. المعجم الذي رأيناه في شعر عدي بن زيد بالحيرة، وفي نقوش الغساسنة بالشام، وفي ليتورجيا كنيسة المشرق، يبلغ الآن صورته النهائية منقوشاً في قبة القدس ومضروباً في دينار الدولة. وبهذا يغلق قسم إعادة المسرحة: الفتنة على أرض لخم، وكربلاء على أرض لخم وتقويم العالم القديم، والقبة والسكة ترسمان معجم القرآن لساناً للدولة. وفي الدولتين الأموية والعباسية يتجلى هذا الميراث بأسماء قبائل وكتبة وأطباء ومترجمين، وبعمل الدواوين نفسها، وإليهما يتجه القسم الخامس، حيث تبلغ فرضية الاستمرار تمامها.

القسم ٥

الميراث (نحو ٦٦٠–٩٠٠م)

الفصل الثامن عشر

دمشقُ والميراثُ الغسّانيّ

اتخذ معاوية دمشق عاصمة حين استقر له الحكم. ودمشق والشام كانتا قبل ذلك بقليل المجال الغساني: أرض بيت جفنة، تاج العرب الغربي وخادم الروم. فالدولة الأموية قامت في القلب الجغرافي نفسه الذي قام فيه ملك الغساسنة، وورثت قبائله ودواوينه وكتبته وحياته الدينية قائمة، وتحالفت مع جماعاته واستعملت أعماله ورجاله. وهنا تبلغ فرضية الاستمرار تمامها، بعد أن زرعت بذرتها في فصل التاجين.

كلب وبيت الخلافة

كانت كلب من أبرز القبائل الشامية في فلك الغساسنة والروم، وفيها نصرانية واسعة. تحالف معها الأمويون، ودخلت الأسرة الكلبية بيت الحكم بالمصاهرة. فأم يزيد بن معاوية ميسون بنت بحدل الكلبية، ومن بيت بحدل جاءت وجوه سياسية ثبتت الحكم في أوقات ضعفه. نخبة الشام القديمة دخلت بيت الخلافة الجديد من باب المصاهرة.

وفي مرج راهط سنة ٦٨٤ انتصرت كلب ومن معها، وثبتت الملك في البيت المرواني. وكان انقسام القبائل بين كلب اليمانية وقيس عصب السياسة الأموية. فالقبائل التي كانت في فلك غسان والروم صارت قاعدة الدولة الجديدة.

الأخطل في البلاط

كان الأخطل عربياً نصرانياً من تغلب، وصار شاعر بلاط الأمويين، يمدحهم ويدافع عن سلطانهم. وتصف الأخبار دخوله عليهم بصليبه، لا يكتم نصرانيته ولا يطالب بإخفائها. فالنخبة العربية المسيحية التي كانت عماد العالم الغساني القديم بقيت داخل الدولة الجديدة في مقام التكريم.

ويقابله في الحيرة عدي بن زيد: شاعر مسيحي وكاتب في قلب البلاط. الأخطل في بلاط دمشق وعدي في بلاط الحيرة حلقتان في سلسلة واحدة متصلة: العربي المسيحي في قلب السلطة، يخدم الحكم وينظم مديحه.

الديوان ولغته

أدارت الدولة الأموية دواوينها في الشام زمناً باليونانية، بأقلام كتبة من النخبة المسيحية القديمة نفسها، حتى عرّبها عبد الملك في أواخر القرن السابع. تسلم الحكم جهازاً يعمل ثم غير لسانه، كما تسلم النقد القديم ثم عرّبه. وهذا الاستمرار في القلم والديوان من أمتن خيوط الفرضية الخامسة، لأنه موثق في تاريخ الدواوين نفسه.

وقد تتبع عرفان شهيد آثار المجال الغساني في العصر الأموي، من أسماء المواضع والقصور إلى الذاكرة القبلية، فأظهر أن هذا المجال لم يختف بل تحول. الاستمرار هنا جغرافي وقبلي وبشري وإداري معاً: العاصمة في المجال نفسه، والتحالف مع قبائله، والأصهار والشعراء والكتبة من نخبته، والدواوين بكتبتها. فالشبكة الغسانية الشامية البيزنطية تستمر، بأرضها وقبائلها وكوادرها ودواوينها، في ثوب الدولة الأموية. والمقصود هذا الميراث الحي، لا نسب دم مباشر بين البيتين.

وفي المقابل قامت الدولة العباسية في العراق قرب المدائن، في المجال اللخمي الساساني، ترث رجال الإدارة الفارسية والتعليم السرياني. فإذا كان الأموي امتداد الغساني في الغرب، والعباسي امتداد اللخمي في الشرق، فالصراع الأموي العباسي هو الاستقطاب القديم نفسه، استقطاب تاجي العرب، يعاد على مسرح جديد.

الفصل التاسع عشر

بغدادُ والميراثُ اللخميّ

مع قيام الدولة العباسية انتقل ثقل الخلافة من الشام إلى العراق. بنيت بغداد على دجلة قرب المدائن، ساليق-قطيسفون، عاصمة فارس القديمة ومركز كنيسة المشرق. وفي العاصمة الجديدة عمل كتاب ووزراء وأطباء ومترجمون يحملون تقاليد فارسية وسريانية. هذه هي المرآة الأخرى لفرضية الاستمرار: دمشق الأموية ورثت المجال الغساني الغربي، وبغداد العباسية ورثت المجال اللخمي الساساني الشرقي الذي كانت الحيرة مركزه العربي.

المكان ورجال الدولة

قامت بغداد في القلب الجغرافي الذي كان قلب الإمبراطورية الساسانية ومملكة الحيرة من قبل. بغداد ترث موقع المدائن، كما ورثت الكوفة قبلها موقع الحيرة. والثقل السياسي يعود إلى حيث كان دائماً، إلى أرض الرافدين. وقد قامت الدولة العباسية على الموالي والعنصر الفارسي والعراقي، فعاد الكاتب الفارسي والإداري الساساني والطبيب النسطوري إلى الواجهة. وفي بيت البرامكة وزراء أداروا الدولة في أوجها وحملوا تقاليد الإدارة الساسانية إلى دار الخلافة.

فالمكان وهؤلاء الرجال معاً يشهدان لاستمرار الشبكة العراقية الشرقية تحت حكم جديد. تبدلت الأسر والسلطة، وبقيت التقاليد يتعلمها الناس وينقلونها في الديوان والطب والعلم. كوادر العالم القديم بأعيانها تعود إلى الواجهة في العاصمة الجديدة القائمة على أرضه.

أطباء ومترجمون

جاء بيت بختيشوع من جنديسابور، وخدم أفراد منه خلفاء بغداد أطباء خاصين أجيالاً. وخرج حنين بن إسحاق من الحيرة والعراق المسيحي، وعمل معه وفي عصره يوحنا بن ماسويه وغيرهما. كانوا من نصارى كنيسة المشرق، يصلون اليونانية والسريانية بالعربية، وينقلون كتب الطب والفلسفة ويعلمون من يعمل معهم.

نقل حنين عشرات الكتب، وتكونت حوله مدرسة من المترجمين. ودرس ديمتري غوتاس حركة الترجمة في «الفكر اليوناني والثقافة العربية»، فبين أنها مشروع دولة امتد قروناً، متصل بحاجات الدولة والمجتمع والرعاية الممتدة، إلى جانب علم الناقلين. فالعلم الذي قامت عليه نهضة بغداد حمله في معظمه نصارى من كنيسة المشرق، من البيئة التي كانت قلب العالم اللخمي الساساني. والجسر الذي عبر عليه علم القدماء إلى العربية كان جسر هذه الكنيسة ولغتها السريانية.

وهذا الجسر قائم على أسماء الرجال وأعمالهم الموثقة، وقوانين نصيبين الباقية، وخبر طيمثاوس عن ترجمة «طوبيقا» بأمر المهدي. وهي أمتن من صورة بيت الحكمة أكاديمية للنقل اليوناني، أو مدرسة ومشفى بجنديسابور قبل الإسلام، وهما الصورتان اللتان ردهما غوتاس ودولز كما مر في فصل اللسان.

كرسي الجاثليق

انتقل كرسي جاثليق كنيسة المشرق إلى بغداد. وكان طيمثاوس الأول من كبار رؤسائها، عاصر الخلفاء وحاورهم وكان صوت النصارى في قلب الإمبراطورية. فالكنيسة التي نظمت كراسيها في ساليق-قطيسفون سنة ٤١٠ تبعت العاصمة الجديدة إلى بغداد، وبقيت مؤسسة ذات رأس ومدارس وأبرشيات في قلب دار الخلافة.

لم تنشئ الدولة مؤسساتها الدينية من عدم: وجدت كنيسة منظمة قائمة، فأبقتها وتعاملت معها، واستعملت أفرادها في علمها وطبها وترجمتها. وهنا يقوم الاستمرار المؤسسي والبشري معاً، فوق ما يدل عليه تجاور المدينتين.

الزندقة وديوانها

ومع الأطباء والمترجمين والوزراء انتقل إلى بغداد ميراث آخر: ميراث الشرطة العقدية. فـ«الزنديق» من الفارسية الوسطى «زنديك»، المبنية على «زَند»، تفسير الأبستاق. والزنديك في أصل وضعه ليس وثنياً ولا كافراً، بل رجل يمشي على التفسير: يقرأ النص المقدس فيخرج منه بجواب آخر. إنها كلمة كنيسة دولة في تأويل منافس. ظهرت في نقوش كِردير، رئيس الكهنة الساساني، بنقش رستم وسَر مشهد، في القرن الثالث، بين الجماعات التي يقول إنه ضربها: يهود ونصارى ومغتسلة وبراهمة وزنادقة. وامتدت يومئذ إلى المانويين، أتباع ماني الذي ولد قرب المدائن سنة ٢١٦ وقُتل بجنديسابور في عهد بهرام الأول.

عبرت الكلمة إلى العربية كما هي: زنديق وزنادقة وزندقة. وفي عهد المهدي أقيمت محنة الزنادقة، ولها ديوان وصاحب ديوان، فقتل وشرد شعراء ومترجمون وأهل بلاط بشبهة مانوية مستورة. وحدها في الفقه كتمان الكفر لا ظهوره، لأن للردة الصريحة اسمها وإجراءها. فالزندقة جرم القراءة المستورة.

فالذي انتقل ديوان كامل لا لفظة وحدها: مقولة قانونية تعرّف الخصم الداخلي بأنه من يقرأ الكتاب المشترك على غير وجهه، وجهاز يلاحقه، وعقوبة تميزه عن المرتد الصريح. وهذا من الميراث الساساني كالخراج والبريد والدواوين، غير أنه في باب العقيدة لا المال.

وبهذه الكلمة يغلق قوس الفصل الثالث. فحين قال ابن قتيبة إن سادة قريش أخذوا الزندقة من الحيرة، استعمل هذه الكلمة بعينها بمفارقة زمنية صريحة، والمفارقة نفسها تكشف: مقولة ساسانية في قراءة الكتاب، تطبق على مكة في القرن السابع، ويذكر مصدرها في عاصمة لخم. الكلمة والطريق والوجهة، ثلاثتها في جملة واحدة من كتاب مراجع سني.

مجالان وميراثان

تكتمل الآن المرآة التي بدأت في دمشق. الأمويون في الغرب ورثوا ميراث غسان والروم، بالقبائل والأصهار والشعراء والدواوين؛ والعباسيون في الشرق ورثوا ميراث الحيرة وفارس، بالكتاب والوزراء والأطباء والمترجمين وكنيسة المشرق. تاج العرب الغربي صار دولة غربية في الشام، وتاج العرب الشرقي صار دولة شرقية في العراق. والصراع الأموي العباسي إعادة إنتاج متأخرة لاستقطاب التاجين الذي بدأ في القرن السادس، يدور دورته الثالثة: التاجان، ثم صفين، ثم الأموية والعباسية. الأرض نفسها والمحور نفسه، والممثلون يتبدلون.

تغير الدين في صورته الجديدة، واتسعت العربية، وتبدلت مؤسسات الحكم، وتحت هذه التغيرات بنية مستمرة: الأرض والقبائل والكوادر والمؤسسات تعبر من العالم القديم إلى الجديد. الدولة الجديدة ورثت عالماً قائماً وكتبت نفسها فوقه، وهذا يرينا عمق الجذور التي قامت عليها الحضارة الجديدة. أما الحركة التي أعادت هذا الشرق كله إلى موقع القيادة فجاءت من المشرق، وإليها يتجه الفصل التالي.

الفصل العشرون

الدعوةُ العبّاسيّة: عودةُ لخم

أعلنت الدعوة العباسية نفسها في خراسان بعد عمل سري، وحمل أبو مسلم الخراساني راياتها السود من المشرق نحو الغرب. أسقطت الدولة الأموية سنة ١٣٢ للهجرة، ثم استقر ثقل الخلافة في العراق، وبنيت بغداد قرب المدائن. لم يكن هذا تبدل أسرة حاكمة فحسب، بل عودة قطب بأكمله: في الطريق من خراسان إلى العراق عاد ثقل العالم من غربه إلى شرقه.

الحركة من الشرق

كانت دمشق دولة غربية تعتمد على قبائل الشام ونخبته في المجال الغساني، وجاءت القوة التي غلبتها من أقصى المشرق، مستندة إلى أهله. ثم اتخذ الحكم الجديد عاصمة عراقية، واتسع فيه عمل الكتاب الفرس والأطباء والمترجمين من كنيسة المشرق. فثقل العالم انتقل من المجال الغساني إلى المجال اللخمي الساساني، وهذا في أبسط صوره ما تعنيه عودة القطب الشرقي.

كان للعرب قطبان: شرقي لخمي في الحيرة يستند إلى فارس، وغربي غساني في الجابية يستند إلى الروم. زال تاج الحيرة سنة ٦٠٢ وخلا فضاؤه، واستمر أهل الإقليم وأعمالهم تحت سلطات أخرى، ورجحت كفة الغرب قرناً في العصر الأموي. ثم أعادت الدعوة العباسية الكفة إلى الشرق. فالصراع الأموي العباسي هو الدورة الثالثة لعجلة التاجين: لخم وغسان في القرن السادس، ثم الكوفة ودمشق في صفين، ثم العباسيون والأمويون في القرن الثامن. وفي كل دورة يتقابل العراق والشام، وفي هذه الدورة الأخيرة يكسب الشرق.

الكوفة وشرعية الدعوة

كانت الكوفة منذ الفتنة الأولى معقل المعارضة للأمويين ومنبت التشيع وحب آل البيت. وحملت الدعوة العباسية شعار «الرضا من آلِ محمّد»، فاستمدت من هذا الحنين الكوفي شرعيتها الأولى. فأرض لخم القديمة كانت القلب الأيديولوجي للحركة القادمة من خراسان.

الأرض التي كانت مملكة المناذرة، ثم صارت الكوفة معقل التشيع، هي نفسها التي مدت الدعوة بشرعيتها. القطب الشرقي يعود، ومعه تعود أرضه ورموزها. والمقصود عودة الإقليم بوزنه ورموزه، لا نسب العباسيين إلى المناذرة.

رجال العاصمة الجديدة

صعد البرامكة إلى الوزارة فأداروا الدولة بتقاليد الإدارة الساسانية، وعاد بيت بختيشوع من جنديسابور إلى خدمة الخلفاء، وازدهرت الترجمة بأيدي حنين ومن معه من نصارى المشرق السريان. فالنخبة التي كانت عماد العالم اللخمي الساساني القديم عادت إلى الواجهة في العاصمة الجديدة القائمة على أرضه: نخبة قديمة عادت إلى موقعها بعد قرن من الخفوت، لا نخبة نشأت مع الدولة.

الطريق السياسي للدعوة موثق: صعودها من خراسان، وعودة العاصمة إلى العراق قرب المدائن، وعودة الكوادر الفارسية والنسطورية. وقراءته عودة للقطب اللخمي الساساني قرينة قوية، يحملها تطابق المكان والكوادر واتجاه الانتقال. حضارة بغداد، بعلمها وترجمتها وإدارتها، قامت على عالم شرقي عريق عاد إلى نفسه. ومن الميراث الذي حملته تلك الجماعات ألفاظ العبادة ونظامها، وهي أعمق خيوط الميراث كلها، وموضوع الفصل التالي.

الفصل الحادي والعشرون

من صلوتا إلى صلاة: الشعائرُ والمصطلحات

تقول العربية صلاة وصوماً وزكاة وقرآناً، وفي السريانية ألفاظ تقابلها في الجذر ومعنى العبادة. عاشت هذه الكلمات في صلوات كنائس المشرق وكتبها، وعاش أهل الحيرة العربية والسريانية في يومهم. هذا اللقاء هو اللسان الواحد الذي تفرع في الأقاليم: السريانية والعربية مستويان لسان سامي واحد، والكلمة الواحدة تظهر في الطورين، وعربية القرآن أحدث صوره وأعلاها. فالكلمة صورة سابقة في الطور الأقدم وصورة كاملة سامية في الطور الأحدث، لا لفظ غريب استعارته لغة من جارتها.

الصلاة والصوم والعطاء

تقابل الصلاة «صلوتا» السريانية، من الجذر نفسه، في حقل الدعاء والانحناء والعبادة. الكلمتان مرحلتان من تاريخ كلمة واحدة، تحملان المعنى نفسه: التوجه إلى الله بالدعاء والركوع. فحين نقول «صلاة» ننطق الصورة العليا لكلمة كانت كنائس المشرق تسمي بها صلاتها. والصوم يقابله «صوما»، الإمساك عن الطعام، وكانت للكنائس أصوام معلومة ومنظمة. فالكلمة والممارسة كلتاهما حاضرتان في الطور الأقدم.

وتقابل الزكاة «زكوتا» في السريانية والآرامية، من حقل الطهر والصلاح والاستقامة والبر والصدقة. فمعنى التطهر بالعطاء، الذي تحمله الزكاة، حاضر في الجذر نفسه في الطور الأقدم، ثم يتحدد حكم الزكاة واستعمالها القرآني بما جاء في نصوصها.

القراءة والتسليم

«قريانا» في السريانية قراءة مقدسة، والنص الذي يتلى في الكنيسة. واسم الكتاب نفسه، «القرآن»، أي المقروء والتلاوة، يلتقي في جذره بالكلمة التي كانت كنائس المشرق تسمي بها القراءة المقدسة في طقوسها. الكتاب الذي يتلى هو في الطورين «القراءة».

ويقابل مسلم «مشلمانا»، من حقل السلام والتسليم، الذي يصف من أسلم نفسه وسلمها. فمعنى التسليم لله، الذي يحمله اسم المسلم، له صورته في الطور الأقدم من اللسان. وقد جمع آرثر جِفري كثيراً من ألفاظ هذا الباب في «المفردات الأجنبية في القرآن»، وكتب مِنغانا عن الأثر السرياني في لغة القرآن، ونبه نولدكه قبلهما إلى صلة هذه الكلمات بأخواتها السريانية. فالملاحظة في جوهرها قديمة راسخة في الدراسات، وقد قرأها أولئك اقتراضاً من لغة إلى أخرى، ويقرؤها هذا الكتاب أطواراً للسان الواحد.

الماء ومواقيت العبادة

عرفت البيئات المسيحية والمندائية التطهر بالماء قبل العبادة. وعند المندائيين في جنوب العراق، على مقربة من الحيرة، طقوس اغتسال وتعميد هي شعيرتهم المركزية، ومنها الرشامة. فالطهر الطقسي بالماء قبل العبادة نسق شرقي راسخ كانت تعرفه أديان هذا الإقليم قبل الإسلام، وهذا الإطار في درجة القوة كسائر معجم الفصل. أما الوصل الخاص بالرشامة المندائية بعينها فقرينة من درجة الاحتمال، يحملها اتحاد المقصد والبيئة.

وكانت للكنائس والرهبان ساعات صلاة موزعة على اليوم والليل، منها الفجر ومواقيت معلومة من النهار. عرفت الحيرة وأديرتها هذا التنظيم، ففكرة صلوات موقوتة تقسم اليوم حاضرة في التقليد الليتورجي الذي عاشت به، قبل أن تأخذ في الإسلام عددها ووقتها وصفتها.

اللسان ونظام العبادة

تجمع هذه الأمثلة الدعاء والصوم والعطاء والقراءة والتسليم والطهر ومواقيت الصلاة، وكلها عناصر منظومة تعبدية واحدة متكاملة. فالذي انتقل إطار ليتورجي كامل، لا مفردات فرادى: لسان العبادة ونظامها معاً. وهذه هي الفرضية الرابعة في أعمق صورها: الحضور السرياني إطار تعبدي ومؤسسي كامل، عاشت به كنيسة المشرق في الحيرة وما حولها، وارتفع في الطور القرآني إلى صورته العليا.

وعربية القرآن هي الصورة التي بلغت فيها كلمات العبادة تمام التعبير. كما أن الشجرة لا تنتقص بأن نري جذورها، بل يفهم بذلك علوها، كذلك العبادة يزيدها رسوخاً أن تتبين جذور كلماتها في تربة عريقة. فالكلمة التي نصلي بها اليوم صليت بها كنائس هذه الأرض قبل قرون، ثم بلغت في القرآن صورتها العليا: عمق لا انقطاع، وارتقاء لا استعارة. وحملت نساء من البيوت الحاكمة ومن أخبار البدايات وجهاً آخر لهذا الميراث، في المصاهرة والرعاية والذاكرة.

الفصل الثاني والعشرون

النساءُ عند المفاصل

بقيت هند بنت النعمان في دير قرب الكوفة بعد زوال ملك أبيها، ودخلت ميسون بنت بحدل بيت معاوية وصارت أم يزيد. تحت القصة كلها، وراء الملوك والشعراء والأساقفة والقادة، يسري خيط أهدأ صوتاً وأعمق أثراً تحمله نساء يقفن عند مفاصل التحول: النسب يمر بهن، والذاكرة تنتقل عبرهن، وحين ينكسر عالم ويقوم آخر تكون المرأة كثيراً الجسر بينهما. وفي أخبار حليمة وعائشة يتصل اسم المرأة كذلك بما حفظته الجماعة عن بداياتها وحروبها.

هند وديرها

تنصرت هند كأبيها وترهبت، وحمل ديرها اسمها، «دير هند»، وبقيت أطلاله قرب الكوفة قروناً يذكرها ياقوت. ابنة آخر ملوك الحيرة تعتزل في دير على أرض أبيها، والكوفة الإسلامية تقوم على مرمى البصر منها. والدير الباقي شاهد مادي على العبور: حفظ ذكر البيت الذي زال حكمه، واستمرت منه حياة دينية في العصر التالي.

وتروي الأخبار أن سادة العصر الجديد كانوا يزورونها ويكلمونها، حتى ينسب إلى علي بن أبي طالب أنه مر بديرها وسألها عن قومها وملكهم الزائل. في هذا المشهد يجتمع العالمان: العالم اللخمي المسيحي الذاهب والعالم الإسلامي الآتي، تصل بينهما بنت الملك الراهبة. هند هي الحيرة وقد بقيت، شاهدة حية على أن المملكة لم تمح بل تحولت.

ميسون وأهل الشام

تزوج معاوية ميسون بنت بحدل من كلب، فولدت يزيد الخليفة الثاني. وكلب قبيلة شامية ذات جذور في المجال الغساني النصراني، فالدم الشامي الكلبي من عالم غسان القديم دخل بيت الخلافة الجديد من باب المصاهرة، وجرى في عروق خلفائه.

وتحفظ الذاكرة لميسون أبياتاً تحن فيها إلى بادية قومها وخيمتهم، وتزهد في قصر دمشق وحريره. وفي هذا الحنين صدى لانتقال عالم إلى عالم. فإذا كانت هند هي الحيرة وقد بقيت في دير، فميسون هي بادية الشام الغسانية وقد صارت أماً للملك: امرأتان عند طرفي العالم القديم تعبران به إلى الجديد. بقاء هند في ديرها وأمومة ميسون ليزيد خبران في درجة القوة، وقراءتهما جسري استمرار بين العالمين قرينة من درجة الاحتمال.

الحليمتان

تنسب الرواية يوم حليمة، أشهر أيام العرب، إلى بنت الحارث الغساني التي طيبت المقاتلين وسلحتهم، فحتى أعظم معارك العالم القديم تحمل اسم امرأة تهيئ الرجال للحظة مصيرهم. وفي السيرة حليمة السعدية مرضعة النبي، وفي خبر رعايتها بركة الغنم وشق الصدر وتطهير القلب: امرأة ثانية تحمل الاسم نفسه وتهيئ المختار، لا للمعركة بل للنبوة. يجمع الاسمين الجذر ح-ل-م، بما يحمله من الحلم والحُلم، والرؤيا هي ما تقول السيرة إن الوحي انفتح به أولاً.

فاسم أنثوي واحد يقف عند مفصلين من القرن نفسه: ذروة حرب التاجين، ومولد النبي. وكون المفصلين في قرن واحد ثمرة الإزاحة الزمنية التي تنقل البدايات إلى أفق القرن السادس. وهذا التكرار من جنس الأسماء ألقاباً: اسم حامل للمعنى يحفظه التقليد عند المنعطفات، فيربط نشأة النبي بأفق الحيرة. هي قراءة من درجة الاحتمال، والرابط فيها اسم ووظيفة لا دم ولا أرض: السعدية من هوازن القيسية في بادية الطائف، وبنت الحارث غسانية يمانية من ثغر الشام. والقراءة تكرم المرضعة والنبي، وتقرأ في الاسم معنى ولا تنفي شخصاً.

عائشة والجمل

كانت عائشة في قلب وقعة الجمل سنة ٦٥٦ قرب البصرة، أول قتال الفتنة، وسميت المعركة بالجمل الذي كانت عليه، كما سمي يوم حليمة باسمها. ووقعت الجمل على أرض العراق في فلك لخم القديم. فكما وقفت حليمة عند مفصل العالم القديم على الثغر الشامي، وقفت عائشة عند مفصل العالم الجديد على الأرض العراقية، والمعركتان تدوران حول امرأة على المحور نفسه، محور الصراع على القيادة. هذا التوازي ملاحظة نمط في درجة التخمين المعلن.

يجمع هؤلاء النساء أنهن يقفن حيث يلتقي عالمان. ميسون تحمل دم كلب الشامية إلى بيت الخلافة، وهند تحمل ذاكرة المملكة المسيحية إلى قلب العصر الجديد في ديرها، والذاكرة تعلق على المرأة أسماء مفاصلها فتسمي بها أيامها ومعاركها. فالعالم القديم عبر إلى الجديد، وعبر بعضه في أنساب نساء بعينهن، من دير هند قرب الكوفة إلى مجلس ميسون في دمشق. وبهذا يغلق قسم الميراث، وقد ظهر في الأرض والقبائل والكوادر والمؤسسات واللسان والأنساب، ومن جمع هذا كله تتكون الصورة التي تتلاقى عندها فرضيات الكتاب.

القسم ٦

التركيب

الفصل الثالث والعشرون

كيف تتلاقى الفرضياتُ الخمسُ عند الحيرة

تصل النقوش والسجلات والأخبار بين ملك عربي في النمارة سنة ٣٢٨، والحيرة وكنيستها، وتنافس لخم وغسان، ثم حكام دمشق ورجال العلم والإدارة في بغداد. وفي هذا التاريخ قامت خمس فرضيات تختلف أدلتها، وهي ليست خمس دعاوى منفصلة، بل خمسة خيوط تلتقي عند عقدة واحدة: الحيرة وما يتصل بها من العراق والشام. كل خيط منها، حين تتبعه إلى منبعه، يقودك إلى العالم العربي المسيحي في هذا الإقليم.

المكان واللسان والمؤسسات

ثقل العرب المنظم كان شمالياً عراقياً منذ حجر النمارة. وللحيرة وزنها من ملكها القديم، ومن نشأة الكوفة إلى جانبها، ومن تجمع الفتنة الأولى وكربلاء والنجف والمشاهد المقدسة كلها على أرض لخم. ومكة تغيب عن السجلات الخارجية حيث تحضر اليمن والعراق والشام. أما اللسان فيصل ألفاظ الصلاة والصوم والزكاة والقراءة بصورها السريانية في حياة كنيسة المشرق، وهذا اللسان كان لسان الحيرة وكنيستها.

ويظهر استمرار البشر والمؤسسات في كلب وميسون والأخطل وديوان الشام، وفي حنين وبختيشوع وطيمثاوس وديوان العراق. فالأموية ورثت المجال الغساني البيزنطي، والعباسية ورثت المجال اللخمي الساساني، بأرضهما وقبائلهما وكوادرهما ومؤسساتهما. والحيرة تجمع في مكان واحد كل ما تحتاجه القصة: الجماعات الدينية التي يجادلها القرآن متجاورة، واللسان الواحد بطوريه، عربية الشارع وسريانية الكنيسة، والعِباد الكتبة والأطباء والمترجمين الذين حملوا ثقافتهم إلى الدولة الجديدة، والتاج العربي الشرقي، وكنيسة المشرق بأساقفتها وأديرتها ومدارسها، وأرض الكوفة وكربلاء التي تتجمع فيها مشاهد القصة. فالحيرة هي النقطة التي تتقاطع عندها حجج المشروع كلها.

الزمن والأسماء

تدخل الإزاحة من مقابلة الأخبار بالنقوش والمخطوطات وشهادات الجيران. الإشارات القرآنية التي لها صدى موثق، أصحاب الأخدود والفيل والروم في حربهم، تتقاطع مع أحداث القرنين الخامس والسادس وأوائل السابع. وأول شاهد خارجي على الحركة يضعها على الثغر الشمالي، والمخطوطات تمسك بالنص في لحظة تثبته، ووثائق القرن السابع وتقويمه واسم محمد هي الجدار الخارجي الذي يقف عنده هذا الزمن. والمقارنات تدل على بداية أقدم بنحو قرن.

وتقرأ فرضية الأسماء المنذر في معنى النذارة، وبَحيرى في معنى المختار، وغيرهما من الألفاظ ذات الأدوار الدينية والسياسية. فاللقب الملكي يلتقي بالمعنى الديني، ويتناسخ في حامليه حتى يصعب فرزهم، وتكرر الألقاب في البيوت ثابت. ومن علاقة الألقاب بالبيوت والعبادة تدخل الأسماء في شبكة المكان والزمان والمؤسسات.

اجتماع القرائن

قوة هذه القراءة تراكمية. تشابه الحيرة وحِراء في الجرس، وغياب مكة عن السجلات، وتوازي حليمة وصفين، كل منها قرينة إذا أخذ وحده، لكنها لا تقف منفردة: تجتمع، وتشير كلها إلى الجهة نفسها، وتعزز إحداها الأخرى. فحين تشير الجغرافيا إلى العراق، واللسان إلى السريانية، والكوادر إلى كنيسة المشرق، والاستمرار إلى تاجي العرب، والأحداث المؤسسة إلى أرض لخم، يجعل تضافر هذه الإشارات القراءة أقوى من مجموع أجزائها. والقرائن هنا مستقلة المصادر: نقش وسجل كنسي وخبر عربي ومخطوطة، لا شاهد واحد يعاد استعماله.

وحفظ أصل المشروع ذلك في شبكة معرفة لا قائمة حجج: مئات العقد من أشخاص وأماكن وأحداث ومفاهيم وقبائل وأدلة، وبينها أكثر من ألف وصلة، لكل وصلة نوعها ومصدرها ودرجة ثقتها. وحين ترسم بصرياً تظهر العناقيد: الأماكن العراقية معاً، وكلمات العبادة السريانية معاً، وشخصيات التاجين والفتنة معاً، وكلها تتصل بالحيرة. قوة القراءة في كثافة الوصلات التي تلتقي عند الحيرة، والشبكة تنمو، وكل قارئ يستطيع أن يتتبع وصلاتها ويزن درجاتها بنفسه.

تركيب الأخبار

لما صارت المزاوجات مؤرخة أمكن عدها، فظهر شيء يحدد الآلية أدق مما وصفت. نجران تمنح بئر معونة وحفرة قريظة، وقمع ثورة السامريين يمنح حكم قريظة وإجلاء النضير، وأنغلون يمنح انقلاب أُحد وكمين حنين، ويوم حليمة يمنح صفين ووجهاً ثانياً لأُحد. وفي المقابل يبنى أُحد من ثلاثة مانحين، وقريظة ومرج راهط من اثنين لكل منهما. في هذا الحساب ثمانية أحداث من القرن السادس تمنح أكثر من يوم لاحق، وأكثر من نصف المزاوجات يقع في عقدة متعددة لا في زوج نظيف.

إعادة التأريخ البسيطة، سجل يقدمه ناسخ أو تقويم، تعطي توأماً واحداً لكل حدث ولا شيء غيره. أما التعدد فيقع حين ينهل الرواة مراراً من مخزون مشاهد محفوظة: صورة معركة واحدة تمنح يومين، ويوم واحد يركب من ثلاث صور. فالآلية تركيب لا نقل، وهذه هي الدعوى الأقوى، لأنها تفسر لماذا توافق مزاوجات كثيرة في البنية وتخالف في التفصيل. لو كان أُحد منقولاً من كالينيكوم لسافرت التفاصيل معه؛ أما إذا كان مركباً من يوم كالينيكوم وانقلاب أنغلون وقربان للعزى، فهو يوافق كل مانح في سجل واحد بعينه ويخالفه في الباقي. وذلك ما يفعله.

والآلية نفسها تحدد ما يكسب به كل وجه موضعه. نقش أبرهة سنة ٥٥٢ يستعمل ثلاث مرات، وتكراره شاهد أمين على مخزون الحكاية، وكل مزاوجة تقوم بقرينتها الخاصة إلى جانبه. وما بقي من بدر والنضير دون مانح صريح ينتظر قرينه في المخزون نفسه.

الفترة والبيتان

تلتقي الخيوط الخمسة عند الحيرة في المكان، وتلتقي في الزمان عند قوس واحد يسميه القرآن «فترةً من الرسل» (المائدة ١٩). الفترة التي تجعلها القراءة المعتادة ستة قرون قوس يقارب ألف سنة، له طرفان والحيرة في وسطه. طرفه القريب الإزاحة الزمنية: أحداث النشأة في عالم الحيرة في القرن السادس الميلادي. وطرفه البعيد عيسى القرآني في موجة التوحيد المحورية في القرن السادس قبل الميلاد، إلى جانب نبونيد وزرادشت وبوذا، حيث يقف عالم تيماء وحرّان القمري في الممر نفسه الذي يقف فيه عالم الحيرة. والطرفان يغذي أحدهما الآخر: العمق يفسر طول الفترة، والقرب يفسر كيف أعيد تأريخ طرفها الأدنى إلى الأمام. أقوى الخيوط وأقربها مركزية الحيرة والاستمرار البنيوي والدور السرياني، والطرف المحوري العميق أجرؤها، وهو في درجة التخمين المعلن.

ولهذا القوس عمودان. الأول عقدي: سُلّم الحمد. الأنبياء درجات حمد صاعدة، وعيسى في درجة يبشر بمن هو أعلى منه حمداً، أحمد، حتى تبلغ القمة صاحب المقام المحمود ولواء الحمد، ويحمل القاع العميق اسم نبو-نائد، نبو ممجد. والثاني بشري: بيت واحد. آل عمران، مريم وعيسى وزكريا ويحيى، وبيت النبي يقرآن بيتاً نبوياً كهنوتياً واحداً يمتد على طول الفترة، مفصله الجد شيبة الحمد، حيث يلتقي العمودان.

ويشد القوس من تحته نسيج من الطرف العميق: نقشا بِسْران بدومة عربية مقروءة، وأسماء الملوك والمعبودات الرافدية جملاً عربية، وانجراف رب السماء من عترسمين إلى الرحمن، ومعالق الكتاب والقرآن على الممر نفسه، من تيمان وفاران إلى إبراهيم وثالوث سين وشمش والزهرة. نسيجه اللغوي وطرفه القريب قويان، ومطابقات طرفه العميق أجرأ ما يطرحه الكتاب.

هذه هي الصورة مجتمعة: عالم قديم عريق أعيدت روايته، لا قصة اخترعت من عدم. عظماؤه نقلوا إلى أدوار مكرمة في القصة الجديدة، وحروبه أعيد تشكيلها على المحور نفسه، وكلماته التعبدية ارتفعت إلى صورتها العليا، ومؤسساته عبرت إلى الدولة الجديدة. والإسلام المبكر في هذه الصورة تتويج لعالم عربي موحد قديم له ملوك وكنائس ولسان مقدس وذاكرة عميقة، تمتد جذوره في تربة أعرق مما ظُن. وفي الفصل التالي توزن أجزاؤها، القوي منها والافتراضي، كل في درجته.

الفصل الرابع والعشرون

ما هو قويٌّ وما هو افتراضيّ

تثبت النقوش رجلاً وتاريخاً، وتثبت الوثيقة عملاً أو تقويماً، ثم تبدأ القراءة حين نصل بين الشواهد ونفسر اجتماعها. ولكل جزء من هذا البناء درجته، نسميه بها فلا نخلط القوي بالتخميني، ولا نطلب للحدس ما نطلبه للنقش. يستعمل المشروع أربع درجات: قوي لما يسنده توثيق تاريخي متين، ومحتمل لقراءة تجتمع لها قرائن ترجحها، وتخميني لقرينة تنير الطريق، ومنافس لقراءة يقيمها باحثون آخرون على المادة نفسها، نذكرها بأسماء أصحابها ونجيب عنها. وعلى هذه الدرجات يوزع هذا الفصل محاور الكتاب.

الوقائع الأوفر دليلاً

يقف الكتاب على أرض صلبة في أربعة محاور. أولها مركزية الحيرة والعراق: مُلك عربي طويل التاريخ قام فيها نحو ثلاثة قرون، ومجتمع مسيحي وكنيسة وأديرة وكتبة، ولسان واحد بمستويين، عربية السوق وسريانية الكنيسة، وصلات وثيقة بفارس. وهذا كله موثق توثيقاً قوياً في المصادر السريانية والعربية والنقوش. ونشأة الكوفة إلى جانبها، وتجمع المشاهد العلوية في إقليمها، وقائع لا خلاف عليها. فوقوع هذا التجمع ثابت، وعمل القراءة في دلالته على النشأة كلها.

وثانيها الاستمرار البنيوي. قامت الأموية في المجال الغساني وتحالفت مع قبائله، وقامت العباسية قرب المدائن واعتمدت على كوادر العراق المسيحية وأطبائه ومترجميه، والتفاصيل موثقة بأسمائها: كلب وميسون والأخطل وديوان الشام، وبختيشوع وحنين وطيمثاوس في العراق. فاستمرار البشر والمؤسسات والأرض قائم على وقائع ثابتة، على رجال مسمَّين وأعمال معروفة، وبذلك يكون أمتن من القول العام إن الدولة التالية تشبه سابقتها.

وثالثها الدور السرياني. معجم العبادة يلتقي بالطور السرياني من اللسان، وكنيسة المشرق إطار ليتورجي ومؤسسي حاضر بتنظيمها وتعليمها وشعائرها. وتفاصيل كل كلمة موضع بحث لغوي، والإطار العام راسخ: التعبير الديني تبلور في بيئة سريانية مشرقية. ورابعها المنهج نفسه: المصادر غير الإسلامية تقابل الرواية العربية بشهادات مستقلة عنها، وهذا منهج سليم في ذاته أياً كانت النتيجة التي يقود إليها، يمنح الكتاب أرضاً لا تعتمد على ما يريد إثباته.

الفرضيات الأبعد

أجرأ فرضيات الكتاب الإزاحة الزمنية الشاملة: زمن البداية أقدم بنحو قرن. والقرائن تحمل توتراً حقيقياً بين تأريخ الشواهد المعاصرة وتأريخ الرواية المكتملة، وعلى هذا التوتر تقوم الفرضية. ووثائق القرن السابع التي تسمي الحركة ورجالها وتقويمها هي الحد الأدنى الذي تقف عنده الحركة باسمها، والإزاحة تعمل فيما قبله، ومقدارها على وجه التحديد في درجة التخمين المفتوح. وجريء كذلك رد الأسماء التأسيسية إلى ألقاب: بعض أمثلته ألقاب صريحة بلا خلاف، كبَحيرى والنجاشي، والمنذر لقب تكرر في ملوك لخم، وتعميم القراءة على الأسماء المركزية كلها قراءة من درجة الاحتمال، وهو أدق مواضع الكتاب، ولذلك بُسط في فصله على مهل.

والتوازيات المفردة، كذي قار وبدر، والنعمان والحسين، قرائن من درجة التخمين، قوتها في تضافرها مع غيرها. وأبعد أطراف الفرضية مدى الطرف المحوري العميق من الفترة: عيسى القرآني نبي من موجة التوحيد المحورية في القرن السادس قبل الميلاد، إلى جانب نبونيد وزرادشت وبوذا. تحته أرض موثقة: إصلاح نبونيد القمري في تيماء وحران، ونقش الحائط المنشور سنة ٢٠٢١، و«صلاة نبونيد» من قمران. ووضع عيسى نفسه في هذه الموجة قراءة ينفرد بها المشروع، درجتها التخمين المعلن، ومعيارها مبسوط في ملحق القرابة. هو الطرف البعيد من قوس الفترة، يقوم بإزاء طرفها القريب القوي، ولكل طرف منزلته.

تفسيرات أخرى

لكل محور من هذه قراءة منافسة تقرأ المادة نفسها على وجه آخر. يقال إن قلة ذكر مكة في السجلات الخارجية ناشئة من صغرها أو من توزيع المسح والكتابة. ويقال إن القرابة اللغوية والجوار يفسران كثيراً من الصلات العربية السريانية. ويقال إن الحروب تتشابه لأن الجغرافيا والظروف السياسية باقية، وإن كل دولة ترث شيئاً من أجهزة سابقتها. وهذه اعتراضات جادة، والكتاب يضعها في الميزان.

والجواب في تضافر الشواهد. كل تفسير منافس يأخذ خيطاً واحداً ويفسره منفصلاً: الصغر لغياب مكة، والجوار للألفاظ، والجغرافيا للحروب. أما الخيوط مجتمعة، وقد أشارت كلها إلى الجهة نفسها، فاجتماعها حول مجال واحد أرجح من تفسيرها واحداً واحداً بالمصادفة. وقوة هذا التضافر من استقلال مصادره: نقش وسجل كنسي وخبر عربي ومخطوطة، لكل منها طريقه، لا شاهد واحد يعاد في أكثر من موضع.

ولهذه القراءة خصوم مسمون في البحث نفسه، يواجههم الكتاب ويقرأ شاهدهم. يرى فريد دونر في «محمد والمؤمنون» أن جانباً من جوهر الرواية المبكرة يصمد للفحص، والجوهر الذي يصمد عنده هو ما تحفظه الإزاحة: أصحاب الأخبار وأحداثها، في زمن أعيد ترتيبه. وتستدل أنجيليكا نويفيرت وغيرها ببنية القرآن والمخطوطات على زمنه المبكر في القرن السابع، والكربون يؤرخ مادة الرق لا يوم كتابته، والمخطوطات تحفظ النص في لحظة تثبته، وهذا ما تتوقعه حجة الزمن. ونوقشت تفاصيل قراءة لوكسنبرغ نقداً أظهر ضعف كثير من مقترحاته، والإطار الذي يقوم عليه الكتاب، التقاء معجم العبادة بالطور السرياني من اللسان، أقدم من لوكسنبرغ وأرسخ من تفاصيله.

تصحيحات المصادر

مراجعة المصادر من الميزان نفسه، وكل تصحيح فيها نقل الحجة إلى أرض أصلب. كانت الإحالة إلى غوتاس تسند وصف بيت الحكمة بأكاديمية ترجمة يونانية، وغوتاس يناقش هذه الصورة ويردها، ورسالة حنين، وهي أوثق شاهد من داخل حركة الترجمة، لا تذكر المؤسسة. وكانت الإحالة إلى دولز تسند انتقال أكاديمية جنديسابور إلى بغداد، ودولز يرى أن صورة المدرسة والمشفى قبل الإسلام تفتقر إلى شاهد معاصر. واستعمل صامويلسون دليلاً على شكل الصلب، وهو يصرح بأن دراسته لا تعين ذلك الشكل. سحبنا الدعاوى الثلاث، وقامت صلة التعليم على ما يثبت: قوانين نصيبين، وأسر علمية مسيحية مسماة، وخبر طيمثاوس الجاثليق، بلسانه، عن عمله في الترجمة للمهدي.

وفي العقيدة نسبنا إلى كنيسة المشرق «طبيعتانِ وأقنومانِ في اتّحادٍ أدبيّ»، وتلك صيغة خصومها. وصيغتها هي: كيانان وقنومان في پرصوپا واحد، أي شخص واحد. والتصحيح في صالح الحجة: الصيغة التي وضعها الخصوم على لسانها هي بعينها ما يرده القرآن بقوله «ولا تَقولوا ثلاثة»، فكانت نسبتها إلى الكنيسة تضعف الحجة في الموضع الذي تقوى فيه.

وفي مثال اللغويين عُد الخليل والفراهيدي رجلين، وهما رجل واحد: الخليل بن أحمد الفراهيدي، العربي من فراهيد أزد عمان. أما «الصحاح» فللجوهري، التركي من فاراب، المتوفى بعد النافذة التي نبحثها. والمقصود صحيح بعد التصحيح: أدوات العربية بناها في عراق العباسيين موال من غير العرب في الأغلب، وسيبويه شاهده الصحيح، وسقط المثال الذي كان يناقضه.

ووصف نقش بايكولي بأقدم ذكر للخم كان خطأ في اللفظ، فنقش شابور الأول سبقه بنحو ثلاثين سنة. والتصحيح في صالح الحجة، لأنه يدفع شهادة لخم في الحجر إلى الوراء أبعد. فالعبرة بما يقوله المصدر، وقد قال هنا أكثر مما كنا نقول.

المقارنات التي لم تثبت

في اختبار المعارك وجدت أُحد مانحها في كالينيكوم سنة ٥٣١، ووجدت بئر معونة مانحها في نجران سنة ٥٢٣، ووجد حكم قريظة مانحه في قمع ثورة السامريين سنة ٥٢٩. ولكل مزاوجة منها درجتها وقرينتها الخاصة، وهي من الحساب الذي أظهر أن الآلية تركيب لا نقل.

أما بدر فلم يعط الاختبار لها قريناً مؤرخاً مقنعاً في النافذة كلها. سقطت مرشحاتها الثلاث بالحجز المزدوج وقلب القطبية في طريقة المقارنة، وبقيت لها صور: إغارة الفِجار على القافلة، وقول النصر في ذي قار، وقالب روت الفيل. والنضير بقيت مفتوحة بلا مرشحة. وهذه نتيجة مسجلة في متن الشبكة، والسلب الصريح نتيجة لا ثغرة: المنهج الذي يجد توأماً لكل حدث منهج لا يجد شيئاً. وما بقي دون مانح صريح ينتظر قرينه في مخزون المشاهد نفسه.

تجربة كمال الصليبي

من أنفع ما يُقرأ في هذا الباب سيرة عالم جاد سبق إلى حركة شبيهة فسقط بها. حصل كمال الصليبي (١٩٢٩–٢٠١١) على الدكتوراه من مدرسة الدراسات الشرقية بلندن تحت إشراف برنارد لويس، ودرّس التاريخ في الجامعة الأمريكية ببيروت، وأسهم في تأسيس المعهد الملكي للدراسات الدينية. ونقل في «التوراة جاءت من جزيرة العرب» وما تلاه جغرافيا التوراة إلى عسير والسروات.

ويذكره الكتاب لسببين ويرده لثالث. فهو أشهر أطروحة أكاديمية منشورة في نقل الجغرافيا، وسابقة جزئية لحركة فك الدمج التي يصنعها هذا الكتاب حين يجعل شخصية قياسية واحدة أكثر من شخص أقدم. أما وجهته فغير وجهة الكتاب: نقله يجري جنوباً إلى الجزيرة، ونقل الكتاب يجري شمالاً إلى العراق، وبين عسير والحيرة نحو ألف كيلومتر ودائرتان حضاريتان مختلفتان، فهو خصم لا نصير. وقد أبقى الصليبي التسلسل الزمني التوراتي، فقراءة عيسى في العصر المحوري ليست منه، ولا يُستشهد به عليها.

وأهم ما فيه سبب سقوطه. منهجه مطابقة أسماء المواضع على الهيكل الساكن غير المشكول، فرده بيستون وبارفيت ورابينوفيتش لأنه بلا ضابط: متى طرحت الحركات وأبيح تبادل الصوامت على الهوى، استطاع قارئ مصمم أن ينقل أي شيء إلى أي مكان، وما يثبت كل شيء لا يثبت شيئاً. ولأجل هذا الاعتراض بعينه قامت في هذا الكتاب قاعدة انتظام التقابل الصوتي، بضوابط مستقلة عن التشابه الذي يراد تفسيره. فالصليبي برهان قائم على ما يصيب عالماً جاداً حين لا يمسك ذلك الخط، والكتاب يمسكه.

سبيوس وتعليم يعقوب

كان سبيوس يُقرأ في هذا العمل شاهداً على أن العرب جماعة موحدة قديمة الهوية. ويؤرخه جيمس هاورد-جونستون، الذي حقق نصه وصاحب الدراسة القياسية في مصادر القرن السابع غير الإسلامية، في حدود ثلاثين سنة من وفاة النبي، ويرى أنه يصف حركة حديثة. فسحبنا منه وصف الجماعة بأنها قديمة في هويتها، وبقي سبيوس شاهداً أرمنياً قريب العهد بالأحداث في ملف الشهود الخارجيين.

وفي «تعليم يعقوب» يميز هاورد-جونستون جنس النص، وهو إقناع موجه إلى اليهود، من التقرير عن الحركة، ويجعل الإطار المسيحاني فهم الكاتب المسيحي لما بلغه. فالنص شاهد على فهم مسيحي سنة ٦٣٤ للخبر، وبهذا يبقى وتداً مبكراً ثابتاً في حجة التأريخ، يُظهر الحركة أول ظهورها لجيرانها حركة توحيدية نبوية مسيحانية على الثغر الشمالي.

عزير وقريش وأبرهة

يقرأ الكتاب عزيراً صيغة لعزرا، ويمد السلسلة إلى لعازر فأوزيريس فالشعرى. ولهذا التعيين قراءة منافسة قدمها هيثم سِدكي وهولغِر زِلِنتين: عزير التوبة ٣٠ هو الحاخام إليعزر بن هركانوس، حكيم المشناة عند خراب الهيكل الثاني. ويستدلان بقرب الاسم، وبتبجيل إليعزر بلغة البنوة، وبصفته مشرعاً في تلمود أورشليم ومدراش تنحوما.

وقوة قراءتهما أنها تجيب عن إشكال معروف: لا يُعرف قوم من اليهود جعلوا عزرا ابن الله. وإذا صحت تغيرت الحلقة الأولى من السلسلة، وصعب حمل أوزيريس والشعرى، وهما في درجة التخمين أصلاً. والقراءة المنافسة تعيين لا نقض لإطار الكتاب: حكيم رباني يُبجَّل بلغة البنوة شاهد على أن جدل القرآن يخاطب بيئة بعينها يمكن تعيينها، وهذا ما يقوله الكتاب في كل موضع. ومنهجهما، قراءة اسم قرآني بإزاء شخصية مسماة في مدونة مؤرخة، هو منهج الكتاب بنتيجة أخرى.

وقريش اسم وظيفة قبل أن يكون نسباً، ويقف بجانبه قُدْش العبري، المقدس المفروز، قراءة على معنى الحرم. والبحث الذي أجري في الدراسات المنشورة لأعلام الصفوية والنبطية والدادانية لم يخرج شاهداً نقشياً صالحاً، وكان بحثاً في المصادر الثانوية، والفيصل في المدونات نفسها؛ فالقراءة في درجة ما ينتظر اختباره. ومقابلة قُدْش بخاصة تحتاج إبدال الراء بالدال، وهو إبدال خارج جدول الكتاب، فهي قرينة معنى.

والاشتقاقات التراثية كلها، التقرش أي التجمع بعد تفرق، ودابة البحر، والجد الأعلى، داخل التراث العربي. وفي الرواية المتداولة لهذا الاشتقاق جملة لا مصلحة لها في قولها: إن التسمية القبلية العربية قبل الإسلام كثيراً ما جرت على ألفاظ وصفية مأخوذة من سلوك اجتماعي أو معلم بيئي، لا على نسب صارم. فالمبدأ الذي يقوم عليه فصل الأسماء مسلم من حيث لا يحتسب، وفي أشد الأسماء العربية تعلقاً بالنسب، والمثال الخاص رهن اختباره.

ونقش أبرهة على معد سنة ٥٥٢ يُستعمل ثلاث مرات: لعام الفيل، ووجهاً ثانياً لتبوك، ووجهاً ثالثاً لحنين والطائف، ورُفض استعمال رابع في الفحص التالي. والقاعدة هنا واضحة: المانح المستعمل مرة دليل، والمستعمل ثلاثاً مخزون حكاية. فالتكرار شاهد على مخزون واحد تقوم عليه فرضية التركيب، وكل وجه يقوم بعد ذلك بصلته الخاصة بالخبر المقابل: الفيل هو الحملة نفسها، وتبوك قرينة بنيوية على عناصر النقش، ووجه حنين في درجة التخمين لأنه الوجه الثالث، لا لشيء في مضمونه.

القرابة اللغوية وقراءة منصور

دخلت فصل الأسماء مادة «التراث المأثور» لمحمد مصطفى منصور، مئتان وسبعة وأربعون إصحاحاً من العهد القديم مقروءة بثمانية وعشرين حرفاً. ولهذه المادة ثلاثة خصوم قائمون في البحث، يسميهم الكتاب هنا بأسمائهم، فالقراءة التي تسمي أقوى خصومها تقف أثبت. أولهم وأثقلهم على المشروع كله الفرضية الصفرية: العبرية والآرامية والعربية من أسرة واحدة، تشترك في نظام الجذر ومخزون المفردات ومقابلات صوتية مطردة استقرت في العلم منذ القرن التاسع عشر. فمن المتوقع أن يسترد معجم مقارن صلة بابل وبلبل، ويعقوب والعقب، وإسماعيل والسماع.

ويقول هذا الخصم إن نجاحات اختبار العلة، بابل وبلبل ويعقوب والعقب وإسماعيل والسماع، هي أزواج الأقارب التي يتنبأ بها المقارن قبل أن يفتح المتن، وإن رقم الثبات يقيس التزام القارئ بجدوله. ويقع اعتراضه الأوسع على الاتجاه: القرابة لا تجعل لساناً بعينه أصلاً اختزلت منه الألسنة الأخرى. والقسمة التي يأخذ بها الكتاب واضحة: كل قراءة مدارها مفردة أو جذر مشترك تُنسب إلى العلم المقارن، وما يزيد عليه يقوم بنتيجة مستقلة.

وحيث يضعف الاعتراض تقع مادة الكتاب: العَلَم يُنقل ولا يُورث. القرابة اللغوية تفسر تشابه لفظ الجنوب في العبرية والعربية، ولا تفسر لماذا تقرأ نسبة قبيلة اسم حزب قامت عليه حروب بعد ألف سنة. فالأعلام ونسب القبائل مادة أخص من المفردة الموروثة، وهي الفضلة الاسمية التي يقوم عليها النقاش، وفي قلبها ثلاث مسائل: خطوة الانتقال من نسبة إلى حزب لاحق، وعيسو قيساً، وصيغة كليب بن جفنة. وثمن الدخول من الآن واضح: تحمل القراءة حين تفعل ما لا يفعله الجهاز المقارن وحده.

النسب والحزب

الخصم الثاني اتجاه قوي في بحث الأنساب: تنظيم العرب في فرعين، عدناني شمالي وقحطاني جنوبي، عمل من القرنين الأولين للإسلام، وكتب القرنين الثاني والثالث تنظم الأنساب بحسب حاجات العصر، والقسمة إلى شمال وجنوب تؤدي عمل العصر الأموي السياسي بالضبط. وقرأ غولدتسيهر صراع قيس واليمن محركاً أنتج النسب، لا نتيجة لنسب ثابت من قبل. والنقوش السابقة للإسلام تعطي آلاف الأسماء، ولا تقدم شجرة جامعة للعرب من جدين.

وعلى هذا الرأي يكون التعرف إلى الحزب الأموي في التكوين إسقاطاً للخصومة اللاحقة على النص القديم: جد متأخر يُقرأ في نص قديم لأنه معروف سلفاً. ويقابله ثلاثة أمور: التنظيم المتأخر لا يثبت الاختراع المتأخر، والأجداد كثيراً ما تكون أقدم من المنظومات التي ترتبها؛ ولقحطان صلة محتملة بيقطان في التكوين ١٠:٢٥ لم يكن التقليد محتاجاً إلى اختراعها؛ ومعنى الجهة في اليمن، اليمين والجنوب، موروث لغوي سامي مشترك.

وقد صدق هذا الاعتراض في موضع واحد، وأخذ به الكتاب بالعد. فحين فكك متن منصور إلى سجلاته الثلاثة وعد كل سجل وحده ظهر التوزيع: ءدوم اثنتان وأربعون مرة في الرسم، وعَدّان إحدى وأربعون في القراءة، وعدنان إحدى وأربعون في التفسير، والنسبتان خمس وخمس على النحو نفسه. فالجد المتأخر أتى به الشرح في السجل الذي يفسر، وطبقة القراءة تحمل عَدّان. أما قيس فبقيت إحدى وثمانين مرة في طبقتها، ثابتة في جرد الاطراد، ويختبر اقتراحها بشروطها الخاصة.

فجذر ي-م-ن حاملاً مكاناً وجهة وقوماً سليم لا يمسه الاعتراض، وخطوة النسبة إلى حزب الخلافة قراءة من درجة التخمين. والفيصل فيها نقشي: ورود ع-د-د-ن أو ع-د-ن-ن أو ق-ي-س اسماً في المدونات الجاهلية المنشورة، وهو بحث محدد ينتظر من يجريه. وقد صار الشكلان بعد التصحيح يجذبان في جهتين متقابلتين: ع-د-ن-ن في نقش جاهلي يقوي النسابين، وع-د-د-ن يقوي القراءة.

المندائيون وطريق الهجرة

الخصم الثالث في طريق المندائيين. تعطي رواية الموجتين طريقاً يفسر كيف صارت جماعة معمودية قائمة في جنوب الرافدين، في جوار الحيرة، ويقابلها تفسير علمي قوي يجعلهم مشرقيين منذ البدء: لسانهم آرامي شرقي، ولم تثبت فيه طبقة فلسطينية، وطهرهم المائي يُفهم من بيئة الأنهار. وعلى هذا التفسير تكون «حران جوايتا» قصة أصل تمنح الجماعة مدينة مقدسة وخبر اضطهاد وخروج. حاجّ ماكوخ بهذا الاتجاه مقابل ليدزبارسكي ودراور، والخلاف بينهم قائم.

وطريق الموجتين يوافق حجة الممر التي يبنيها الكتاب، وهو الشطر الذي يحمل هذا الاعتراض باسمه. وما لا يعتمد على الهجرة ثابت لا يمسه الاعتراض: وجود المندائيين في جنوب العراق، وجوارهم بالحيرة في العصر الذي يدرسه الكتاب، وعليه تقوم مقارنة الوضوء بالرشامة أياً كان أصلهم. وأحوج الأشطر إلى الأصل الغربي تأريخ الهجرة الأولى بالأخمينيين، والفيصل لغوي: هل تحمل المندائية طبقة آرامية فلسطينية تحت صورتها الشرقية. وبعد أن يأخذ كل من العلم المقارن وغولدتسيهر وماكوخ ما له، يبقى ما يحاج عليه الكتاب معروف الحدود: خطوة النسبة إلى الحزب، والفضلة الاسمية التي بسطها فصل الأسماء. ومعرفة حدود الحجة من قوتها.

ما يغير النتيجة

تقف القراءة على ثلاثة أعمدة، لكل منها شاهد يختبره: مركز الثقل الشمالي يختبره ما قد يظهر من شواهد معاصرة قوية على مركزية حجازية مبكرة، وصلة معجم العبادة بالبيئة السريانية يختبرها مسار كل لفظ، واستمرار المؤسسات يختبره ما يسجله الأرشيف من صلة أو انقطاع بين ما قبل الإسلام وما بعده. وكل مقارنة مفردة تقف على قراءة مصدرها وقرينها. فالقراءة مفتوحة للاختبار في أعمدتها كلها، وهذا ما يجعلها بحثاً لا عقيدة.

وروح القراءة كلها التفسير بالآلية لا بالنفي. فالنشأة الإسلامية امتداد وتحول في عالم عربي سرياني عراقي شامي أوسع، والسردية في كل ما مر تكرم العالم القديم وتنقله وتعيد ترتيب أدواره. وفي البناء خبر قوي، واستنتاج محتمل، وتخمين معلن، وكلها في بنية واحدة تُختبر وتتسع. وللقصة جذور أعرق مما ظُن، وهذا عمقها. وبهذا الميزان يعود الكتاب في خاتمته إلى الحيرة، وإلى الحجر في البادية.

الفصل الخامس والعشرون

خاتمة: العالَم الذي سبق

بقي على حجر النمارة خمسة أسطر تذكر امرأ القيس بن عمرو ولقب «ملكِ العربِ كلِّهم» وسنة ٣٢٨. ومن هذا الشاهد امتدت الحكاية إلى الحيرة وملكها وكتبتها، ثم إلى الشام واليمن والحرب الكبرى، ومنها إلى الكوفة وكربلاء والقدس ودمشق وبغداد. كان الحجر في أول الكتاب شاهداً يفتح الزمن، وصار في آخره أول حلقة في سلسلة واحدة متصلة: أرضها واحدة، ولسانها واحد، وذاكرتها متصلة. وراء كل محطة مدن ورجال وأعمال عرفها العرب قبل الدولة الإسلامية، واستمرت فيها بعد قيامها.

الميراث

كان العالم الذي سبق الإسلام عربياً مسيحياً موحداً، قائماً قبله بقرون، له ملوك وكنائس وأديرة وسجلات وشعر، ولسان مقدس وكتبة وذاكرة عميقة، وصلات بالروم وفارس والحبشة. قطباه تاجان عربيان: لخمي في الحيرة يخدم فارس، وغساني في الجابية يخدم الروم. وكان لأهل الحيرة لسان واحد بمستويين، عربية السوق وسريانية العبادة، وحفظت كنائسهم معجم العبادة الذي بلغ في القرآن صورته العليا. وعرفت بلاد الشام كتبة وكنائس وقبائل تدور في المجال الغساني. ثم عمل رجال من تلك المجتمعات في الدواوين والطب والترجمة، ودخلت أسرها في الأحلاف والمصاهرة.

وعلى هذا التاريخ تقوم بدايات الإسلام: متصلة بعالم عربي موحد، والقرآن أحدث صور اللسان الواحد وأعلاها، والدولتان الأموية والعباسية استمرار لمجالين قديمين، غربي وشرقي. وانتقل ذلك العالم إلى القصة الجديدة بإعادة روايته: حملت الذاكرة ملوكه وأخباره إلى أدوار جديدة شريفة، وأعادت ترتيب أزمنتها ومواضعها. فأعيد تشكيل حروبه على المحور نفسه، العراق في وجه الشام، وصارت أرضه مسرح الأحداث المؤسسة في الكوفة وكربلاء والنجف، وارتفعت كلماته التعبدية إلى تمامها، وعبرت كنيسته وكتبته ودواوينه وأطباؤه ومترجموه إلى دمشق وبغداد. وعاد تاجاه القديمان دولتين، أموية في الغرب وعباسية في الشرق، وعاد صراعهما القديم صراعاً جديداً.

هذا معنى «العالم الذي سبق»: تاريخ مأهول وراء البدايات، يُتتبع في شاهد مادي وخبر كاتب. ففي الموضع الذي تضع فيه الصورة المألوفة فراغاً وجاهلية صرفة قام عالم عربي مسيحي موحد غني، له ملك ولسان وكنيسة وذاكرة. والإسلام المبكر هو الحلقة التي تلت ذلك العالم ورفعته، تتويج لتاريخ طويل من التوحيد العربي في هذه الأرض، وبهذا يظهر عمقه ورسوخه. ولكل خيط وزنه: المؤسسات والرجال في درجة القوة، ومقارنات الأخبار قرائن بدرجاتها، وعيسى القرآني عند الطرف المحوري البعيد من الفترة أجرأ الخيوط، في درجة التخمين المعلن.

ما يحتاج إلى بحث

هذا مشروع بحث مفتوح، وأمامه أبواب للتعميق: توسيع الخط الزمني ودراسته، وتتبع طريق النقل في كل مقارنة بين واقعتين، وإفراد كل مصطلح سرياني بدراسة مستقلة لتاريخه، وفحص اتجاهات المساجد وتأريخ المخطوطات وحدود الجغرافيا فحصاً أدق، وهي مسائل تتقابل فيها قراءات الباحثين. والوثائق المبكرة التي تسمي الحركة باسم محمد في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن السابع ترسم الحد الأدنى الذي تعمل الإزاحة فيما قبله، ومراجعة المصادر صححت دعاوى في تاريخ التعليم والعقيدة والأسماء، فقامت كل صلة على شاهدها.

والكتاب مدخل سردي إلى شبكة معرفة حية تنمو، فيها كل عقدة ذكرها، موصولة بغيرها بوصلات مدرجة الثقة مذكورة المصدر. تتيح الشبكة الرجوع إلى كل صلة ومصدرها ودرجتها، وتظهر الخرائط والأطلس توزيعها على الأرض والزمن، فمن أراد أن يتجاوز السرد إلى التفصيل، أو يتتبع وصلة إلى مصدرها، أو يزن درجتها، وجد الشبكة مفتوحة أمامه. وكل عقدة جديدة تضيف خيطاً أو تعدل قراءة.

عند الحيرة تلتقي خيوط الكتاب. ففي كل محطة من الطريق كانت الشواهد المتفرقة، حين تتبع إلى منابعها، تنتهي إلى موضع واحد: الجغرافيا واللسان والكوادر والمؤسسات والأحداث المؤسسة كلها تشير إليها. وهي مدينة عربية عند الفرات، لها ملك وكنيسة وشعر وكتابة، وقربها قامت الكوفة، وفي إقليمها بقيت المشاهد والتقاليد. ومن تاريخها تتضح صلات كانت أبعد عن النظر حين حُصرت البدايات في الحجاز. فالحيرة، معسكر العرب على الفرات، هي الموضع الذي تقرأ منه البداية، ومنها يظهر عالم أوسع وأعمق مما ظُن: العالم العربي المسيحي الموحد الذي سبق.

تمّ الكتاب.

ملاحق

الملاحق

ملحق

النصوصُ بين يديك: مصادرُ الكتابِ الأولى

تجمع هذه النصوص سبعة شواهد استند إليها الكتاب: نقشاً عربياً بخط نبطي، ونقشاً سبئياً، وأخباراً يونانية وسريانية، وشريطاً عربياً في القدس، وشذرة آرامية من قمران. الألفاظ المنقولة هنا تعريب أو تقريب، وليست طبعات نقدية؛ وترافقها مراجع تتيح مقابلة المعنى بأصل الشاهد.


١. حجرُ النَّمارة (٣٢٨م)

شاهدةُ قبرِ امرئِ القيسِ بنِ عمرٍو، محفوظةٌ في اللوفر، مكتوبةٌ بالخطِّ النبطيِّ بلسانٍ عربيّ. وقراءتُها محلُّ اجتهادٍ بين الباحثين، وهذا تقريبٌ لمعناها على القراءاتِ المشهورة:

«هذا قبرُ امرئِ القيسِ بنِ عمرٍو، ملكِ العربِ كلِّهم، الذي عَقد التاجَ، ومَلَك القبائلَ، وساس مَعَدّاً، وبلغ في غزوِه أطرافَ نجران، فلم يَبلغ مَلِكٌ مَبلغَه. هلك سنةَ ٢٢٣ [لتقويمِ بُصرى، أي ٣٢٨م]، في اليومِ السابعِ من كَسلول. فيا سعادةَ من والاه.»

(يُراجَع في طبعةِ النقوشِ الساميّة، وفي قراءةِ جيمس بِلامي ١٩٨٥. ويُناقَش في الفصلِ الثاني.)


٢. نقشُ CIH 541 (نحو ٥٤٨م)

نقشٌ سبئيٌّ على سدِّ مأربَ في اليمن، يُخلّد ترميمَ أبرهةَ للسدّ، ويَذكر الوفودَ التي حَضرت. وهذا تعريبٌ للقسمِ الذي يَهمّنا:

«...وفي ذلك الزمنِ وَفدت عليه وفودُ مَلِكِ الحبشةِ النَّجاشيّ، ومَلِكِ الروم، ومَلِكِ الفُرس، والمنذرِ مَلِكِ الحيرة، والحارثِ بنِ جبلةَ مَلِكِ غسّان، فاجتمعت عندَه رسلُ القوى كلِّها عند تمامِ السدّ.»

(يُراجَع في طبعةِ ڤالتر مولر للنقش ١٩٧٤. ويُناقَش في الفصلين الخامسِ والسادس.)


٣. تعليمُ يعقوبَ المعمَّدِ حديثاً (نحو ٦٣٤م)

حِوارٌ يونانيٌّ يهوديٌّ-مسيحيٌّ كُتب نحوَ ٦٣٤، يَرد فيه أقدمُ خبرٍ خارجيٍّ مؤرَّخٍ عن نبيٍّ عند العرب. وهذا تعريبٌ للموضع:

«وكتب إليّ أخي أبراميس أنّه قد ظهر نبيٌّ مع العرب (الساراكينوس)... فلمّا سمعتُ هذا قلتُ لشيخٍ من العارفين بالكتب: ما تقول في النبيِّ الذي ظهر مع العرب؟ فقال متنهّداً: إنّه مُضلٌّ، وهل يأتي الأنبياءُ بالسيفِ والمركبة؟ ... على أنّ هذا الذي ظهر يُبشّر بمجيءِ الممسوحِ المنتظَر.»

(يُراجَع في طبعةِ ديروش، وفي جمعِ روبرت هويلاند للمصادرِ الخارجيّة. ويُناقَش في الفصلِ العاشر.)


٤. نقشُ قبّةِ الصخرة (٧٢هـ/٦٩١م)

شريط عربي في مثمن القبة الداخلي، من أقدم الشواهد الضخمة المؤرخة على المعجم القرآني. وهذه مقاطع من ألفاظه:

«محمّدٌ عبدُ اللهِ ورسولُه... يا أهلَ الكتابِ لا تَغلوا في دينِكم ولا تَقولوا على اللهِ إلّا الحقّ، إنّما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ رسولُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه... فآمِنوا باللهِ ورسلِه ولا تَقولوا ثلاثة... سبحانَه أن يكون له ولد.»

(نصٌّ منقوشٌ موثَّق، حقّقه كريستِل كِسلر ودَرسه أوليغ غرابار. ويُناقَش في الفصلِ السابعَ عشر.)


٥. من أعمالِ مجمعِ ساليق-قطيسفون (٤١٠م)

من «المجمَع المشرقيّ»، سجلِّ مجامعِ كنيسةِ المشرق. وهذا تعريبٌ لروحِ ما أقرّه مجمعُ ٤١٠ من تنظيمٍ:

«اجتمع آباءُ الكنائسِ في مدينةِ ساليق-قطيسفونَ في عهدِ المَلِكِ يزدجرد، فأقرّوا إيمانَ آباءِ نِيقيةَ الثلاثمئةِ والثمانيةَ عشر، وجَعلوا جاثليقَ ساليق-قطيسفونَ رأساً على أساقفةِ المشرقِ كلِّهم، ورَتّبوا الكراسيَّ والمتروبوليتيّات، وفيها كرسيُّ الحيرةِ وكراسي العربِ على البحر.»

(يُراجَع في طبعةِ شابو للمجمعِ المشرقيِّ ١٩٠٢. ويُناقَش في الفصلِ الرابع.)


٦. بروكوبيوس في المنذرِ والحارث (القرنُ السادس)

من «تاريخِ الحروب» للمؤرّخِ البيزنطيِّ بروكوبيوس، المعاصرِ للأحداث. وهذا تعريبٌ لوصفِه ملكَ الحيرة:

«وكان المنذرُ، مَلِكُ العربِ التابعِ للفُرس، رجلاً بالغَ الحَزمِ والبأس، ظلّ نحوَ خمسين سنةً يَستنزف قوّةَ الرومِ ويُنهكها، يُغير على بلادِهم من أقصى مصرَ إلى أطرافِ الشام، ويَسبي ويَقتل، فلم يَقدر الرومُ على ردِّه، حتّى أقاموا في وجهِه الحارثَ ملكَ غسّان.»

(يُراجَع في «تاريخِ الحروب»، الكتابِ الأوّل. ويُناقَش في الفصلين الخامسِ والسابع.)


٧. صلاةُ نبونيد (4Q242، من قُمران)

شَذرةٌ آراميّةٌ من مخطوطاتِ البحرِ الميّت، تَحفظ صلاةً منسوبةً إلى نبونيد، آخرِ ملوكِ بابلَ الكبار، الذي أقام بتيماءَ في شمالِ الجزيرة. وهذا تعريبٌ لما بقي منها:

«كلماتُ الصلاةِ التي صلّاها نبونيدُ ملكُ بابلَ، الملكُ العظيم، حين أصابَه قُرحٌ خبيثٌ بقضاءِ اللهِ العليِّ في مدينةِ تيماء. سبعَ سنينَ بقيتُ مُصاباً... ثمّ صَفح اللهُ عن خطيئتي، وجاءني عَرّافٌ، وهو رجلٌ يهوديٌّ من المسبيّين، فقال: نادِ واكتُبْ لتُعطى المجدُ والعظمةُ لاسمِ اللهِ العليّ.»

(يُراجَع في طبعاتِ مخطوطاتِ قُمران، ترجمةِ García Martínez. ويُناقَش عند الطرفِ المحوريِّ العميقِ من الفترة، في فصلِ الإزاحةِ الزمنيّةِ وملحقِ القرابة. والشاهدُ يُؤطّر عالمَ نبونيدَ التوحيديَّ في شمالِ الجزيرة؛ وتموضعُ عيسى القرآنيِّ في هذا الأفقِ تخمينٌ مُعلَن.)


تثبت هذه الشواهد أخباراً مختلفة عن الملك العربي والكنيسة وحرب التاجين، وعن تلقي خبر الحركة الجديدة وعن لغة الدولة، وتحفظ قمران رواية عن نبونيد. ويتحدد وزن المقارنة بمضمون كل نص وزمنه وغرضه، ثم بما يستنتجه الكتاب من الصلات بينها.

ملحق

خطٌّ زمنيّ: من حجرِ النَّمارة إلى بيتِ الحكمة

يجمع الجدول تواريخ الأحداث المذكورة في الكتاب، من عصر نبونيد إلى بغداد وحركة الترجمة. التواريخ ميلادية إلا حيث يذكر غير ذلك، وبعضها تقريبي. ويختلف تاريخ الحدث المثبت عن الفرضية التي تقارن به حدثاً آخر؛ فوضع عيسى في الطرف المحوري قراءة تخمينية للمؤلف، كما بين فصل تيماء.

السنةالحدث
نحو ٥٥٠ ق.مالطرفُ العميقُ للفترة: نبونيد يُوحّد إلهَ القمرِ سين، ويَعتزل عَشرَ سنينَ في تيماء
القرنُ السادسُ ق.مالموجةُ المحوريّة: زرادشت وبوذا ولاوتزو، وعندها يَضع الكتابُ عيسى القرآنيّ (تخمينٌ مُعلَن)
٣٢٨حجرُ النَّمارة: امرؤُ القيسِ بنُ عمرٍو «ملكُ العربِ كلِّهم»
نحو ٣٠٠–٦٠٢مملكةُ الحيرةِ اللخميّةُ (المناذرة)، تاجُ فارسَ العربيّ
٤١٠مجمعُ ساليق-قطيسفون: تنظيمُ كنيسةِ المشرقِ تحتَ الجاثليق
٤٢٤كنيسةُ المشرقِ تَستقلّ عن الغربِ (مجمعُ داديشوع)
٥١٢نقشُ زَبَدٍ الثلاثيُّ اللغة (يوناني-سرياني-عربي)
٥٢٣مذبحةُ نجران (ذو نُواسٍ الحِمْيَريّ)، أصحابُ الأخدود
نحو ٥٢٥التدخُّلُ الحبشيُّ في اليمنِ (كاليب/النجاشيّ)
٥٢٨نقشُ جبلِ أُسَيس، يَذكر «الحارثَ الملكَ» الغسّانيّ
نحو ٥٤٧–٥٤٨نقشُ CIH 541: ترميمُ سدِّ مأرب، ووفودُ القوى الخمس
نحو ٥٥٢حملةُ أبرهةَ الشماليّة (المرشَّحةُ لعامِ الفيلِ في قراءةِ هذا الكتاب)
٥٥٤يومُ حَليمة / قِنَّسرين: الحارثُ الغسّانيُّ يَقتل المنذرَ الثالثَ اللخميّ
٥٦٨نقشُ حَرّانَ (يوناني-عربي)
نحو ٥٦٨–٦٤٥المدى الكربونيُّ لرِقاقِ برمنغهام القرآنيّة
نحو ٥٧٠عامُ الفيلِ ومولدُ النبيِّ في التأريخِ التقليديّ (إزاحةٌ نحوَ ١٨ سنة)
نحو ٥٨٠–٦٠٢حُكمُ النعمانِ الثالث، آخرِ ملوكِ الحيرة
٦٠٢سقوطُ لخم: مقتلُ النعمانِ الثالثِ على يدِ كسرى الثاني
نحو ٦٠٩يومُ ذي قار: أوّلُ انتصارٍ عربيٍّ كبيرٍ على فارس
٦٠٢–٦٢٨الحربُ العظمى بين فارسَ والروم
٦١٤الفُرسُ يَفتحون القدسَ ويَأخذون الصليب
٦٢٨نهاية الحرب وسقوط كسرى؛ وأعيد الصليب إلى القدس نحو ٦٣٠
نحو ٦٣٤«تعليمُ يعقوب»: أقدمُ شاهدٍ خارجيٍّ على نبيٍّ عند العرب
نحو ٦٥٠جمعُ المصحفِ في صورتِه العثمانيّةِ (التأريخُ التقليديّ)
نحو منتصف القرن ٧طِرْسُ صنعاءَ القرآنيّ (نصٌّ أسفلُ غيرُ قياسيّ)
٦٥٦وقعةُ الجَمَل (أوّلُ الفتنةِ الأولى)
٦٥٧وقعةُ صِفِّين (عليٌّ ومعاوية)
٦٦١قيامُ الدولةِ الأمويّةِ، عاصمتُها دمشق
٦٨٠كربلاء: مقتلُ الحسينِ في العاشرِ من مُحرَّم
٦٨٤مرجُ راهط: كلبٌ تُثبّت المُلكَ المروانيّ
٦٩١قبة الصخرة: من أقدم الأبنية الضخمة المؤرخة بالمعجم القرآني
نحو ٦٩٦إصلاحُ السَّكّة: الدينارُ العربيُّ الكتابيُّ الخالص
٧٥٠الدعوةُ العبّاسيّةُ تُسقط الأمويّين
٧٦٢تأسيسُ بغدادَ قربَ المدائنِ الساسانيّة
نحو ٧٨٠–٨٢٣الجاثليقُ طيمثاوسُ الأوّلُ ببغداد
نحو ٧٥٠–٩٠٠حركةُ الترجمةِ وبيتُ الحكمة

ملحق

معيارُ القرابةِ اللغويّة: الذهبيُّ والمُتجاوِز

كل ربط لغوي في هذا الكتاب بين العربية وأخواتها يقوم على معيار واحد، يجمعه هذا الملحق في مكان واحد ليوزن به كل ربط. تقوم القرابة الحقيقية على جذر موروث واحد يحمل صورة معنوية واحدة، وتبلغ الدرجة القوية بشاهد على تاريخ الاستعمال، وما دون ذلك شبه ينير الطريق. ويعمل الملحق المعيار في مثالين حتى آخرهما، ج-ز-ر وه-و-د، ثم يسمي القراءات التي ينفرد بها المشروع، كلاً بدرجتها.

ج-ز-ر وصورة القطع

القاعدة الذهبية أن يجتمع شرطان معاً: جذر سامي واحد موروث، وصورة معنوية واحدة يحملها هذا الجذر في أكثر من لهجة من لهجات اللسان الواحد. ومثالها جذر ج-ز-ر، القطع والفصل. في اللاويين ١٦:٢٢ يساق كبش عزازيل إلى «أرضِ الجَزَرة»، أرض مقطوعة نائية، وفي حزقيال ٣٧:١١ يقول المسبيون «نِجزَرنا»، أي «قُطِعنا». وفي العربية جزر للقطع والذبح، والجزر انحسار الماء، والجزيرة أرض فصلها الماء. جذر واحد وصورة واحدة في العبرية والعربية.

ويرتفع هذا المثال فوق المقارنة المجردة بشاهد ثالث. فالجزيرة اسم أعالي الرافدين، بلد حران، ولها صيغة سريانية مثبتة هي «گازَرتا / گوزَرتو» في الإقليم نفسه. فالصلة سلسلة زمنية حقيقية من الآرامية إلى العربية تمر بقلب الأرض، وهذا معنى «لسان واحد بلهجات»: قرابة معروضة بالشاهد. وحين تجتمع القرابة والمعنى والشاهد على تاريخ الاستعمال تكون الدرجة قوية، وعليها يقاس سائر الكتاب.

ه-و-د والتوبة

المثال الثاني يرسم الحد بين القوي والرنين الذي ينير. جذر ه-و-د عربي أصيل معناه الرجوع والتوبة. يفسر الطبري «هُدْنا إليك» (الأعراف ١٥٦) بـ«تُبنا إليك»، و«الذين هادوا» (البقرة ٦٢) بـ«تابوا»، وينقل تفسير تسمية اليهود «لأنّهم قالوا إنّا هُدْنا إليك». وفي ابن منظور الهود للتوبة، ويجمع الراغب الحقل كله، الهوادة والتهويد والتوبة، في الرجوع برفق. فهذا حقل دلالي عربي داخلي قوي، له سند مسمى في التفسير والمعجم.

والأقوى منه ما يعطيه الراغب نفسه: يقابل اليهود من «هُدْنا إليك» بالنصارى من «أنصاري إلى الله»، فهما اسما مدح تجمدا من عهد لفظي باستجابة صالحة إلى اسم ثابت للجماعة. مرجع كلاسيكي مسمى يشهد لآلية التكريم والنقل من داخل التفسير العربي نفسه.

وعند هذا الحد يقف القوي ويبدأ الرنين. قراءة الاسم القائم «اليهود» نفسه فعلاً مضارعاً حياً، قوماً يرجعون أبداً ولا يصلون، قراءة بلاغية: اللفظ يعمل في العربية عمل الأسماء، ويدخله التعريف، وهو مصروف يأخذ الكسرة في الجر، فحجتها في البلاغة لا في الصرف. ويهوذا العبري من جذر آخر هو ي-د-ه، الحمد، فالأرجح أن «هادوا» تورية عربية بديعة على اسم نسبي، جناس بين جذرين. فمكان التورية التأمل الذي يضيء الاسم، والحكم يبنى على الجذر والصورة والشاهد.

القرابة وطريق النص

تقوم قراءة القرابة على شواهد الجذر والمعنى والتقابل الصوتي، فتثبت أن اللفظين ابنا أصل واحد يحمل صورة واحدة. وتقوم قراءة النقل من نص بعينه على طريق نقل موثق وأدلة على الصلة بين النصين. فجذر ج-ز-ر يثبت القرابة بين العبرية والعربية، والتبعية النصية بين القرآن واللاويين أو المشناة دعوى أخرى شرطها طريق النقل.

ويقرأ هذا الكتاب المشترك ميراثاً من لسان واحد وعالم واحد، يظهر في الصورتين. وحركة الصيغة الواحدة توثق حيث يوجد مسارها، كما في «گازَرتا» واسم الجزيرة، فتجتمع القرابة والطريق. وحيث يغيب المسار تقف الدعوى عند القرابة، وهي دعوى قائمة بشواهدها.

المقترحات الخاصة بالمشروع

للمشروع قراءات ينفرد بها، يسميها هذا الملحق بدرجتها. أجرؤها مطابقة عيسى القرآني بنبونيد. إقامة نبونيد في تيماء وصلته بحران وعبادة القمر موثقة توثيقاً قوياً، ونقش الحائط المنشور سنة ٢٠٢١ من أمتن شواهدها. والانتقال منها إلى جعل الملك عيسى قراءة خاصة بالمشروع، خيط من درجة التخمين المعلن يضيء الطريق.

والثانية عكس اتجاه السبي: الجزيرة منشأ خط النبوة كله، بعد أن كانت في القراءة المعتادة موضعاً مر به. والواحات فضاء يهودي توحيدي متصل، وهذا موثق توثيقاً قوياً، وجعلها منشأ القصة كلها قراءة المشروع نفسه. والثالثة قراءة «اليهود» اسماً فعلاً حياً، كما مر، وهي بلاغة في اللفظ. هذه الثلاث معلنة بدرجتها: خيوط من المشروع توضع تحت الضوء، كل في موضعه من الميزان.

نص المصدر وحدود الاستشهاد

في بحث الجلاد والمناصير «الاسمُ الإلهيُّ ʿsy قبلَ الإسلام» سنة ٢٠٢٢، يؤرخ الشاهد الصفوي بالقرن الرابع الميلادي على صلة بوصول المسيحية إلى البادية. مكانه إذن في بحث الاسم السابق للإسلام، وهناك يخدم الحجة: الاسم حاضر في البادية قبل الإسلام. أما العصر المحوري قبل الميلاد فيقوم على شواهده الأخرى.

وتجعل «صلاة نبونيد» من قمران الشافي العلي إله اليهود، ويأتي فيها نبذ الأصنام؛ فهي شهادة على شفاء ملك بابل عبر قناة يهودية، وليست في صيغتها الباقية نصاً في توحيد سين القمري. وهي تسبق مرقس بنحو قرن ونصف، بدلاً من ثلاثة قرون في الوصف السابق. وبهذا التصحيح تقوم الشذرة على ما تحمله فعلاً: ملك بعينه، في واحة بعينها، تروى سيرته بالمرض والغفران والشفاء قبل الأناجيل.

فالمعيار درجات معلنة. حيث اجتمع جذر واحد وصورة واحدة ومسار موثق، كما في الجزيرة، فتلك قرابة قوية. وحيث شهد مرجع كلاسيكي مسمى، كما في موازنة الراغب بين اليهود والنصارى، فذلك سند متين. وحيث أنار الشبه قبل أن يكتمل شرطه، كقراءة «اليهود» فعلاً، فذلك رنين يذكر للتأمل. وحيث انفرد المشروع، كعيسى ونبونيد وعكس السبي، فتلك قراءته معلنة بدرجتها. والمصدر يؤخذ بما يقوله هو، وهذا شرط في المعيار كشرط الجذر والصورة. وبهذا الحد بين الذهبي والمتجاوز يوزن الكتاب كله.

ملحق

مصطلحاتٌ وأعلام

دليل موجز بالمصطلحات والأعلام التي تتكرر في فصول الكتاب بمعان محددة، يعود إليه القارئ متى التبس عليه اسم أو لفظ، وتفصيل كل منها وشواهده في فصله.

مصطلحات المشروع

  • الإزاحة الزمنية: زمن التشكّل الأول أقدم من التأريخ التقليدي بنحو قرن، في عالم الحيرة في القرن السادس؛ وفي طرفها البعيد عيسى القرآني في العصر المحوري، قراءة من درجة التخمين المعلن.
  • الانتقال الجغرافي: مركز الثقل الأول شمالي عراقي، في مجال الحيرة والكوفة والمدائن وكربلاء، أوسع من الحجاز وحده.
  • الأسماء ألقاباً: كثير من الأسماء المؤسِّسة صفات دينية أو سياسية قبل أن تستقر أعلاماً، ولكل اسم شواهده في فصله.
  • اللسان الواحد: السريانية والعربية مستويان من لسان واحد، وعربية القرآن أحدث صوره وأعلاها.
  • الاستمرار البنيوي: الدولة الأموية امتداد للشبكة الغسانية، والدولة العباسية امتداد للشبكة اللخمية الساسانية، في المكان والقبائل والرجال والمؤسسات.
  • انتقال الذاكرة والتكريم: تحفظ الجماعة رجال عالمها القديم وأخباره، وتمنحهم أدواراً شريفة في الرواية الجديدة، فتعيد ترتيب ما تحفظ. وهذا مبدأ التفسير بالآلية لا بالنفي.
  • درجات الثقة: قوي لما يسنده توثيق متين، ومحتمل لقراءة تجتمع لها القرائن، وتخميني لقرينة تنير الطريق، ومنافس لقراءة يقيمها باحثون آخرون على المادة نفسها.

ألفاظ العبادة والكنيسة

  • حيرتا د-طَيّايَ: «معسكرُ العرب»، الاسم السرياني للحيرة.
  • صلوتا / صوما / زكوتا / قريانا / مشلمانا: الصور السريانية لألفاظ الصلاة والصوم والزكاة والقرآن والمسلم.
  • الرشامة: طقس تطهر بالماء عند المندائيين، قرينة من درجة الاحتمال على الوضوء، في تاريخ الطهر المائي في الإقليم.
  • بَحيرى (bḥīrā): المختار أو المجاز، لقب رهباني سرياني.
  • رحمنان: اسم الرحمن في النقوش التوحيدية بحِمْيَر.
  • الجاثليق: رأس كنيسة المشرق، الكاثوليكوس.
  • كنيسة المشرق: كنيسة الإمبراطورية الفارسية، وتسمى نسطورية في مصادر كثيرة. وصيغة عقيدتها بلسان أهلها: كيانان وقنومان في پرصوپا واحد، أي شخص واحد.
  • الميافيزية: مذهب المسيح ذي الطبيعة الواحدة في الصيغة المعتمدة عند الغساسنة وكنيستهم.
  • الرسم: الهيكل الحرفي للكتابة دون ضبط كامل بالنقط والشكل.
  • القبلة: وجهة الصلاة.

الأماكن

  • الحيرة: عاصمة المناذرة على الفرات الأسفل، ومركز ثقل الكتاب بوزنها الديني والثقافي والسياسي.
  • الجابية: مركز الغساسنة في حوران.
  • المدائن، ساليق-قطيسفون: عاصمة فارس الساسانية ومركز كنيسة المشرق.
  • الكوفة: مدينة نشأت إلى جانب الحيرة، وصارت مركزاً للسياسة العلوية وللدعوة العباسية، ومعقل الثقل العراقي.
  • الرصافة، سَرجيوبوليس: مدينة القديس سرجيوس في المجال الغساني، وفيها البناء الكنسي المذكور في الكتاب.
  • البتراء: عاصمة الأنباط، يقترح غِبسون لها مكاناً في فرضية القبلة الشمالية.
  • جنديسابور: مدينة في فارس جاء منها بيت بختيشوع؛ أما صورة المدرسة والمشفى فيها قبل الإسلام فتفتقر إلى شاهد معاصر.

الأشخاص

  • امرؤ القيس بن عمرو: صاحب شاهدة النمارة سنة ٣٢٨، وتضعه الأخبار في أوائل بيت لخم، ملوك الحيرة.
  • المنذر الثالث: أعظم ملوك الحيرة في القرن السادس، وتحفظ أخبار يوم حليمة مقتله.
  • الحارث بن جبلة: أعظم ملوك غسان، وحليف الروم.
  • النعمان الثالث: آخر ملوك الحيرة، اعتنق المسيحية وانتهى حكمه بموته سنة ٦٠٢.
  • هند بنت النعمان: ابنة الملك الراهبة، وديرها قرب الكوفة جسر حمل ذكر البيت إلى العصر الجديد.
  • الحليمتان: بنت الحارث في خبر يوم حليمة، والسعدية مرضعة النبي في السيرة؛ اسم واحد عند مفصلين من القرن نفسه، قرينة من درجة الاحتمال على الأسماء ألقاباً، يجمعهما الجذر ح-ل-م، الحلم والرؤيا. والرابط اسم ووظيفة، مع اختلاف النسب والأرض.
  • أبرهة: ملك اليمن الحبشي، صاحب نقش سد مأرب وحملة الفيل، وتؤرخ نقوشه حملته الشمالية بنحو سنة ٥٥٢.
  • عدي بن زيد والنابغة: شاعران اتصلا ببلاط الحيرة؛ كان عدي كاتباً مسيحياً، وتنقل النابغة إلى بلاط غسان.
  • عبد الملك بن مروان: الخليفة الأموي الذي بنيت في عهده قبة الصخرة وتغيرت السكة.
  • ميسون بنت بحدل الكلبية: أم يزيد، وصلة مصاهرة بين بيت معاوية وكلب الشامية في المجال الغساني.
  • بيت بختيشوع وحنين بن إسحاق: أطباء ومترجمون من كنيسة المشرق خدموا العلم والبلاط العباسي.
  • طيمثاوس الأول: جاثليق كنيسة المشرق في بغداد، وصاحب خبر الترجمة للمهدي.

ملحق

مراجعُ وقراءاتٌ أبعد

تضم القائمة أبرز المصادر والقراءات التي استند إليها الكتاب أو حاورها، ليجد القارئ طريقه إلى التحقيق. ولأصحابها نتائج مختلفة، وموضع الاستشهاد في كل فصل يبين ما أخذه الكتاب من كل عمل وما رده عليه.

النصوصُ والنقوشُ الأولى

  • نقشُ النَّمارة: في مدوّناتِ النقوشِ الساميّة، وقراءةُ James A. Bellamy, "A New Reading of the Namārah Inscription", JAOS (1985).
  • نقشُ CIH 541: Walter W. Müller وغيرُه؛ ودراساتُ Christian Robin في نقوشِ اليمن.
  • «المجمَع المشرقيّ» (Synodicon Orientale): طبعةُ J.-B. Chabot (1902).
  • «تعليمُ يعقوبَ المعمَّدِ حديثاً» (Doctrina Jacobi): طبعةُ Déroche؛ وضمن Robert Hoyland, Seeing Islam As Others Saw It (1997).
  • نقوشُ قبّةِ الصخرة: Christel Kessler (1970)؛ ودراسةُ Oleg Grabar.
  • بروكوبيوس، تاريخُ الحروب؛ وثيوفانس؛ و«تاريخُ خوزستان»؛ وشمعونُ أسقفُ بيت أرشام و«كتابُ الحميريّين».
  • المصادرُ العربيّةُ الكلاسيكيّة: الطبريّ، والبلاذريّ، وابنُ هشام، والأصفهانيّ (الأغاني)، وياقوت.

الطرفُ المحوريُّ العميقُ ومعيارُ القرابة

  • نقشُ نبونيد عند الحائطِ (Padakku) شمالَ الجزيرة، المنشورُ سنةَ ٢٠٢١، في إصلاحِه الدينيِّ وإقامتِه بتيماء.
  • «صلاةُ نبونيد» (4Q242) من قُمران، ضمن طبعاتِ مخطوطاتِ البحرِ الميّت (García Martínez).
  • Paul-Alain Beaulieu, The Reign of Nabonidus, King of Babylon (1989).
  • Ahmad Al-Jallad & Ali al-Manaser، في الاسمِ الإلهيِّ «ʿsy» في النقوشِ الصفويّة (2022).
  • Karl Jaspers, The Origin and Goal of History (1953)، في «العصرِ المحوريّ».

الدراساتُ الحديثة

  • Patricia Crone & Michael Cook, Hagarism (1977).
  • Patricia Crone, Meccan Trade and the Rise of Islam (1987).
  • John Wansbrough, Quranic Studies (1977).
  • Robert Hoyland, Seeing Islam As Others Saw It (1997)، وIn God's Path (2015).
  • Fred Donner, Muhammad and the Believers (2010).
  • Christoph Luxenberg, Die syro-aramäische Lesart des Koran (2000).
  • Karl-Heinz Ohlig (محرّر)، أعمالُ مدرسةِ إينارا.
  • Dan Gibson, Qurʾānic Geography (2011)، وEarly Islamic Qiblas (2017).
  • David A. King، في تاريخِ تحديدِ القبلةِ والفلكِ الشعبيّ.
  • Irfan Shahîd, Byzantium and the Arabs (سلسلة).
  • Greg Fisher, Arabs and Empires before Islam (2015).
  • Isabel Toral-Niehoff, Al-Ḥīra: Eine arabische Kulturmetropole (2014).
  • Theodor Nöldeke, Geschichte des Qorāns؛ Arthur Jeffery, The Foreign Vocabulary of the Qurʾān (1938)؛ Alphonse Mingana.
  • Gustav Rothstein, Die Dynastie der Laḫmiden (1899).
  • Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture (1998).
  • Behnam Sadeghi & Mohsen Goudarzi, "Ṣanʿāʾ 1 and the Origins of the Qurʾān", Der Islam (2012).
  • Barbara Roggema, The Legend of Sergius Baḥīrā (2009).
  • Jan Retsö, The Arabs in Antiquity (2003).

الوثائقُ المؤرَّخةُ والشهاداتُ المضادّة

تجمع هذه المجموعة الوثائق المبكرة والقراءات المنافسة التي يواجهها الكتاب في الإزاحة والجغرافيا والمنهج، في موضع واحد ليجدها القارئ مجموعة لا مبثوثة.

  • PERF 558، برديّةُ إهناسيا ثنائيّةُ اللغة، جُمادى الأولى سنةَ ٢٢: منشورةٌ عندَ Adolf Grohmann.
  • توما القسّ وحاشيةُ المخطوطِ BL Add. 14461: في A. Palmer, S. Brock, R. Hoyland, The Seventh Century in the West-Syrian Chronicles (Liverpool, 1993).
  • يعقوبُ الرهاويّ، رسائلُه إلى يوحنّا الأسطونيّ، ومنها فقرةُ القِبلة: بتحقيقِ Nau، ومترجَمةً في R. Hoyland, Seeing Islam As Others Saw It (Princeton, 1997)، وهو المرجعُ الجامعُ لشهاداتِ غيرِ المسلمينَ كلِّها.
  • James Howard-Johnston, Witnesses to a World Crisis (Oxford, 2010)، وR. W. Thomson & J. Howard-Johnston, The Armenian History Attributed to Sebeos (Liverpool, 1999)، وفيه التعليقُ التاريخيُّ الذي يَقرأ سِبيوسَ على غيرِ ما قرأناه.
  • Ilkka Lindstedt, Muhammad and His Followers in Context (Brill)، مفتوحُ الوصول، وفيه إحصاءُ النقوشِ وأرقامُ شواهدِ يثرب.
  • Kamal Salibi, The Bible Came from Arabia (1985)، مع ردودِ A. F. L. Beeston وTudor Parfitt، وهي السابقةُ التحذيريّةُ في المنهج.

مراجعُ التراثِ في المعرَّبِ وتوافُقِ اللغات

  • السيوطيّ، «الإتقان في علومِ القرآن»، النوعُ المفرَدُ لِما وقع فيه بغيرِ لغةِ العرب.
  • الشافعيّ، «الرسالة»، في سَعةِ لسانِ العرب.
  • السيوطيّ، «المهذَّب فيما وقع في القرآنِ من المعرَّب».
  • الجواليقيّ، «المعرَّب»، بتحقيقِ أحمد محمد شاكر، وهو المجموعُ القائمُ في الجهةِ المقابلة.

ملاحظة

يجمع ملحق النصوص المقاطع المنقولة، وتحفظ شبكة المشروع لكل صلة مصدرها ودرجة الثقة فيها.